النبذة
١ | ١-١آدم عليه السلام أبو البشر، وأول إنسان خلقه الله. خلقه من تراب، وشرّفه بأربع تشريفات: خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، وعلّمه أسماء الأشياء.[١]
إخبار الملائكة بخلقه
١ | ٢-١أخبر الله الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، يعني آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضاً، تنويهاً بخلقه قبل أن يكون، كما يُخبَر بالأمر العظيم قبل وقوعه.[٣]
١ | ٢-٢فسألت الملائكة عن وجه الحكمة في ذلك، لا اعتراضاً ولا حسداً لبني آدم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك؟ أي نعبدك دائماً لا يعصيك منا أحد. فقال الله: إني أعلم ما لا تعلمون، أي أعلم من المصلحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون، فسيكون منهم الأنبياء والمرسلون والصدّيقون والشهداء والصالحون.[٤]
خلقه من طين
١ | ٣-٢وذكر الله في كتابه أنه خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وأنه قال للملائكة: إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.[٧]
١ | ٣-٥وخلقه الله وطوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال له: اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة فاستمع ما يجيبونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله. وكل من يدخل الجنة على صورة آدم، ولم يزل الخلق ينقص بعده.[٩، ١٠]
١ | ٣-٧ولما نُفخ فيه الروح فبلغت رأسه عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال له الله تبارك وتعالى: يرحمك الله. رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أنس بن مالكرضي اللهعنه عن رسول الله ﷺ.[١٢]
تعليمه الأسماء
١ | ٤-١ثم بيّن الله للملائكة فضل آدم عليهم في العلم، فعلّمه الأسماء كلها. قال ابن عباس: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وجمل، وحمار، وأشباه ذلك.[١٣]
١ | ٤-٢ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، فقالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا، أي لا يحيط أحد بشيء من علمك إلا بتعليمك. فقال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، أي أعلم السرّ كما أعلم العلانية.[١٤]
سجود الملائكة وإباء إبليس
١ | ٥-١وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم إكراماً له، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس، وكان من الجن، أبى واستكبر. فقال الله له: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ؟ فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين.[١، ١٦]
١ | ٥-٤فقد نظر إبليس إلى نفسه وقاسها بآدم، فرأى نفسه أشرف منه فامتنع من السجود، مع أن الأمر بالسجود كان له ولسائر الملائكة. وقياسه فاسد في نفسه؛ فالطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنموّ، والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والإحراق، ثم إن آدم شرّفه الله بخلقه بيده ونفخه فيه من روحه.[١٨]
١ | ٥-٥فأخرجه الله من المنزلة التي كان قد نالها بعبادته، وأهبطه مذموماً مدحوراً. فسأل الله أن يُنظره إلى يوم يُبعثون فأنظره، فتوعّد أن يقعد لبني آدم على الصراط المستقيم، وأن يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. فالسعيد من خالفه، والشقيّ من اتبعه.[١٩]
في الجنة
١ | ٦-١وخلق الله من آدم زوجه حواء ليسكن إليها، كما قال تعالى: خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها. وأمرهما أن يسكنا الجنة ويأكلا منها رغداً حيث شاءا، ونهاهما عن شجرة واحدة.[٢١]
١ | ٦-٣وحذّر الله آدم من إبليس فقال: إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنّكما من الجنة فتشقى، إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى؛ أي لا يذلّ باطنك بالجوع ولا ظاهرك بالعري، ولا يمسّ باطنك حرّ الظمأ ولا ظاهرك حرّ الشمس.[٢٣، ٢٤]
١ | ٦-٤ولم يعيّن الله الشجرة في كتابه، ولو كان في تعيينها مصلحة تعود إلينا لعيّنها لنا.[٢٥]
الأكل من الشجرة
١ | ٧-١فوسوس لهما الشيطان وزيّن لهما الأكل منها، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وحلف لهما: إني لكما لمن الناصحين. وقال لآدم: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟ وهذا من التغرير والإخبار بخلاف الواقع.[٢٦]
١ | ٧-٢فدلّاهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.[٢٧]
١ | ٧-٥فناداهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين؟ فقالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين. وهذا اعتراف ورجوع إلى الإنابة، وتذلّل وخضوع وافتقار إلى الله، وما سرى هذا في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه.[٢٩]
الهبوط إلى الأرض والتوبة
١ | ٨-١فأُهبط آدم وحواء من الجنة إلى الأرض، من النعيم والنضرة والسرور إلى دار التعب والسعي، والابتلاء والاختبار، واختلاف الناس ديناً وأخلاقاً وأعمالاً، كما قال تعالى: ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين.[٣١]
١ | ٨-٢وتلقّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم. وأخبرهم الله أن من تبع هداه الذي ينزله عليهم بعد ذلك فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي.[٣٢]
ابنا آدم
١ | ١٠-١وقصّ الله نبأ ابني آدم، وهما عند أهل الأخبار قابيل وهابيل: قرّب كل منهما قرباناً، فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر، فقال الذي لم يُتقبّل منه: لأقتلنّك، فقال أخوه: إنما يتقبّل الله من المتقين.[٣٥]
١ | ١٠-٣ثم قال له: لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين. وهذا يدل على خلق حسن، وخوف من الله وخشية منه، وتورّع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراده به.[٣٧]
١ | ١٠-٥فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله، فأصبح من الخاسرين. فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، فقال: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي، فأصبح من النادمين.[٣٥]
وفاته
١ | ١١-١ولما حضرت آدمَ الوفاةُ عهد إلى ابنه شيث، ومعنى شيث: هبة الله، سمّاه أبواه بذلك لأنهما رُزقاه بعد أن قُتل هابيل.[٤٠]
١ | ١١-٢قال أُبيّ بن كعبرضي اللهعنه: لما حضر آدمَ الموتُ قال لبنيه: إني أشتهي من ثمار الجنة، فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه، فقالوا: ارجعوا فقد قُضي أبوكم. فجاؤوا، فقبضه الملائكة وغسّلوه وكفّنوه وحنّطوه، وحفروا له ولحدوه وصلّوا عليه، ثم أدخلوه قبره وحثوا عليه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنّتكم. قال ابن كثير: إسناد صحيح إليه.[٤١]
١ | ١١-٣وقام بالأمر بعده ابنه شيث عليه السلام، وكان نبياً، بنصّ الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعاً أنه أُنزل عليه خمسون صحيفة.[٤٢]
مصادر الترجمة
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 8
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 5
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 5-6
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 3
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 46
- صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ)، رقم 3326
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 41
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 6
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 7
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 10
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 9
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 11-12
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 12-13
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 12
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 19
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 14
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 20
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 21
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 23-24
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 19-20
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 24-25
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 55
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 56-57
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 67
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 67-68
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 69
النبذة
٣ | ١-١هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس، ينتهي نسبه إلى شيث بن آدم أبي البشر عليهم السلام. وكان بين آدم ونوح عشرة قرون، كما في حديث أبي أمامة الذي رواه ابن حبان في صحيحه، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.[١]
كيف عُبدت الأصنام
٣ | ٢-١ثم بعد تلك القرون الصالحة آل الحال بالناس إلى عبادة الأصنام. وكان سبب ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ ودّاً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت.[٢]
٣ | ٢-٣فلما انتشر الفساد في الأرض وعمّ البلاء بعبادة الأصنام، بعث الله عبده ورسوله نوحاً عليه السلام يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه، فكان أول رسول بُعث إلى أهل الأرض، كما يقول أهل الموقف يوم القيامة: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسمّاك الله عبداً شكوراً.[٤، ٥]
دعوته قومه
٣ | ٣-١دعاهم إلى إفراد الله بالعبادة، وألا يعبدوا معه صنماً ولا تمثالاً ولا طاغوتاً، فدعاهم بأنواع الدعوة في الليل والنهار، في السرّ والجهار، بالترغيب تارة والترهيب أخرى، فلم ينجح ذلك فيهم، بل استمر أكثرهم على الضلالة وعبادة الأصنام، ونصبوا له العداوة، وتنقّصوه وتنقّصوا من آمن به، وتوعّدوهم بالرجم والإخراج.[٦]
٣ | ٣-٥فقال الملأ، وهم السادة الكبراء من قومه: إنا لنراك في ضلال مبين، فقال: يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، أبلّغكم رسالات ربي وأنصح لكم. وتعجبوا أن يكون الرسول بشراً، وتنقّصوا من اتّبعه وقالوا: ما نراك اتّبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي، أي استجابوا لك بمجرد ما دعوتهم. وهذا الذي رموهم به هو عين ما يُمدحون به؛ فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى رويّة، بل يجب اتّباعه متى ظهر.[٨]
٣ | ٣-٦ثم كأنهم طلبوا منه أن يُبعد هؤلاء عنه ووعدوه أن يجتمعوا به إن فعل، فأبى وقال: وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم. وقال لهم: ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك، أي بل أنا عبد رسول، لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمني به.[٩]
٣ | ٣-٧وتطاول الزمان والمجادلة بينه وبينهم، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما آمن به إلا القليل. وكان كلما انقرض جيل وصّوا من بعدهم بألا يؤمنوا به وأن يحاربوه، وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصّاه ألا يؤمن بنوح أبداً. وقالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.[١٠]
دعاؤه على قومه وصنع السفينة
٣ | ٤-١وأوحى الله إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون، تسليةً له وتعزية. فلما يئس من صلاحهم، ورأى أنهم لا خير فيهم، وأنهم توصّلوا إلى أذيّته وتكذيبه بكل طريق، دعا عليهم: ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً، إنك إن تذرهم يُضلّوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً. فلبّى الله دعوته.[١٢]
٣ | ٤-٤فأمره الله أن يصنع الفلك، وهي السفينة العظيمة، بأعين الله ووحيه، أي بأمره ومرأى منه ليرشده إلى الصواب في صنعتها، وتقدّم إليه ألا يراجعه في قومه إذا حلّ بهم العذاب. فجعل يصنع الفلك، وكلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه استبعاداً لما توعّدهم به، فقال: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم.[١٤، ١٥]
الطوفان
٣ | ٥-١وأمره الله إذا جاء أمره وفار التنور أن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات لبقاء نسلها، وأن يحمل أهله إلا من سبق عليه القول منهم بالهلاك لكفره، ومن آمن به، وما آمن معه إلا قليل، مع طول المدة ودعوته لهم ليلاً ونهاراً.[١٧، ١٨]
٣ | ٥-٣فلما ركبوا قال: اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، أي على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه. وأرسل الله من السماء مطراً لم تعهده الأرض قبله، كأفواه القِرَب، وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها، فالتقى الماء على أمر قد قُدر، وجرت السفينة بهم في موج كالجبال، تجري بأعين الله، أي بحفظه وكلاءته. وعمّ الماء جميع الأرض، سهلها وجبالها، ولم يبق على وجهها ممن كان بها من الكافرين عين تطرف.[٢٠]
ابنه الذي غرق
٣ | ٦-١ونادى نوح ابنه، وكان في معزل: يا بُنيّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، فقال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين. وكان هذا الابن كافراً، خالف أباه في دينه، فهلك مع من هلك، ونجا مع نوح من ليسوا من أهله في النسب لمّا وافقوه في الدين.[٢٢]
٣ | ٦-٤ثم ناشد نوح ربه في ولده على وجه الاستعلام: ربّ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق، أي إنك وعدتني بنجاة أهلي وهو منهم، فأُجيب بأنه ليس من أهلك الذين وُعدت بنجاتهم، إنه عمل غير صالح، فكان ممن سبق عليه القول بأنه سيغرق بكفره. فقال نوح: ربّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين.[٢٤]
الهبوط من السفينة
٣ | ٧-١فلما فرغ الله من أهل الأرض الذين عبدوا غيره، أمر الأرض أن تبتلع ماءها والسماء أن تُقلع عن المطر، وغيض الماء، واستوت السفينة على الجوديّ، وهو جبل مشهور بأرض الجزيرة، وقيل: بُعداً للقوم الظالمين.[٢٦، ٢٤]
٣ | ٧-٣ثم أمر الله نوحاً لمّا نضب الماء عن وجه الأرض أن يهبط من السفينة: اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك، أي من أولادك؛ فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلاً ولا عقباً سوى نوح، كما قال: وجعلنا ذريته هم الباقين، فكل من على وجه الأرض اليوم من بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة: سام وحام ويافث.[٢٤]
شكره ووصيته
٣ | ٨-١ووصفه الله بأنه كان عبداً شكوراً، والظاهر أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية.[٢٩]
٣ | ٨-٢وأخبر رسول الله ﷺ أن نوحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاصّ عليك وصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وُضعت في كفّة ووُضعت لا إله إلا الله في كفّة رجحت بهن لا إله إلا الله، وبسبحان الله وبحمده فإن بها صلاة كل شيء وبها يُرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر. فسُئل رسول الله ﷺ عن الكبر فقال: سفه الحق وغمط الناس. رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح.[٣٠]
مصادر الترجمة
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 74
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 85
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 75
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 87-88
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 88-89
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 89-90
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 91-92
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 92-93
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 93-94
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 94-95
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 97
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 97-98
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 100
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 101-102
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 103
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 108
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 103-104
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 115-116
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 117-118
٦إبراهيم عليه السلام
خليل الرحمن
النبذة
٦ | ١-١هو إبراهيم بن تارَخ بن ناحور، من ذرية سام بن نوح عليه السلام، وكان يُكنى أبا الضِّيفان. وُلد في أرض الكلدانيين، وهي أرض بابل، وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ. وتزوج سارة، وكانت عاقراً لا تلد، ثم خرج أبوه بأهله من أرض بابل قاصدين أرض الكنعانيين، وهي بلاد بيت المقدس، فنزلوا حرّان، فمات فيها أبوه.[١]
٦ | ١-٢وكان أهل حرّان يعبدون الكواكب السبعة، وأهل بابل يعبدون الأصنام، وكل من كان على وجه الأرض يومئذ كانوا كفاراً، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط. فكان الخليل هو الذي أزال الله به تلك الشرور وأبطل به ذاك الضلال؛ فإن الله آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولاً، واتخذه خليلاً في كبره.[٢]
دعوته أباه
٦ | ٢-١وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له، فدعاه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة: بيّن له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً؟ ثم نبّهه على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سناً من أبيه.[٤]
٦ | ٢-٧فلم يقبل أبوه النصيحة، بل تهدّده وتوعّده، وقال له: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته لأرجمنك، واهجرني ملياً، أي اقطعني وأطِل هجراني. فعندها قال له إبراهيم: سلام عليك، أي لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى، وزاده خيراً فقال: سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً، أي لطيفاً في أن هداني لعبادته والإخلاص له.[٦]
٦ | ٢-١١وقد استغفر له إبراهيم كما وعده في أدعيته، فلما تبيّن له أنه عدو لله تبرّأ منه.[٨]
مناظرته قومه في الكواكب
٦ | ٣-١ثم ناظر قومه من أهل حرّان، وكانوا يعبدون الكواكب، فبيّن لهم أن هذه الأجرام المشاهدة لا تصلح للألوهية ولا أن تُعبد مع الله؛ لأنها مخلوقة مربوبة مسخّرة، تطلع تارة وتأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية. فبيّن لهم أولاً عدم صلاحية الكوكب لذلك، ثم ترقّى منه إلى القمر الذي هو أضوأ منه، ثم ترقّى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياءً، فبيّن أنها مسخّرة مسيّرة مقدّرة مربوبة.[١٠]
٦ | ٣-٦والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب كانت لأهل حرّان، فإنهم كانوا يعبدونها، لا أنه قالها حين كان صغيراً كما في أخبار إسرائيلية لا يوثق بها.[١٢]
تكسير الأصنام
٦ | ٤-١وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسّرها عليهم. أنكر عليهم عبادتها وحقّرها عندهم، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ قالوا: وجدنا آباءنا لها عابدين؛ فما كانت حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد. وسألهم: هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون؟ فسلّموا له أنها لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر، وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم.[١٣]
٦ | ٤-٥فقالوا: أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين؟ أي أتقول هذا جاداً أم لاعباً؟ فقال: بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن، أي بل أقوله جاداً محقاً، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، فهو المستحق للعبادة وحده. ثم أقسم: وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين، أي إلى عيدهم.[١٥]
٦ | ٤-٩وكان لهم عيد يذهبون إليه كل عام مرة إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضره، فنظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم، عرّض لهم في الكلام حتى توصّل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم. فلما خرجوا إلى عيدهم ذهب إليها مسرعاً مستخفياً، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها، فقال لها متهكماً: ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟ ثم مال عليها ضرباً باليمين، فكسّرها بقَدوم في يده، فجعلها حطاماً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون.[١٧]
٦ | ٤-١٦فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حلّ بمعبودهم قالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، أي يذكرها بالعيب والتنقص. قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، أي في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل: أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عبّاد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه.[١٩]
٦ | ٤-٢٠فلما اجتمعوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، وإنما أراد أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات. فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة، ثم أطرقوا وقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون، أي فكيف تأمرنا بسؤالها! فعند ذلك قال لهم الخليل: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم؟ أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟ وقال: أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون؛ أي كيف تعبدون أصناماً تنحتونها بأيديكم من الخشب والحجارة، وأنتم مخلوقون وهي مخلوقة؟[٢١]
في النار
٦ | ٥-١فلما انقطعوا وغُلبوا ولم تبق لهم حجة، عدلوا عن الجدال إلى استعمال قوتهم وسلطانهم، فقالوا: حرّقوه وانصروا آلهتكم. فشرعوا يجمعون حطباً من كل مكان، فمكثوا مدة يجمعون له، حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطباً لحريق إبراهيم. ثم عمدوا إلى حفرة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار، فاضطربت وتأججت وعلا لها شرر لم يُرَ مثله قط.[٢٣]
٦ | ٥-٣ثم أخذوا يقيّدونه ويكتّفونه، فلما ألقوه في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قيل له: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.[٢٥]
٦ | ٥-٥فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. قال علي بن أبي طالبرضي اللهعنه: أي لا تضرّيه. وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: وسلاماً على إبراهيم، لآذى إبراهيمَ بردُها. فأرادوا أن ينتصروا فخُذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتّضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغُلبوا.[٢٧]
٦ | ٥-٨وروى البخاري عن أم شريك أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وقال: كان ينفخ على إبراهيم. وفي رواية الإمام أحمد عن عائشةرضي اللهعنها عن رسول الله ﷺ: أن إبراهيم لما أُلقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ، فإنه جعل ينفخها عليه.[٢٩]
مناظرته الملك
٦ | ٦-١وناظر الخليلُ الملكَ الجبار المتمرد الذي ادّعى لنفسه الربوبية، قال المفسرون وغيرهم: وهو ملك بابل، واسمه النمرود. فلما دعاه إبراهيم إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال على إنكار الصانع، فحاجّ إبراهيم وادّعى لنفسه الربوبية. فلما قال الخليل: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت؛ قال قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: يعني أنه إذا أُتي بالرجلين قد تحتّم قتلهما، فأمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر. وهذا ليس بمعارضة للخليل، بل هو كلام خارج عن مقام المناظرة.[٣٠]
٦ | ٦-٢ولما كان انقطاعه قد يخفى على كثير من الناس، ذكر له دليلاً آخر يبيّن بطلان ما ادّعاه جهرة، فقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب؛ أي هذه الشمس مسخّرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخّرها خالقها، فإن كنت كما زعمت فأت بها من المغرب. فلم يبق له كلام يجيب به الخليل، بل انقطع وسكت، ولهذا قال: فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.[٣١]
الهجرة إلى الشام ومصر
٦ | ٧-١ثم هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم، وكانت امرأته عاقراً، ولم يكن له من الولد أحد، بل معه ابن أخيه لوط، فآمن له لوط. ووهبه الله بعد ذلك الأولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل نبي بُعث بعده فهو من ذريته؛ كرامةً له حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى بلد يتمكن فيه من عبادة ربه ودعوة الخلق إليه. والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام، وهي التي قال الله فيها: إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين.[٣٣]
٦ | ٧-٥ثم أصاب الأرضَ قحط وشدة فارتحلوا إلى مصر. وروى البخاري عن أبي هريرة أن إبراهيم أتى بسارة على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: أختي. فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذّبيني. وقوله: أختي، أي في دين الله.[٣٦، ٣٧]
٦ | ٧-٦فأرسل إليها، وفي رواية الإمام أحمد أنها لما دخلت عليه قامت تتوضأ وتصلي وتدعو الله ألا يسلّطه عليها. فلما ذهب يتناولها بيده أُخذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأُطلق؛ ثم تناولها الثانية فأُخذ مثلها أو أشد، فدعت فأُطلق. فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان، فأخدمها هاجر. وكان إبراهيم من وقت ذُهب بها إلى الملك قام يصلي ويسأل الله أن يدفع عن أهله.[٣٨]
٦ | ٧-٨ثم رجع الخليل من بلاد مصر إلى الأرض المقدسة التي كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية. ثم إن لوطاً نزح بماله بأمر الخليل إلى أرض الغَور، فنزل بمدينة سدوم، وكان أهلها أشراراً كفاراً فجاراً.[٤٠]
إسماعيل وأمه بمكة
٦ | ٨-١وذكر أهل الكتاب أن سارة وهبت هاجر لإبراهيم لعل الله يرزقها منها ولداً، فولدت له إسماعيل، وهو أول ولد وُلد له، على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل. فلما وُلد لها إسماعيل اشتدت غيرة سارة منها، فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم.[٤١، ٤٢]
٦ | ٨-٢روى البخاري عن ابن عباس قال: جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقاً.[٤٣]
٦ | ٨-٦وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه تنظر هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت حتى إذا بلغت بطن الوادي سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال النبي ﷺ: فلذلك سعي الناس بينهما.[٤٥]
٦ | ٨-٧فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه في سقائها وهو يفور. قال النبي ﷺ: يرحم الله أم إسماعيل! لو تركت زمزم لكانت زمزم عيناً معيناً. فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيّع أهله.[٤٦]
٦ | ٨-٨ثم مرّت بهم رفقة من جُرهم، فرأوا طائراً يدور على ماء، فأرسلوا من ينظر، فإذا هم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قال النبي ﷺ: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأُنس. فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، وشبّ الغلام وتعلّم العربية منهم، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل.[٤٧]
٦ | ٨-٩فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجده، فسأل امرأته عن عيشهم فقالت: نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، فقال: إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل وأخبرته قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، فطلّقها وتزوج منهم أخرى. ثم أتاهم إبراهيم بعدُ فلم يجده، فسأل امرأته فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، فقال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء؛ وقال لها: مُريه يثبّت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.[٤٨]
الذبيح
٦ | ٩-١ولما هاجر الخليل من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فبشّره الله بغلام حليم، وهو إسماعيل، لأنه أول من وُلد له وبكره. فلما بلغ معه السعي، أي شبّ وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل، رأى إبراهيم في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا، ورؤيا الأنبياء وحي. وهذا اختبار من الله لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر، بعد ما أمر بأن يُسكنه هو وأمه في بلاد قفر، فامتثل أمر الله وسارع إلى طاعته.[٤٩]
٦ | ٩-٥ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسراً، فقال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟ فبادر الغلام الحليم فقال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد.[٥١]
٦ | ٩-٧فلما أسلما، أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك، وتلّه للجبين، أي ألقاه على وجهه، نودي من الله: أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا؛ أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك، وبذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران. إن هذا لهو البلاء المبين، أي الاختبار الظاهر البيّن. وفديناه بذبح عظيم، وقد ورد في الحديث أنه كان كبشاً، وفي القرآن كفاية عما جرى من الأمر العظيم.[٥٣]
٦ | ٩-١٣والذبيح هو إسماعيل على الصحيح، وهو الظاهر من القرآن بل كأنه نص فيه، لأن الله ذكر قصة الذبيح ثم قال بعدها: وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين. وقد بُشّر بإسحاق ومن ورائه يعقوب، فكيف يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له يعقوب؟ ولأن قرني الكبش بقيا معلقين في الكعبة، وإسماعيل هو الذي كان مقيماً بمكة. وهو الصحيح عن ابن عباس، قال: المفديّ إسماعيل.[٥٥]
البشارة بإسحاق
٦ | ١٠-١ثم جاءت الملائكة إبراهيمَ وهم مجتازون ذاهبون إلى مدائن قوم لوط ليدمّروا عليهم لكفرهم وفجورهم، فحسبهم أولاً أضيافاً، فعاملهم معاملة الضيوف، وشوى لهم عجلاً سميناً من خيار بقره، فلما قرّبه إليهم لم ير لهم همّة إلى الأكل، لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام، فأوجس منهم خيفة، قالوا: لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط.[٥٦]
٦ | ١٠-٤وكانت سارة قائمة على رؤوس الأضياف، فلما ضحكت استبشاراً بهلاك القوم بشّرتها الملائكة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فأقبلت في صرخة فصكّت وجهها كما يفعل النساء عند التعجب، وقالت: يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً؟ إن هذا لشيء عجيب. قالوا: أتعجبين من أمر الله؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. وتعجّب إبراهيم استبشاراً بالبشارة وفرحاً بها، فأكدوا له الخبر: بشّرناك بالحق فلا تكن من القانطين.[٥٨]
٦ | ١٠-٨وفي البشارة بيعقوب من وراء إسحاق دليل على أنهما يستمتعان بولدهما إسحاق، ثم من بعده يولد ولده يعقوب في حياتهما لتقرّ أعينهما به كما قرّت بأبيه.[٦٠]
بناء البيت
٦ | ١١-١ثم أمر الله إبراهيم أن يبني له بيتاً يكون لأهل الأرض، وبوّأه مكانه، أي أرشده إليه ودلّه عليه. ففي حديث ابن عباس الذي رواه البخاري أن إبراهيم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكَمة مرتفعة على ما حولها.[٦١، ٦٢]
٦ | ١١-٢فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم. وهذا الحجر هو مقام إبراهيم، وقد كان ملصقاً بحائط الكعبة إلى أيام عمر بن الخطابرضي اللهعنه فأخّره عن البيت قليلاً لئلا يشغل المصلّون عنده الطائفين.[٦١، ٦٣]
٦ | ١١-٦فبنى الخليل أشرف المساجد في أشرف البقاع، في واد غير ذي زرع، ودعا لأهلها بالبركة وأن يُرزقوا من الثمرات، وأن يجعله حرماً آمناً، فاستجاب الله له. وسأل الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم، فاستجاب الله له فبعث فيهم محمداً ﷺ، ختم به أنبياءه ورسله. وأمره الله أن يؤذّن في الناس بالحج.[٦٥، ٦٦]
٦ | ١١-٩وبين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى أربعون سنة، كما في الصحيحين عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وُضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة.[٦٨]
صفته ووفاته
٦ | ١٢-١وقال رسول الله ﷺ في صفته: رأيت عيسى ابن مريم وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم، قالوا له: فإبراهيم؟ قال: انظروا إلى صاحبكم، يعني نفسه ﷺ. رواه الإمام أحمد عن ابن عباس، ورواه البخاري ومسلم بنحوه.[٦٩]
٦ | ١٢-٢وذكر أهل الكتاب أن سارة ماتت قبله بقرية حبرون في أرض كنعان، فحزن عليها إبراهيم، واشترى مغارة دفنها فيها، ثم مرض إبراهيم ومات، ودُفن في تلك المغارة عند امرأته سارة، وتولّى دفنه ابناه إسماعيل وإسحاق، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.[٧٠]
مصادر الترجمة
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 167-168
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 168-169
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 170-171
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 171
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 172
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 173-175
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 175
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 175-177
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 178
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 178-179
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 179-180
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 180-181
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 181-182
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 182
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 183-184
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 184-185
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 187-188
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 189
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 191
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 193-194
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 197
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 193-197
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 198
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 200-202
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 210
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 203
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 204
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 204-205
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 205
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 205-207
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 210-211
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 211
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 212-213
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 213-216
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 218-219
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 219-220
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 221
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 207
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 225
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 226
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 224
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 227-228
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 221-222
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 247-248
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 249-250
النبذة
٧ | ١-١هو لوط بن هاران بن تارح، ابن أخي إبراهيم الخليل؛ فإبراهيم وهاران وناحور إخوة. وكان لوط قد آمن لإبراهيم وهاجر معه، ثم نزح عن محلّة عمه الخليل بأمره له وإذنه، فنزل بمدينة سدوم من أرض غَور زُغَر، وكانت أمّ تلك المحلّة، ولها أرض ومعتمَلات وقرى مضافة إليها.[١]
٧ | ١-٢وكان لها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوئهم طويّة، يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه. وابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكران من العالمين، وترك ما خلق الله من النساء لعباده.[١]
دعوته قومه
٧ | ٢-١فدعاهم لوط إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرّمات والفواحش المنكرات، فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به، ولا رجل واحد منهم، ولم يتركوا ما عنه نُهوا، بل استمروا على حالهم، وهمّوا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم.[١، ٢]
٧ | ٢-٤وما كان جوابهم إلا أن قالوا: أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون، فجعلوا غاية المدح ذمّاً يقتضي الإخراج، وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج. وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم، وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم، المنكر من الأقوال والأفعال، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل.[٤]
٧ | ٢-٦وقالوا له فيما قالوا: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين، فطلبوا منه وقوع ما حذّرهم عنه من العذاب الأليم. فعند ذلك دعا عليهم نبيّهم الكريم، فسأل رب العالمين أن ينصره على القوم المفسدين، فاستجاب الله لدعوته، وبعث رسله الكرام وملائكته العظام.[٦]
الملائكة عند إبراهيم
٧ | ٣-١فمرّت الملائكة على الخليل إبراهيم وبشّروه بالغلام العليم، وأخبروه بما جاؤوا له: إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، قال: إن فيها لوطاً، قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. فجعل إبراهيم يجادلهم في قوم لوط، لأنه كان يرجو أن ينيبوا ويُسلموا ويرجعوا، فقيل له: يا إبراهيم أعرض عن هذا، أي فإنه قد حُتم أمرهم ووجب عذابهم.[٨]
أضياف لوط
٧ | ٤-١قال المفسرون: لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان، اختباراً من الله لقوم لوط وإقامةً للحجة عليهم، فاستضافوا لوطاً عند غروب الشمس، فخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشراً من الناس، فسيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال: هذا يوم عصيب، أي شديد بلاؤه؛ لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، وكان قومه قد اشترطوا عليه ألا يضيف أحداً.[١١]
٧ | ٤-٣وذكر قتادة أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها، فاستحيا منهم، وانطلق أمامهم، وجعل يعرّض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية، فقال لهم: والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء، حتى كرّر ذلك أربع مرات، وكانوا قد أُمروا ألا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك. فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاءه قومه يُهرعون إليه.[١٣]
٧ | ٤-٤فقال لهم: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، يرشدهم إلى نسائهم، وهن بناته شرعاً، لأن النبي للأمة بمنزلة الوالد، وهذا هو الصواب الذي نصّ عليه مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق. وقال: فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد؟ فقالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.[١٤]
٧ | ٤-٧فقال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، ودّ أن لو كان له بهم قوة أو منعة وعشيرة ينصرونه عليهم. وقال رسول الله ﷺ: رحمة الله على لوط، إن كان يأوي إلى ركن شديد، يعني الله عز وجل، فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه.[١٦]
نجاة لوط وهلاك قومه
٧ | ٥-١وذكر المفسرون أن لوطاً جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق، وهم يرومون فتحه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، فلما ضاق الأمر قالت الملائكة: يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك. وذكروا أن جبريل خرج عليهم فضرب وجوههم بطرف جناحه فطُمست أعينهم، فرجعوا يتحسّسون مع الحيطان، ويتوعّدون لوطاً إذا كان الغد.[١٨]
٧ | ٥-٣وأمرته الملائكة أن يسري هو وأهله من آخر الليل، ولا يلتفت منهم أحد عند سماع صوت العذاب إذا حلّ بقومه، وأن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم، وقالوا له: إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب. فخرج لوط بأهله، وهم ابنتاه، لم يتبعه منهم رجل واحد.[٢٠]
٧ | ٥-٥فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس جاءهم من أمر الله ما لا يُرد، فجعل الله عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجّيل منضود، أي يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم من السماء، مسوّمة، أي معلَّمة، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه، من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها.[٢٢]
٧ | ٥-٨وأما امرأة لوط فقيل: مكثت مع قومها، وقيل: خرجت مع زوجها وبنتيها، فلما سمعت الصيحة وسقوط البلدة التفتت إلى قومها وقالت: واقوماه! فسقط عليها حجر فألحقها بقومها؛ إذ كانت على دينهم، وكانت عيناً لهم على من يكون عند لوط من الضيفان. وخيانتها كانت في الدين، وليس المراد أنها كانت على فاحشة، قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف: ما بغت امرأة نبي قط.[٢٤]
العبرة
٧ | ٦-١وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا يُنتفع بمائها ولا بما حولها من الأراضي، فصارت عبرة وعظة وآية على قدرة الله وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذّب رسله، ودليلاً على رحمته بعباده المؤمنين في إنجائه إياهم. وهي بطريق مسلوك إلى الآن، يمرّ الناس عليها مصبحين وبالليل.[٢٦]
٧ | ٦-٦تركها الله عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة، وخشي الرحمن بالغيب، ونهى النفس عن الهوى، فانزجر عن محارم الله وخاف أن يشابه قوم لوط.[٢٩]
مصادر الترجمة
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 254
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 259
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 260
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 260-261
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 261
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 262
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 262-263
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 263-264
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 265
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 266
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 266-267
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 267-268
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 268-269
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 270-271
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 271
١١يوسف عليه السلام
الكريم ابن الكريم
النبذة
١١ | ١-١كان ليعقوب اثنا عشر ولداً ذكراً، وكان أشرفهم وأجلّهم وأعظمهم يوسف. وقد أنزل الله في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم، ليُتدبّر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب. وقال رسول الله ﷺ: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. ولما سُئل: أي الناس أكرم؟ قال: يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله.[١، ٢]
الرؤيا
١١ | ٢-١قال المفسرون: رأى يوسف وهو صغير قبل أن يحتلم كأن أحد عشر كوكباً، وهم إشارة إلى إخوته، والشمس والقمر، وهما عبارة عن أبويه، قد سجدوا له، فهاله ذلك. فلما استيقظ قصّها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، فأمره بكتمانها وألا يقصّها على إخوته، كيلا يحسدوه ويكيدوه بأنواع الحيل.[٤]
١١ | ٢-٤وقال له: وكذلك يجتبيك ربك، أي يخصّك بأنواع اللطف والرحمة، ويعلّمك من تأويل الأحاديث، أي يفهّمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك، ويتم نعمته عليك بالوحي إليك، كما أتمّها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق.[٦]
في الجب
١١ | ٣-١ثم حسد إخوةُ يوسف يوسفَ على محبة أبيه له ولأخيه بنيامين أكثر منهم، وهم جماعة، فقالوا: إن أبانا لفي ضلال مبين، أي بتقديمه حبّهما علينا. ثم تشاوروا في قتله أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها، ليخلو لهم وجه أبيهم، وأضمروا التوبة بعد ذلك. فقال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة، أي المارة من المسافرين.[٨]
١١ | ٣-٥فطلبوا من أبيهم أن يرسله معهم، وأظهروا أنهم يريدون أن يرعى معهم ويلعب، فقال: إني ليحزنني أن تذهبوا به، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون، فقالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون. فلم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، فما كان إلا أن غابوا عن عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه، وأجمعوا على إلقائه في غيابة الجب، أي في قعره.[١٠]
١١ | ٣-١٠فلما ألقوه فيه أوحى الله إليه أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة، ولتخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك. ثم أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم سخلة ذبحوها، ورجعوا إلى أبيهم عشاءً يبكون، فقالوا: إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب. قالوا: ونسوا أن يخرقوه! فلم يرُج صنيعهم على أبيهم، فقال: بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل.[١٢]
في بيت العزيز
١١ | ٤-١وجلس يوسف في الجب ينتظر فرج الله ولطفه به، فجاءت سيارة، أي مسافرون، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلّق فيه يوسف، فقال: يا بشرى هذا غلام، وأسرّوه بضاعة، أي أوهموا أنه غلام من جملة متجرهم. ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا: هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم بثمن بخس، أي قليل نزر، دراهم معدودة.[١٤]
١١ | ٤-٤فاشتراه عزيز مصر، وهو الوزير بها الذي الخزائن مسلّمة إليه، فقال لامرأته: أكرمي مثواه، أي أحسني إليه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. وهذا من لطف الله به ورحمته، بما يريد أن يؤهّله له؛ فكما قيّض الله العزيز وامرأته يحسنان إليه مكّن له في أرض مصر، والله غالب على أمره، أي إذا أراد شيئاً قيّض له أسباباً لا يهتدي إليها العباد. ولما بلغ أشدّه آتاه الله حكماً وعلماً.[١٦]
المراودة والعصمة
١١ | ٥-١ثم راودته امرأة العزيز عن نفسه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وغلّقت الأبواب عليها وعليه، وتهيّأت له، وهو شاب بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء، وحماه عن مكر النساء، فقال: معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، يعني زوجها صاحب المنزل، أحسن إليّ وأكرم مقامي عنده، إنه لا يفلح الظالمون.[١٨]
١١ | ٥-٣وأكثر أقوال المفسرين في قوله: ولقد همّت به وهمّ بها، متلقّى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنه أولى. والذي يجب أن يُعتقد أن الله عصمه وبرّأه ونزّهه عن الفاحشة وصانه منها، ولهذا قال: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين. وهو داخل في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله.[٢٠]
١١ | ٥-٥فهرب منها طالباً الباب ليخرج فراراً منها، فاتبعته في أثره، وقدّت قميصه من دبر، ووجدا زوجها لدى الباب، فبادرته بالكلام وقالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن أو عذاب أليم، اتهمته وهي المتهمة. فقال يوسف: هي راودتني عن نفسي، احتاج أن يقول الحق عند الحاجة. وشهد شاهد من أهلها: إن كان قميصه قُدّ من قُبُل فصدقت، وإن كان قميصه قُدّ من دُبُر فكذبت؛ لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلّقت فيه، وكذلك كان.[٢٢]
١١ | ٥-١٠فلما رأى زوجها قميصه قُدّ من دبر قال: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم، ثم قال: يوسف أعرض عن هذا، أي لا تذكره لأحد، وأمرها بالاستغفار لذنبها.[٢٤]
نسوة المدينة
١١ | ٦-١ثم تحدّث نساء الأمراء وبنات الكبراء في المدينة بالطعن على امرأة العزيز في مراودتها فتاها، فلما سمعت بمكرهن أحبّت أن تبسط عذرها عندهن، فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها، وأعتدت لهن ضيافة، وأحضرت شيئاً مما يُقطع بالسكاكين، وآتت كل واحدة منهن سكيناً، وأمرت يوسف بالخروج عليهن، فلما رأينه أعظمنه وأجللنه، وبهرهن حسنه حتى جعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح، وقلن: حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم. وقد جاء في حديث الإسراء: فمررت بيوسف وإذا هو قد أُعطي شطر الحسن.[٢٦]
١١ | ٦-٤فقالت: فذلكن الذي لمتنني فيه، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن. وحرّضه بقية النساء على طاعة سيدته فأبى أشد الإباء، ودعا ربه فقال: رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين؛ أي إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها إلا العجز والضعف. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن.[٢٨]
في السجن
١١ | ٧-١ثم بدا للعزيز وامرأته، بعدما علموا براءة يوسف، أن يسجنوه إلى وقت، ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية، فسجنوه ظلماً وعدواناً، وكان هذا مما قدّر الله له ومن جملة ما عصمه به. ودخل معه السجن فتيان، قيل: كان أحدهما ساقي الملك والآخر خبّازه، فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه وكثرة عبادته وإحسانه إلى خلقه، فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه، فقصّاها عليه وطلبا منه أن يعبرها لهما.[٣٠]
١١ | ٧-٤فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها، وأن هذا من تعليم الله إياه لأنه مؤمن به متّبع ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ثم دعاهما إلى التوحيد وحقّر أمر الأوثان فقال: يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ وكانت دعوته لهما في هذا الحال في غاية الكمال، لأن نفوسهما معظّمة له منبعثة على تلقي ما يقول بالقبول. ثم عبّر رؤياهما فقال: أما أحدكما فيسقي ربه خمراً، وأما الآخر فيُصلب فتأكل الطير من رأسه.[٣٢]
١١ | ٧-١٠وقال للذي ظنه ناجياً منهما، وهو الساقي: اذكرني عند ربك، أي اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك؛ وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب، ولا ينافي ذلك التوكل. فأنسى الشيطانُ الناجيَ منهما أن يذكر ما وصّاه به يوسف، فلبث يوسف في السجن بضع سنين.[٣٤]
رؤيا الملك
١١ | ٨-١ثم رأى ملك مصر رؤيا: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأُخر يابسات، فلما قصّها على ملئه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها، وقالوا: أضغاث أحلام. فعند ذلك تذكّر الساقي يوسف بعد أمّة، أي بعد مدة من الزمان، فقال: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون، فجاءه فقال: يوسف أيها الصدّيق أفتنا.[٣٦]
١١ | ٨-٦فبذل يوسف ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط، ولا طلب الخروج سريعاً، فعبّر لهم منام الملك الدالّ على سبع سنين من الخصب تعقبها سبع جدب، ثم عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، وأرشدهم إلى ما يفعلونه: من ادّخار حبوب سني الخصب في سنبله إلا ما يُؤكل، ومن تقليل البذر في سني الجدب؛ وهذا يدل على كمال العلم والرأي والفهم.[٣٨]
البراءة والتمكين
١١ | ٩-١فلما أحاط الملك علماً بكمال علمه ورأيه أمر بإحضاره، فلما جاءه الرسول أحبّ ألا يخرج حتى يتبيّن لكل أحد أنه حُبس ظلماً وأنه بريء مما نسبوه إليه، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطّعن أيديهن. فلما سُئلن اعترفن وقلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء، وقالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق، أي ظهر وتبيّن، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين.[٤٠]
١١ | ٩-٤فلما ظهر للملك براءة عرضه قال: ائتوني به أستخلصه لنفسي، أي أجعله من خاصتي، فلما كلّمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين. فقال يوسف: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم؛ طلب أن يوليه النظر في الأهراء لما يتوقع من الخلل فيها بعد مضي سني الخصب، لينظر فيها بما يرضي الله من الاحتياط للخلق والرفق بهم. وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة. فصار بعد السجن والضيق مطلق الركاب بديار مصر، يتبوأ منها حيث يشاء.[٤٢]
قدوم إخوته
١١ | ١٠-١ثم جاءت سنو الجدب وعمّت البلاد، فقدم إخوة يوسف إلى مصر يمتارون طعاماً، وكان يوسف إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية، فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه، لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه من المكانة. فأعطاهم من الميرة ما جرت به عادته، حمل بعير لكل إنسان، وكان قد سألهم عن حالهم فقالوا: كنا اثني عشر رجلاً فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا، فقال: ائتوني بأخ لكم من أبيكم، فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي. وأمر فتيانه أن يجعلوا بضاعتهم في رحالهم من حيث لا يشعرون.[٤٤]
١١ | ١٠-٦فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا مُنع منا الكيل فأرسل معنا أخانا، فقال: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل؟ ووجدوا بضاعتهم رُدّت إليهم، فقالوا: يا أبانا ما نبغي؟ وكان يعقوب أضنّ شيء بولده بنيامين، لأنه كان يتسلّى به عن أخيه، فقال: لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقاً من الله لتأتنّني به إلا أن يُحاط بكم. ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة لما بعث الولد العزيز. ثم أمرهم ألا يدخلوا من باب واحد ويدخلوا من أبواب متفرقة.[٤٦]
السقاية في رحل أخيه
١١ | ١١-١فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه بنيامين، وأخبره سراً عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك، وسلّاه عما كان منهم. ثم أمر فتيانه بوضع سقايته، وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها الطعام، في متاع بنيامين، ثم نادى منادٍ: أيتها العير إنكم لسارقون، ووعدهم حمل بعير لمن جاء به. فقالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين، وقالوا: جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه، وهذه كانت شريعتهم: أن السارق يُدفع إلى المسروق منه.[٤٨]
١١ | ١١-٥فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه، ليكون ذلك أبعد للتهمة. ولولا اعترافهم بأن جزاءه من وُجد في رحله لما قدر يوسف على أخذه في سياسة ملك مصر، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له، لما يترتب عليه من قدوم أبيه وقومه عليه. فقالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، يعنون يوسف، فأسرّها يوسف في نفسه حلماً وكرماً، فقالوا: يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه، فقال: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده.[٥٠]
١١ | ١١-١٠فلما استيأسوا منه خلصوا يتناجون، فقال كبيرهم: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله، ومن قبل ما فرّطتم في يوسف، فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي، ارجعوا إلى أبيكم فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق. فلما أخبروه قال: بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً.[٥٢]
أنا يوسف
١١ | ١٢-١ثم رجعوا إلى مصر فدخلوا عليه فقالوا: يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضر، أي من الجدب وضيق الحال، وجئنا ببضاعة مزجاة، أي ضعيفة، فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا. فلما رأى ما هم فيه من الحال تعرّف إليهم وعطف عليهم، فقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ فعجبوا كل العجب، وقد تردّدوا إليه مراراً وهم لا يعرفونه، وقالوا: أإنك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف وهذا أخي، قد منّ الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.[٥٤]
١١ | ١٢-٥فقالوا: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فقال: لا تثريب عليكم اليوم، أي لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ثم زادهم فقال: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. ثم أمرهم أن يذهبوا بقميصه فيلقوه على وجه أبيه فيرجع إليه بصره بإذن الله، وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات، وأمرهم أن يأتوا بأهلهم أجمعين إلى مصر.[٥٦]
اجتماع الشمل
١١ | ١٣-١فلما فصلت العير وجد يعقوب ريح يوسف، فلما جاء البشير ألقى القميص على وجهه فارتدّ بصيراً. ثم قدموا كلهم إلى مصر، فآوى يوسف إليه أبويه، وقال: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، ورفع أبويه على العرش، أي أجلسهما معه على سريره، وخرّوا له سجّداً، الأبوان والإخوة الأحد عشر، تعظيماً وتكريماً، وكان هذا مشروعاً لهم حتى حُرّم في ملتنا.[٥٨، ٥٩]
١١ | ١٣-٤فقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل، أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر لي ساجدين، قد جعلها ربي حقاً، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن، وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي، إن ربي لطيف لما يشاء، أي إذا أراد شيئاً هيّأ أسبابه ويسّرها من وجوه لا يهتدي إليها العباد.[٦١]
دعاؤه ووفاته
١١ | ١٤-١ثم لما رأى يوسف نعمته قد تمّت وشمله قد اجتمع، عرف أن هذه الدار لا يقرّ بها قرار، وأن كل شيء فيها فان، فأثنى على ربه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه، وسأله أن يتوفاه على الإسلام ويلحقه بعباده الصالحين.[٦٢]
١١ | ١٤-٣وذكر أهل الكتاب أنه لما حضرته الوفاة أوصى أن يُحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيُدفن عند آبائه، فحنّطوه ووضعوه في تابوت، فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى فدفنه عند آبائه.[٦٤]
مصادر الترجمة
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 306
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 309-311
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 310
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 311
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 312-313
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 313-314
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 314-315
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 316-317
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 317-319
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 320
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 320-321
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 321-322
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 322
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 322-324
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 324-325
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 326-327
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 327-328
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 328-329
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 330-332
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 332-333
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 333-334
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 335-336
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 337-339
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 339-341
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 341-342
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 342-343
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 344-345
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 347-348
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 349
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 350
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 353-354
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 355
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 356
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 1، ص 359
١٤موسى عليه السلام
كليم الله
النبذة
١٤ | ١-١هو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. ذكره الله في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن، وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطوّلة وغير مطوّلة، فقال: واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلَصاً وكان رسولاً نبياً، وناديناه من جانب الطور الأيمن وقرّبناه نجياً، ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً.[١]
مولده ونشأته في بيت فرعون
١٤ | ٢-١كان فرعون قد علا في الأرض وتجبّر، وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفة منهم، وهم بنو إسرائيل من سلالة يعقوب، يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع، ومع هذا يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم. وكان الحامل له على ذلك أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم، من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، فتحدّث بها القبط، ووصلت إلى فرعون، فأمر بقتل أبناء بني إسرائيل حذراً من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.[٣]
١٤ | ٢-٥واحترز فرعون كل الاحتراز ألا يوجد موسى، حتى جعل رجالاً وقوابل يدورون على الحبالى ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكراً إلا ذبحه أولئك الذبّاحون من ساعته. والقدر يقول: إن هذا المولود الذي تحترز منه لا يكون مربّاه إلا في دارك وعلى فراشك، ولا يُغذّى إلا بطعامك، ثم يكون هلاكك على يديه.[٥]
١٤ | ٢-٦فلما ولدت أم موسى ضاقت به ذرعاً، فأُلهمت أن اتخذت له تابوتاً، فربطته في حبل، وكانت دارها متاخمة للنيل، فكانت ترضعه، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها. وهذا الوحي إليها وحي إلهام وإرشاد، كما أوحى ربك إلى النحل، وليس بوحي نبوة. فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها، فذهب مع النيل فمرّ على دار فرعون، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.[٦]
١٤ | ٢-٩وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، فلما فتحت الباب رأت وجهه يتلألأ بالأنوار النبوية، فأحبّته حباً شديداً. فلما جاء فرعون أمر بذبحه، فاستوهبته منه ودفعت عنه، وقالت: قرة عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً؛ وقد أنالها الله ما رجت من النفع: أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه. وتبنّياه لأنه لم يكن يولد لهما ولد.[٨]
١٤ | ٢-١١وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى، إن كادت لتُظهر أمره وتسأل عنه جهرة، لولا أن ربط الله على قلبها. وقالت لأخته، وهي ابنتها الكبيرة: قُصّيه، أي اتبعي أثره، فبصرت به عن بُعد. وكان موسى لما استقر بدار فرعون لم يقبل ثدياً ولا أخذ طعاماً، فأرسلوه مع القوابل إلى السوق لعلهم يجدون من يوافق رضاعته، فبصرت به أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟ فذهبوا معها إلى منزلهم، فلما أرضعته أمه التقم ثديها، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً.[١٠]
١٤ | ٢-١٥فاستدعتها آسية وعرضت عليها أن تكون عندها، فأبت وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها، وأجرت عليها النفقات والكساوى، فرجعت به إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها. وقد امتنّ الله على موسى بهذا ليلة كلّمه، فقال: وألقيت عليك محبة مني ولتُصنع على عيني، وذلك أنه كان لا يراه أحد إلا أحبه.[١٢]
القبطي والخروج إلى مدين
١٤ | ٣-١ولما بلغ أشده واستوى آتاه الله حكماً وعلماً. ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فوجد فيها رجلين يقتتلان: إسرائيلي وقبطي، وكانت لموسى بديار مصر صولة بسبب تبنّي فرعون له وتربيته في بيته، فاستغاثه الإسرائيلي على القبطي، فأقبل إليه موسى فوكزه، أي طعنه بجُمع كفه، فمات منها. ولم يرد موسى قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه، ومع هذا قال: هذا من عمل الشيطان، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له.[١٥]
١٤ | ٣-٦فأصبح في المدينة خائفاً يترقّب، أي يتلفّت، أن يعلم فرعون وملؤه أنه قاتل القبطي، فإذا الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه على آخر، فعنّفه موسى وقال: إنك لغوي مبين، ثم أراد أن يبطش بالقبطي، فقيل: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟ فظهر الأمر، وبلغ فرعون أن موسى هو القاتل فأرسل في طلبه. وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب، جاء من أقصى المدينة يسعى فقال: يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين.[١٧]
في مدين
١٤ | ٤-١فخرج من مصر خائفاً يترقّب، لا يدري أين يتوجّه، لأنه لم يخرج من مصر قبلها، فلما توجّه تلقاء مدين قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، وكذا وقع. ولما ورد ماء مدين، وكانت بئراً يستقون منها، وجد عليه أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما أن تختلط بغنم الناس، فقال: ما خطبكما؟ قالتا: لا نسقي حتى يُصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا.[١٩]
١٤ | ٤-٤قال المفسرون: وكان الرعاء إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة، فجاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم ردّ الحجر كما كان؛ قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلا عشرة. ثم تولّى إلى الظل فقال: رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير. قال ابن عباس: سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر، وجلس في الظل وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع.[٢١]
١٤ | ٤-٦فذهبت المرأتان إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من أمر موسى، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه، فجاءته إحداهما تمشي على استحياء، أي مشي الحرائر، قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا؛ صرّحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها. فلما جاءه وقصّ عليه خبره وما كان من أمره في خروجه من مصر فراراً من فرعونها، قال له الشيخ: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، أي خرجت من سلطانهم.[٢٣]
١٤ | ٤-٨واختلفوا في هذا الشيخ: فقيل هو شعيب، وهذا هو المشهور عند كثيرين، وممن نصّ عليه الحسن البصري ومالك بن أنس. فقالت إحدى البنتين لأبيها: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين؛ قال عمر وابن عباس وغير واحد: لما قالت ذلك قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟ فقالت: إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وإنه لما جئت معه تقدّمت أمامه فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلف الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق.[٢٥]
١٤ | ٤-١٠فقال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك، فقال موسى: ذلك بيني وبينك أيّما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ. ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمّهما، وهو العشر سنين؛ روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.[٢٧، ٢٨]
النار في جانب الطور
١٤ | ٥-١فلما قضى موسى الأجل سار بأهله من عند صهره، وذكر غير واحد من المفسرين أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر، قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة، وتاهوا في طريقهم، وجعل يوري زناده فلا يوري شيئاً. فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بُعد ناراً تأجّج في جانب الطور، فقال لأهله: امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون. وقد أتاهم منها بخبر وأيّ خبر، ووجد عندها هدى وأيّ هدى، واقتبس منها نوراً وأيّ نور.[٣٠]
١٤ | ٥-٥قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: لما انتهى إلى تلك النار وجدها تأجّج في شجرة خضراء، وكل ما لتلك النار في اضطرام، وكل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد، فوقف متعجباً. وكان في واد اسمه طوى، فناداه ربه، فأُمر أولاً بخلع نعليه تعظيماً وتوقيراً لتلك البقعة المباركة، ثم خاطبه: إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري، وأخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية يوم القيامة.[٣٣]
العصا واليد
١٤ | ٦-١ثم قال له مؤانساً ومبيّناً أنه القادر على كل شيء: وما تلك بيمينك يا موسى؟ قال: هي عصاي أتوكّأ عليها وأهشّ بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى. قال: ألقها يا موسى، فألقاها فإذا هي حية تسعى، قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان، وهو ضرب من الحيات سريع الاضطراب. فلما عاينها موسى ولّى مدبراً ولم يعقّب، أي لم يلتفت، لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك، فناداه ربه: يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين، خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت عصا كما كانت.[٣٥]
١٤ | ٦-٧ثم أمره بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها، فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء، أي من غير برص ولا بهق، وقال: واضمم إليك جناحك من الرهب؛ قيل معناه: إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك. فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه.[٣٧]
هارون وزيراً
١٤ | ٧-١ولما أمره الله بالذهاب إلى فرعون، عدوّه الذي خرج من مصر فراراً من سطوته، قال: رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون، وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي رِدءاً يصدقني، أي معيناً ووزيراً يساعدني على أداء رسالتك. فقال الله: سنشدّ عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً، أي برهاناً، فلا يصلون إليكما.[٣٩]
١٤ | ٧-٥وقال في سورة طه: رب اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي؛ فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالها بالكلية، قال الحسن البصري: والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة. ثم قال: واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي، قال: قد أوتيت سؤلك يا موسى. وهذا من وجاهته عند ربه حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه. وقد سمعت عائشةرضي اللهعنها رجلاً يقول وهم سائرون في طريق الحج: أي أخ أمنّ على أخيه؟ فقالت: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون فأوحى إليه.[٤١]
القول اللين
١٤ | ٨-١وقال الله له: فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى، واصطنعتك لنفسي، أي اصطفيتك برسالتي وبكلامي، اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري، أي لا تفترا في ذكري إذا قدمتما عليه، فإن ذلك عون لكما على مخاطبته وإقامة الحجة عليه. اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى؛ وهذا من حلمه تعالى ورأفته بخلقه، مع علمه بكفر فرعون وعتوّه، ومع هذا يأمرهما أن يدعواه بالتي هي أحسن برفق ولين. قال الحسن البصري: أعذرا إليه، قولا له: إن لك رباً ولك معاداً، وإن بين يديك جنة وناراً.[٤٣]
١٤ | ٨-٧قالا: ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى، وذلك أن فرعون كان جباراً عنيداً، له سلطان في بلاد مصر وجنود وسطوة، فهاباه من حيث البشرية، فثبّتهما الله فقال: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى، فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم، والسلام على من اتبع الهدى، إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذّب وتولّى.[٤٥]
المناظرة مع فرعون
١٤ | ٩-١فأتيا فرعون فبلّغاه ما أُرسلا به من دعوته إلى عبادة الله وحده، وأن يفكّ أسارى بني إسرائيل من قبضته ويتركهم يعبدون ربهم. فتكبّر فرعون ونظر إلى موسى بعين الازدراء قائلاً: ألم نربّك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين، وفعلت فعلتك التي فعلت، أي قتلت القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا. قال: فعلتها إذاً وأنا من الضالين، أي قبل أن يوحى إليّ، ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين، ثم قال: وتلك نعمة تمنّها عليّ أن عبّدت بني إسرائيل؛ أي هذه النعمة إلى رجل واحد تقابل ما استعبدت هذا الشعب العظيم بكماله.[٤٧]
١٤ | ٩-٧وكان فرعون قد أظهر جحد الصانع وزعم أنه الإله، وهو في ذلك معاند يعلم أنه عبد مربوب، فقال: وما رب العالمين؟ قال موسى: رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين، فقال لمن حوله متهكماً: ألا تستمعون؟ قال: ربكم ورب آبائكم الأولين، أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم، فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه. قال فرعون: إن رسولكم الذي أُرسل إليكم لمجنون، قال: رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون.[٤٩]
١٤ | ٩-١٤وقال فرعون: فمن ربكما يا موسى؟ قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أي خلق الخلق وقدّر لهم أعمالاً وأرزاقاً وآجالاً، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدّره له. قال: فما بال القرون الأولى؟ أي فلِمَ عبد الأولون غيره؟ قال: علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى؛ أي هم وإن عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك، وكل شيء فعلوه مسطّر عليهم وسيجزيهم عليه ربي.[٥١]
١٤ | ٩-١٩فلما قامت الحجج على فرعون ولم يبق له قول سوى العناد، عدل إلى استعمال سلطانه وسطوته فقال: لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين، قال: أولو جئتك بشيء مبين؟ قال: فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، أي عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، كفلقة القمر تتلألأ نوراً. ومع هذا كله لم ينتفع فرعون بشيء من ذلك، بل أظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة.[٥٣]
يوم الزينة
١٤ | ١٠-١فكذّب فرعون وأبى، وقال: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى؟ فلنأتينك بسحر مثله، فاجعل بيننا وبينك موعداً. وكان هذا من أكبر مقاصد موسى: أن يُظهر آيات الله وحججه جهرة بحضرة الناس، فقال: موعدكم يوم الزينة، وكان يوم عيد من أعيادهم ومجتمع لهم، وأن يُحشر الناس ضحى، أي في وقت اشتداد ضياء الشمس فيكون الحق أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ليلاً في ظلام، لأنه على بصيرة من ربه ويقين بأن الله سيظهر كلمته ودينه.[٥٥]
١٤ | ١٠-٦فجمع فرعون من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة في فنهم غاية، فاجتمع منهم خلق كثير. وحضر فرعون وأمراؤه وأهل دولته وأهل بلده عن بكرة أبيهم، وخرجوا وهم يقولون: لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين. وجاء السحرة فرعون فقالوا: إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ قال: نعم وإنكم لمن المقربين. وتقدّم موسى إلى السحرة فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل فقال: ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيُسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى، فتنازعوا أمرهم بينهم، ثم قالوا: فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفاً.[٥٧، ٥٨]
العصا تلقف ما صنعوا
١٤ | ١١-١فلما اصطفّ السحرة ووقف موسى وهارون تجاههم قالوا: يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى، قال: بل ألقوا، وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصيّ فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها اضطراباً يُخيّل للرائي أنها تسعى باختيارها، فسحروا أعين الناس واسترهبوهم، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون. فأوجس في نفسه خيفة موسى، أي خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم قبل أن يلقي ما في يده، فإنه لا يصنع شيئاً قبل أن يؤمر، فأوحى الله إليه: لا تخف إنك أنت الأعلى، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا.[٦٠]
١٤ | ١١-٧فألقى موسى عصاه فصارت حية عظيمة ذات شكل هائل، بحيث إن الناس انحازوا منها وهربوا سراعاً، وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصيّ فجعلت تلقفه واحداً واحداً في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجبون. وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم، وتحققوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس بسحر ولا شعوذة، بل حق لا يقدر عليه إلا الحق، فكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وخرّوا لله ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون.[٦٢]
ثبات السحرة
١٤ | ١٢-١فلما رأى فرعون السحرة قد أسلموا أفزعه ذلك، فقال: آمنتم له قبل أن آذن لكم، أي هلّا شاورتموني، ثم تهدّد وتوعّد وكذب فقال: إنه لكبيركم الذي علّمكم السحر، وهذا بهتان يعلم كل عاقل ما فيه، فإن الناس كلهم يعلمون أن موسى لم يرهم يوماً من الدهر، وفرعون هو الذي استدعاهم من كل فج عميق. وقال: لأقطّعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلّبنّكم في جذوع النخل، ليجعلهم مثلة لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته.[٦٤، ٦٥]
١٤ | ١٢-٣فقالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، أي إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له. إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى. وقالوا: ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفّنا مسلمين. والظاهر من هذه السياقات أن فرعون صلبهم وعذّبهم، قال عبد الله بن عباسرضي اللهعنه وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة.[٦٧]
اشتداد البلاء على بني إسرائيل
١٤ | ١٣-١ولم يزد القبط ما وقع إلا كفراً وعناداً، فحرّض الملأ من قوم فرعون ملكهم على أذى موسى وقالوا: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال: سنقتّل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون. فقال موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، أي قد كانت الأبناء تُقتل قبل مجيئك وبعده، قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون.[٧٠]
مؤمن آل فرعون
١٤ | ١٤-١ثم قال فرعون: ذروني أقتل موسى وليدع ربه، إني أخاف أن يبدّل دينكم أو أن يُظهر في الأرض الفساد، فقال موسى: إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. وكان رجل من آل فرعون يكتم إيمانه، وهو ابن عم فرعون، قال ابن عباس: لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا، والذي جاء من أقصى المدينة، وامرأة فرعون. فلما همّ فرعون بقتل موسى وشاور ملأه فيه، خاف هذا المؤمن على موسى، فتلطّف في ردّ فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب. وقد قال رسول الله ﷺ: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، وهذا من أعلى مراتب هذا المقام.[٧٢]
١٤ | ١٤-٤فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟ وإن يك كاذباً فعليه كذبه، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم؛ وهذا الكلام من أعلى مقامات التلطف والعقل التام. ثم حذّرهم أن يُسلبوا ملكهم فقال: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا؟ قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وكذب في كل من هذين القولين، فإنه كان يتحقق في نفسه أن ما جاء به موسى من عند الله لا محالة.[٧٤]
١٤ | ١٤-٧وقال المؤمن: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، وخوّفهم يوم التناد، وذكّرهم بيوسف: ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به. ثم قال: يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار، ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، وأفوّض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد. فوقاه الله سيئات ما مكروا، وحاق بآل فرعون سوء العذاب.[٧٦]
صرح هامان
١٤ | ١٥-١وقال فرعون: يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات، أي طرقها ومسالكها، فأطّلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً؛ وإنما كان مقصوده أن يصدّ الناس عن تصديق موسى ويحثّهم على تكذيبه. قال الله: وما كيد فرعون إلا في تباب، قال ابن عباس ومجاهد: إلا في خسار؛ فإنه لا سبيل للبشر أن يتوصلوا بقواهم إلى نيل السماء أبداً. وذكر غير واحد من المفسرين أن هذا الصرح كان مبنياً من الآجرّ المشوي بالنار، ولهذا قال: فأوقد لي يا هامان على الطين.[٧٨]
الآيات المفصّلات
١٤ | ١٦-١ثم أخذ الله آل فرعون بالسنين، وهي أعوام الجدب التي لا يُستغل فيها زرع، ونقص من الثمرات لعلهم يذّكرون، فلم ينتفعوا، بل كانوا إذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه، وإن تصبهم سيئة تطيّروا بموسى ومن معه، وقالوا: مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين. فأرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم آيات مفصّلات.[٨٠]
١٤ | ١٦-٦قال محمد بن إسحاق: أرسل عليهم الطوفان، وهو الماء، ففاض على وجه الأرض ثم ركد، لا يقدرون أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئاً حتى جُهدوا جوعاً، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشفه عنهم، فلم يفوا. فأرسل عليهم الجراد فأكل الشجر، فقالوا مثل ما قالوا، فكشف عنهم فلم يفوا، فأرسل عليهم القمّل حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، ثم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية، ثم الدم، فصارت مياه آل فرعون دماً، لا يستقون من بئر ولا نهر إلا عاد دماً عبيطاً. هذا كله ولم ينل بني إسرائيل من ذلك شيء بالكلية، وهذا من تمام المعجزة الباهرة.[٨٢]
١٤ | ١٦-٩وقال فرعون لقومه: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، وتنقّص موسى بأنه لا أساور في يديه، وإنما ذلك من حلية النساء لا يليق بشهامة الرجال، فاستخف قومه فأطاعوه، فلما آسفونا، أي أغضبونا، انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين.[٨٤]
دعاء موسى والخروج
١٤ | ١٧-١ولم يؤمن من القبط إلا القليل، وكان إيمانهم خفية لمخافتهم من فرعون أن يفتنهم عن دينهم، فقال موسى: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين، فقالوا: على الله توكلنا. وأوحى الله إلى موسى وأخيه أن يتخذا لقومهما بيوتاً متميزة عن بيوت القبط ليكونوا على أهبة الرحيل إذا أُمروا به، وأن يجعلوا بيوتهم قبلة، أي يكثروا الصلاة فيها، استعانة على ما هم فيه من الضر والشدة.[٨٦]
١٤ | ١٧-٦ودعا موسى على فرعون غضباً لله لتكبّره عن اتباع الحق وصدّه عن سبيل الله: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، أي أهلكها، واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، وأمّن هارون على دعائه، فقال الله: قد أجيبت دعوتكما فاستقيما.[٨٨]
١٤ | ١٧-٩ثم أوحى الله إلى موسى: أن أسر بعبادي إنكم متّبعون، فخرجوا بليل طالبين بلاد الشام. فلما علم فرعون بذهابهم حنق عليهم كل الحنق، وأرسل في المدائن حاشرين يجمع جنوده ليلحقهم، وقال: إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون. فأخرجهم الله من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم، وأورثها بني إسرائيل.[٩٠]
فلق البحر
١٤ | ١٨-١فلحقهم فرعون بالجنود فأدركهم عند شروق الشمس، وتراءى الجمعان، فقال أصحاب موسى وهم خائفون: إنا لمدركون، وذلك أنهم اضطُرّوا في طريقهم إلى البحر، فليس لهم طريق إلا سلوكه، والجبال عن يسارهم وعن أيمانهم شاهقة، وفرعون قد واجههم في جنوده. فقال لهم الرسول الصادق المصدوق: كلا إن معي ربي سيهدين، وكان في الساقة فتقدّم إلى المقدمة، ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه، وهو يقول: هاهنا أُمرت.[٩٢]
١٤ | ١٨-٥فلما تفاقم الأمر واقترب فرعون وجنوده، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم.[٩٤]
غرق فرعون
١٤ | ١٩-١وكان ماء البحر قائماً مثل الجبال، مكفوفاً بالقدرة العظيمة، وأمر الله الريح فلفحت أرض البحر فأذهبته حتى صار يابساً لا يعلق في سنابك الخيول، فأُمر موسى أن يجوزه ببني إسرائيل، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين. فلما جاوزوه وخرج آخرهم منه كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه، فأراد موسى أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان، لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، فأمره الله أن يترك البحر على هذه الحال: واترك البحر رهواً، أي ساكناً على هيئته، إنهم جند مغرقون.[٩٦]
١٤ | ١٩-٦فلما انتهى فرعون إلى البحر ورأى ما رأى هاله هذا المنظر العظيم، وتحقق أن هذا من فعل رب العرش الكريم، فأحجم وندم في نفسه، لكنه أظهر لجنوده تجلّداً، ثم اقتحم البحر، فلما رأته الجنود قد سلكه اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا في البحر أجمعين، حتى همّ أولهم بالخروج منه، فعند ذلك أمر الله كليمه أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان، فلم ينج منهم إنسان. ففي إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد، آية عظيمة وبرهان قاطع على قدرته.[٩٩]
١٤ | ١٩-١٠فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به، وباشر سكرات الموت، أناب حينئذ وآمن حين لا ينفع نفساً إيمانها، فقال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، فقيل له: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين؛ استفهام إنكار ونصّ على عدم قبوله منه. وهذا من إجابة الله دعوة موسى وهارون: فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.[١٠١، ١٠٢]
١٤ | ١٩-١٣قال ابن عباس وغير واحد: شكّ بعض بني إسرائيل في موت فرعون، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع وعليه درعه التي يعرفونها، ليتحققوا بذلك هلاكه ويعلموا قدرة الله عليه، ولهذا قال: فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية. وكان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء، روى البخاري عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي ﷺ لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا.[١٠٤]
بنو إسرائيل بعد النجاة
١٤ | ٢٠-١وأورث الله بني إسرائيل أموال فرعون وقومه، ودمّر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون، وتمّت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا. فلما جاوزوا البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقال بعض الجهال منهم: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قالوا هذا وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلّهم على صدق رسوله، فقال: إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون، ثم ذكّرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إياهم وإنجائهم من فرعون.[١٠٦، ١٠٧]
١٤ | ٢٠-٦وروى الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي ﷺ: الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم. ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح.[١٠٩]
النكول عن الأرض المقدسة والتيه
١٤ | ٢١-١ولما انفصل موسى من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس وجد فيها قوماً من الجبارين، فأمر قومه بالدخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم عن بيت المقدس، فإن الله كتبه لهم ووعدهم إياه، فقال: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً، يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدّوا على أدباركم. فقالوا: إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها؛ خافوا منهم وقد عاينوا هلاك فرعون، وهو أجبر منهم وأشد بأساً وأكثر جمعاً.[١١٠]
١٤ | ٢١-٥وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا آثاراً فيها مجازفات كثيرة باطلة في ضخامة أولئك الجبارين، وكلها من الإسرائيليات لا حقيقة لها، ولو كان ذلك صحيحاً لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم، وقد ذمّهم الله على نكولهم. وأشار عليهم رجلان صالحان منهم بالإقدام، يقال إنهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين. فقالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.[١١٢]
١٤ | ٢١-٨فقال موسى: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، قال ابن عباس: اقض بيني وبينهم. فقال الله: فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ فعوقبوا على نكولهم بالتيه، يسيرون إلى غير مقصد ليلاً ونهاراً. وأما أصحاب محمد ﷺ يوم بدر فلم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى، بل قال المقداد: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك، قال ابن مسعود: فرأيت وجه رسول الله ﷺ يشرق لذلك وسُرّ بذلك. رواه البخاري.[١١٤]
المن والسلوى والحجر
١٤ | ٢٢-١ومع ذلك أنعم الله عليهم في التيه، في الأرض التي ليس فيها زرع ولا ضرع، فأنزل عليهم المنّ من السماء، يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم فيأخذون منه قدر حاجتهم، فإذا كان آخر النهار غشيهم طير السلوى فيقتنصون منها بلا كلفة ما يكفيهم لعشائهم، وإذا كان فصل الصيف ظلّل الله عليهم الغمام يستر عنهم حر الشمس. وأنبع لهم الماء: يضرب موسى حجراً كانوا يحملونه معهم بالعصا فتتفجر منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين.[١١٦، ١١٧]
١٤ | ٢٢-٤وهذه نعم من الله عظيمة فما رعوها حق رعايتها، ثم ضجر كثير منهم منها، وسألوا أن يستبدلوا بها مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، فقرّعهم الكليم ووبّخهم قائلاً: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم.[١١٧]
الميقات وسؤال الرؤية
١٤ | ٢٣-١وواعد الله موسى ثلاثين ليلة وأتمّها بعشر، فتمّ ميقات ربه أربعين ليلة؛ قال ابن عباس ومسروق ومجاهد: الثلاثون هي شهر ذي القعدة بكماله، وأُتمّت أربعين بعشر من ذي الحجة. وكان فيها صائماً، فلما عزم على الذهاب استخلف على بني إسرائيل أخاه هارون فقال: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين.[١٢٠]
١٤ | ٢٣-٣فلما جاء موسى لميقات ربه كلّمه الله من وراء حجاب، أسمعه الخطاب فناداه وناجاه وقرّبه وأدناه، وهذا مقام رفيع ومنصب شريف. فلما سمع الخطاب سأل رفع الحجاب فقال: رب أرني أنظر إليك، قال: لن تراني، ثم بيّن له أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجلّيه، لأن الجبل الذي هو أقوى وأشد ثباتاً من الإنسان لا يثبت عند التجلي، فقال: ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكاً، وخرّ موسى صعقاً، أي مغشياً عليه، فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين، أي فلست أسأل بعد هذا الرؤية.[١٢٢]
١٤ | ٢٣-٥وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: لا تخيّروني من بين الأنبياء، فإن الناس يُصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ وهذا من باب التواضع، وفيه شرف كبير لموسى من هذه الحيثية.[١٢٤]
١٤ | ٢٣-٦ثم قال الله: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، أي في ذلك الزمان، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. وكتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء، ففي الصحيح أن الله كتب له التوراة بيده، وفيها مواعظ عن الآثام وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام، فخذها بقوة، أي بعزم ونية صادقة، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها.[١٢٥]
العجل
١٤ | ٢٤-١وفي غيبة موسى على الطور عمد رجل منهم يقال له السامري، فأخذ ما كانوا استعاروه من الحلي فصاغ منه عجلاً، وألقى فيه قبضة من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل حين رآه يوم أغرق الله فرعون، فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي، فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى فنسي، أي فنسي موسى ربه عندنا وذهب يتطلّبه وهو هاهنا. قال الله مبيّناً بطلان ما ذهبوا إليه: أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.[١٢٧]
١٤ | ٢٤-٧وقد كان هارون نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي، فقال: يا قوم إنما فُتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري، فقالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.[١٢٩]
١٤ | ٢٤-١٠فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً، ومعه الألواح المتضمنة التوراة، فألقاها حين عاين ما عاين، وقد قال رسول الله ﷺ: ليس الخبر كالمعاينة. ثم أقبل عليهم فعنّفهم ووبّخهم، فاعتذروا بما ليس بصحيح: إنا حُمّلنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها، تحرّجوا من تملّك حلي آل فرعون، ولم يتحرّجوا بجهلهم من عبادة العجل. ثم أقبل على أخيه هارون وأخذ برأسه يجرّه إليه، وقال: ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألا تتبعن؟ فقال: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل. فقال موسى: رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك.[١٣١]
١٤ | ٢٤-١٦ثم أقبل على السامري فقال: فما خطبك يا سامري؟ أي ما حملك على ما صنعت؟ قال: بصرت بما لم يبصروا به، أي رأيت جبريل وهو راكب فرساً، فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وكذلك سوّلت لي نفسي. فقال: فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس، وهذا دعاء عليه بألا يمسّ أحداً، معاقبة له في الدنيا، ثم توعّده في الأخرى. ثم عمد موسى إلى العجل فحرّقه ثم نسفه في اليم نسفاً، وقال: إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً.[١٣٤]
التوبة والسبعون والميثاق
١٤ | ٢٥-١ولم يقبل الله توبة عابدي العجل إلا بالقتل، كما قال موسى لقومه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم. ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون.[١٣٦]
١٤ | ٢٥-٤واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربه، قال محمد بن إسحاق: اختارهم الخيّر فالخيّر، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه بما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم. فخرج بهم إلى طور سيناء، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشّى الجبل كله، فدخل موسى في الغمام، ودنا القوم حتى إذا دخلوا فيه وقعوا سجوداً، فلما فرغ الله من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم، فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الرجفة فماتوا جميعاً. فقام موسى يناشد ربه ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ إن هي إلا فتنتك، أي اختبارك وابتلاؤك، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك، أي تبنا إليك ورجعنا. قال: عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء.[١٣٩]
١٤ | ٢٥-٩قال ابن عباس وغير واحد من السلف: لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوراة أمرهم بقبولها والأخذ بها بقوة وعزم، فقالوا: انشرها علينا، فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها، فقال: بل اقبلوها بما فيها، فراجعوه مراراً، فرفع الله الجبل على رؤوسهم حتى صار كأنه ظلّة، وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها سقط عليكم هذا الجبل، فقبلوا ذلك. ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم نكثوا عهودهم، فلولا فضل الله عليهم ورحمته لكانوا من الخاسرين.[١٤٢]
البقرة
١٤ | ٢٦-١قال ابن عباس وعبيدة السلماني وأبو العالية ومجاهد والسدي وغير واحد من السلف: كان رجل في بني إسرائيل كثير المال، وكان شيخاً كبيراً، وله بنو أخ يتمنّون موته ليرثوه، فعمد أحدهم فقتله في الليل وطرحه في مجمع الطرق، فلما أصبح الناس اختصموا فيه، وجاء ابن أخيه يصرخ ويتظلّم، فشكا أمر عمه إلى موسى، فقال موسى: أنشد الله رجلاً عنده علم من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به، فلم يكن عند أحد منهم علم منه، فسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه، فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة.[١٤٥]
١٤ | ٢٦-٣فقالوا: أتتخذنا هزواً؟ نحن نسألك عن أمر هذا القتيل وأنت تقول لنا هذا! فقال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، أي أن أقول عنه غير ما أوحى إليّ. قال ابن عباس وعبيدة ومجاهد وغير واحد: فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها، ولكنهم شدّدوا فشُدّد عليهم؛ فسألوا عن صفتها ثم عن لونها ثم عن سنّها، فأُجيبوا بما عزّ وجوده عليهم: بقرة عوان، وهي الوسط بين الكبيرة والصغيرة، صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين، لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلّمة لا شية فيها، أي ليس فيها لون يخالف لونها. فقالوا: الآن جئت بالحق، فذبحوها وما كادوا يفعلون، أي وهم يتردّدون في أمرها.[١٤٧]
١٤ | ٢٦-٨ثم أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها، فلما ضربوه أحياه الله، فسأله موسى: من قتلك؟ قال: قتلني ابن أخي، ثم عاد ميتاً كما كان. قال الله: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون؛ أي كما شاهدتم إحياء هذا القتيل عن أمر الله، كذلك أمره في سائر الموتى إذا شاء إحياءهم.[١٤٩]
موسى والخضر
١٤ | ٢٧-٢قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَمّ. فانطلق ومعه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، واتخذ سبيله في البحر سرباً، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق. فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، فقال موسى: ذلك ما كنا نبغ، فارتدّا على آثارهما قصصاً.[١٥١]
١٤ | ٢٧-٨فرجعا حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجّى بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال الخضر: وأنّى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما عُلّمت رشداً. قال: إنك لن تستطيع معي صبراً، يا موسى إني على علم من علم الله علّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علّمكه لا أعلمه. فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً، فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً.[١٥٣]
١٤ | ٢٧-١٤فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينة فكلّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نَوْل، أي بغير أجر، فلما ركبا لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقَدوم، فقال موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها! لقد جئت شيئاً إمراً، قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت. قال رسول الله ﷺ: فكانت الأولى من موسى نسياناً. وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر.[١٥٥]
١٤ | ٢٧-١٨ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فقتله، فقال له موسى: أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟ وهذه أشد من الأولى، فقال موسى: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ، أي مائلاً، فأقامه الخضر بيده، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيّفونا، لو شئت لاتخذت عليه أجراً، قال: هذا فراق بيني وبينك.[١٥٧]
١٤ | ٢٧-٢٤ثم نبّأه بتأويل ما لم يستطع عليه صبراً: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً، فأراد إذا مرّت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها. وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين، فخشي أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه، فأراد أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحاً، وفيه دلالة على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته. وقوله: رحمة من ربك، دليل على أنه ما فعل شيئاً من تلقاء نفسه بل بأمر ربه. فقال رسول الله ﷺ: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما.[١٥٩، ١٦٠]
فضائله وصفته
١٤ | ٢٨-١قال الله تعالى: وكلّم الله موسى تكليماً، وقال: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرّأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً. وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لا يُرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستّر إلا من عيب بجلده، فأراد الله أن يبرّئه مما قالوا، فخلا يوماً وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فعدا الحجر بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه أحسن ما خلق الله، وبرّأه الله مما يقولون.[١٦٢]
١٤ | ٢٨-٤ولما قسم رسول الله ﷺ قسماً فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أُريد بها وجه الله، غضب ثم قال: يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر. رواه البخاري ومسلم. وفي الصحيحين في أحاديث الإسراء أن رسول الله ﷺ مرّ ليلة أسري به بموسى في السماء السادسة، فسلّم عليه فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح. واتفقت الروايات على أن الله لما فرض على محمد ﷺ وأمته خمسين صلاة مرّ بموسى فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشد المعالجة، فلم يزل يتردد حتى صارت خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي خمس وهي خمسون، فجزى الله عنا محمداً ﷺ خيراً، وجزى الله عنا موسى خيراً.[١٦٥]
١٤ | ٢٨-٥وروى البخاري عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً فقال: عُرضت عليّ الأمم ورأيت سواداً كثيراً سدّ الأفق، فقيل: هذا موسى في قومه. وقال رسول الله ﷺ في صفته: رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً طُوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة، أخرجاه من حديث قتادة. وروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرّ بوادي الأزرق فقال: كأني أنظر إلى موسى وهو هابط من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية.[١٦٦، ١٦٧]
وفاته
١٤ | ٢٩-٢قال أبو هريرةرضي اللهعنه: فقال رسول الله ﷺ: فلو كنت ثَمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر. وكان قد سبق في قدر الله أن موسى يموت في التيه بعد هارون أخيه، وهذا ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين، ويدل عليه قوله لما اختار الموت: رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية حجر، ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك، ولكن لما حانت وفاته أحب أن يتقرّب إلى الأرض التي هاجر إليها وحثّ قومه عليها. وروى مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر.[١٦٨، ١٦٩]
١٤ | ٢٩-٣ولم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى سوى يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما الرجلان اللذان أشارا على بني إسرائيل بالدخول. وذكر أهل الكتاب وغيرهم أن موسى مات وعمره مائة وعشرون سنة.[١٧٠]
مصادر الترجمة
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 3
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 4
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 5-6
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 7-8
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 8-9
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 9-10
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 11
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 12-13
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 14-15
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 15-16
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 16-17
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 18
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 18-19
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 19
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 21
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 24-25
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 26-27
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 27-28
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 28
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 30
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 30-32
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 36-38
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 38-39
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 32-33
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 33-35
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 40-41
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 35-36
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 42-43
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 43-45
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 49
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 45-46
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 46-47
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 47-48
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 51
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 51-52
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 53-54
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 55-56
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 57-58
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 59-65
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 62-63
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 66-67
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 68-70
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 71-73
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 75-77
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 77-79
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 79
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 80-81
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 81
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 82-83
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 83-84
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 85
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 87
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 87-88
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 89-90
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 94-95
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 95
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 96-97
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 97-99
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 100-101
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 107
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 109
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 111-112
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 112-114
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 114-116
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 116-117
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 119-120
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 122
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 121-122
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 122-123
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 123-124
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 124-127
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 134-135
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 136-137
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 137-138
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 138-139
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 142
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 142-143
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 143
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 143-144
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 144
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 147-149
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 182-183
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 184-186
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 186-187
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 191-192
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 193
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 195-196
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 197-198
النبذة
١٨ | ١-١هو سليمان بن داود بن إيشا، من ذرية يهوذا بن يعقوب، أبو الربيع، نبي الله ابن نبي الله. قال الله تعالى: وورث سليمان داود، أي ورثه في النبوة والملك، وليس المراد ورثه في المال، لأنه قد كان له بنون غيره، ولأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا فهو صدقة.[١]
منطق الطير ووادي النمل
١٨ | ٢-١وقال: يا أيها الناس عُلّمنا منطق الطير، يعني أنه كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبّر للناس عن مقاصدها، وكذلك ما عداها من الحيوانات، وأوتينا من كل شيء، أي من كل ما يحتاج الملك إليه من العُدد والجنود من الجن والإنس والطير.[٣]
١٨ | ٢-٢وركب يوماً في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، والطير سائرة معه تظلّه بأجنحتها، وعلى كل من هذه الجيوش وزَعة، أي نقباء يردّون أوله على آخره، حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون؛ فأمرت وحذّرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور. ففهم سليمان ما خاطبت به النملة أمتها من الرأي السديد، وتبسّم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح بما أطلعه الله عليه دون غيره، وقال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ.[٤]
الهدهد وملكة سبأ
١٨ | ٣-١وتفقّد الطير، وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء في القفار في حال الأسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء، فلما تطلّبه سليمان ذات يوم فقده، فقال: ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين؟ لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين، أي بحجة تنجيه. فمكث غير بعيد، ثم قدم فقال: أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.[٦، ٧]
١٨ | ٣-٧وكان الملك في ذلك الزمان قد آل إلى امرأة منهم، ابنة ملكهم، وهي بلقيس. فبعث سليمان مع الهدهد كتابه يتضمن دعوتهم إلى طاعة الله، فذكر غير واحد من المفسرين أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في خلوة لها، فجمعت أمراءها ووزراءها وقالت: يا أيها الملأ إني أُلقي إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين، ثم شاورتهم، فقالوا: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك.[٩، ١٠]
١٨ | ٣-١٤فكان رأيها أتمّ وأشدّ من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يُغالب، فقالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون؛ أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية، ولم تعلم أن سليمان لا يقبل منهم وهم كافرون. فلما جاء رسولها قال سليمان: أتمدّونن بمال؟ فما آتاني الله خير مما آتاكم، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قِبَل لهم بها. فلما بلغهم ذلك لم يكن لهم بدّ من السمع والطاعة، فأقبلوا مع الملكة سامعين مطيعين.[١٢]
العرش والصرح
١٨ | ٤-١فلما سمع سليمان بقدومهم قال: يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، أي قبل أن ينقضي مجلس حكمك، قال الذي عنده علم من الكتاب، والمشهور أنه آصف بن برخيا: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، فلما رآه مستقراً عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر.[١٤]
١٨ | ٤-٥ثم أمر أن يُغيّر حَلْي هذا العرش ويُنكّر لها ليختبر فهمها وعقلها، فلما جاءت قيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو، وهذا من فطنتها وغزارة فهمها، لأنها استبعدت أن يكون عرشها وقد خلّفته وراءها بأرض اليمن. وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج، وعمل في ممرّه ماءً، وجعل عليه سقفاً من زجاج، فقيل لها: ادخلي الصرح، فلما رأته حسبته لجّة وكشفت عن ساقيها، قال: إنه صرح ممرّد من قوارير، قالت: رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.[١٦]
الخيل الصافنات
١٨ | ٥-١ووهب الله لداود سليمان، نِعم العبد إنه أوّاب، أي رجّاع مطيع لله. وعُرضت عليه بالعشي الخيل الصافنات، وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، الجياد السراع، فقال: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، والذي عليه أكثر السلف أنه اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس، والذي يُقطع به أنه لم يترك الصلاة عمداً من غير عذر. قال بعض العلماء: لما ترك الخيل لله عوّضه الله عنها بما هو خير له منها، وهو الريح التي كان غدوها شهراً ورواحها شهراً.[١٨]
١٨ | ٥-٦وقوله: ولقد فتنّا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب؛ قال ابن كثير: ذكر المفسرون هاهنا آثاراً كثيرة عن جماعة من السلف، وأكثرها أو كلها متلقّاة من الإسرائيليات، وفي كثير منها نكارة شديدة، فاقتصرنا هنا على مجرد التلاوة.[٢٠]
الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده
١٨ | ٦-١وجدّد سليمان بناء بيت المقدس، فإن أول من جعله مسجداً يعقوب، كما في حديث أبي ذر: أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: مسجد بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة. وروى أحمد والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه خلالاً ثلاثاً، فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة: سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه.[٢٢]
١٨ | ٦-٣فسخّر الله له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، أي حيث أراد من البلاد، وكان له بساط من أخشاب يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور والخيام والخيول والرجال، فإذا أراد سفراً أمر الريح فرفعته فسارت به، فكان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه بإصطخر مسيرة شهر، ثم يروح من آخره فتردّه إلى بيت المقدس، كما قال: ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر. وأسال الله له عين القِطر، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو النحاس.[٢٤]
١٨ | ٦-٦وسخّر الله له من الجن عمّالاً يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وكان هذا سائغاً في شريعتهم، وجفان كالجواب، أي كالحياض، وقدور راسيات ثوابت لا يزلن عن أماكنهن، اعملوا آل داود شكراً. ومن الشياطين كل بنّاء وغوّاص يستخرج ما في البحر من الجواهر واللآلئ، وآخرين مقرّنين في الأصفاد، أي قد عصوا فقُيّدوا. وهذا كله من تمام الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده.[٢٧]
١٨ | ٦-١١وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن عفريتاً من الجن تفلّت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، فرددته خاسئاً.[٣٠]
١٨ | ٦-١٢وقوله: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب، أي أعط من شئت واحرم من شئت فلا حساب عليك، وهذا شأن النبي الملك، بخلاف العبد الرسول. وقد خُيّر نبينا محمد ﷺ بين هذين المقامين فاختار أن يكون عبداً رسولاً. ثم نبّه الله على ما أعدّ لسليمان في الآخرة: وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب.[٣١]
حكم الحرث
١٨ | ٧-١وأثنى الله على حكمه وحكم أبيه فقال: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم. ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن قوماً كان لهم كرم فرعته غنم قوم آخرين بالليل فأكلت شجره، فتحاكموا إلى داود فحكم لأصحاب الكرم بقيمته، فلما خرجوا على سليمان قال: لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلّونها نتاجاً ودرّاً، حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردّوه إلى ما كان عليه ثم يتسلموا غنمهم، فبلغ داود ذلك فحكم به.[٣٣]
١٨ | ٧-٤وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما، فتنازعتا في الآخر، فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى، فخرجتا على سليمان فقال: ائتوني بالسكين أشقّه نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها، فقضى به لها.[٣٣]
وفاته
١٨ | ٨-١قال الله تعالى: فلما قضينا عليه الموت ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خرّ تبيّنت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. وذكر غير واحد من السلف أنه قام يصلي متكئاً على عصاه، فقُبضت روحه وهو متوكئ عليها، والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، فبعث الله دابة الأرض إلى منسأته، أي عصاه، فأكلتها، حتى إذا أكلت جوفها ضعفت فخرّ، فلما رأت الجن ذلك انفضّوا، وعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب.[٣٥، ٣٦]
١٨ | ٨-٣قال ابن جرير: فكان جميع عمر سليمان بن داود نيّفاً وخمسين سنة، وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذُكر، ثم ملك بعده ابنه، ثم تفرّقت بعده مملكة بني إسرائيل.[٣٨]
مصادر الترجمة
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 284
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 284-285
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 286-287
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 288-290
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 292
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 290
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 292-293
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 293-294
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 294-296
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 296
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 297-300
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 300-301
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 301
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 303-304
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 304-305
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 306
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 310
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 302
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 311
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 313-314
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 314
٢٤عيسى عليه السلام
المسيح ابن مريم
النبذة
٢٤ | ١-١أنزل الله صدر سورة آل عمران لما قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ فجعلوا يذكرون ما هم عليه من التثليث، فبيّن فيها أن عيسى عبد من عباد الله، خلقه وصوّره في الرحم كما صوّر غيره من المخلوقات، وأنه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم، وقال له: كن فكان. وبيّن أصل ميلاد أمه مريم، وكيف حملت بولدها عيسى، وبسط ذلك في سورة مريم.[١]
مريم بنت عمران
٢٤ | ٢-١اصطفى الله آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، والمراد بعمران هذا والد مريم، ولا خلاف أنها من سلالة داود، وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكانت أمها حنّة من العابدات. وذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أم مريم كانت لا تحبل، فرأت يوماً طائراً يزقّ فرخاً له فاشتهت الولد، فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محرّراً، أي حبيساً في بيت المقدس، فحملت بمريم.[٣]
٢٤ | ٢-٥فلما وضعتها قالت: رب إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، أي في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خدّاماً من أولادهم، وقالت: وإني سميتها مريم، وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم؛ وقد استُجيب لها في هذا كما تُقبّل منها نذرها، فروى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ما من مولود إلا والشيطان يمسّه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مسّ الشيطان إلا مريم وابنها.[٥]
٢٤ | ٢-٧فتقبّلها ربها بقبول حسن، وتنازع العبّاد المقيمون بالمسجد في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وزوجته أختها أو خالتها، فطلبوا أن يقترعوا، فألقوا أقلامهم فخرجت قرعة زكريا غالبة، فكفلها. واتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه ليلها ونهارها، حتى صارت يُضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، وكان زكريا كلما دخل عليها يجد عندها رزقاً غريباً في غير أوانه، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها: أنّى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله.[٧]
٢٤ | ٢-١٠وبشّرتها الملائكة باصطفاء الله لها: يا مريم إن الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين، يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين؛ فأُمرت بكثرة العبادة لتكون أهلاً لهذه الكرامة. وقال رسول الله ﷺ: خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلدرضي اللهعنها، رواه البخاري ومسلم عن علي. وقال: حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، رواه أحمد والترمذي وصحّحه.[٩]
البشارة والحمل
٢٤ | ٣-١وكانت إنما تخرج من المسجد لحاجة ضرورية لا بد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يوماً قد خرجت لبعض شؤونها، وانتبذت، أي انفردت وحدها شرقيّ المسجد الأقصى، إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل، فتمثّل لها بشراً سوياً، فلما رأته قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً. قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً، أي لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك. قالت: أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً؟ قال: كذلك قال ربك هو عليّ هيّن، ولنجعله آية للناس؛ فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى.[١١]
٢٤ | ٣-٨فذكر غير واحد من السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة فحملت من فورها، كما قال تعالى: ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا. فلما حملت ضاقت به ذرعاً، وعلمت أن كثيراً من الناس سيكون منهم كلام في حقها، فانتبذت به مكاناً قصياً. والظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء، إذ لو كان خلاف ذلك لذُكر. قال محمد بن إسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فتوارت عنهم مريم واعتزلتهم.[١٣]
الميلاد عند جذع النخلة
٢٤ | ٤-١فألجأها الطلق إلى جذع النخلة، وهو ببيت لحم بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعاً، فقالت: يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً؛ علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها حين تأتيهم بغلام، مع أنها كانت عندهم من العابدات المجاورات في المسجد ومن بيت النبوة والديانة. فناداها من تحتها، قيل: جبريل، وقيل: ابنها عيسى، ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً، والصحيح أنه النهر، وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً، فكلي واشربي وقرّي عيناً.[١٦]
٢٤ | ٤-٦فإما ترينّ من البشر أحداً فقولي: إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً، أي بلسان الحال والإشارة، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام. فأتت به قومها تحمله، قال ابن عباس: وذلك بعدما تعالت من نفاسها بعد أربعين يوماً، فلما رأوها تحمل ولدها قالوا: يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً، أي أمراً عظيماً منكراً، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً. وقد دلّ الحديث على أنه كان لها أخ اسمه هارون مشهور بالدين والصلاح، فروى مسلم عن المغيرة بن شعبة أن أهل نجران سألوه عن ذلك وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم.[١٨]
الكلام في المهد
٢٤ | ٥-١فاتهموها بالفاحشة العظمى، فلما ضاق الحال وامتنع المقال عظم التوكل على ذي الجلال، فأشارت إليه، أي خاطبوه وكلّموه فإن جوابكم عليه، فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟ فعندها قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً، والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً.[٢٠]
٢٤ | ٥-٧فكان أول ما تكلّم به أن قال: إني عبد الله، اعترف لربه بالعبودية، فنزّه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برّأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون بقوله: آتاني الكتاب وجعلني نبياً، فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا. وقال: وبراً بوالدتي، لأنه تأكد حقها عليه إذ لا والد له سواها.[٢٢]
٢٤ | ٥-٨ثم قال الله: ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون، ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه: فمن قائل من اليهود إنه ولد زنية، وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله، وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون. وروى البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل.[٢٣]
النشأة والبعثة بالإنجيل
٢٤ | ٦-١وُلد عيسى عليه السلام ببيت لحم قريباً من بيت المقدس، وزعم وهب بن منبه أنه وُلد بمصر، وهذا لا يصح، والحديث المتقدم دليل على أن مولده كان ببيت لحم، ومهما عارضه فباطل. وقد قال تعالى: وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين، والربوة المكان المرتفع من الأرض، والمعين الماء الجاري على وجه الأرض، فقيل المراد المكان الذي ولدت فيه المسيح، ولهذا ناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً، وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف.[٢٥، ٢٦]
٢٤ | ٦-٣وأُنزل الإنجيل على عيسى ابن مريم لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وذكر ابن جرير في تاريخه أنه أُنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة، ومكث حتى رُفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.[٢٨]
٢٤ | ٦-٤وروى أبو داود في كتاب القدر عن طاوس قال: لقي عيسى ابن مريم إبليس فقال: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كُتب لك؟ قال إبليس: فأوفِ بذروة هذا الجبل فتردّ منه فانظر هل تعيش أم لا. فقال عيسى: أما علمت أن الله قال: لا يجرّبني عبدي فإني أفعل ما شئت. وقال الزهري: إن العبد لا يبتلي ربه ولكن الله يبتلي عبده.[٢٩]
المعجزات والحواريون
٢٤ | ٧-١يذكّره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب، وجعله آية للناس ودلالة على كمال قدرته، ثم إرساله بعد هذا كله، وعلى والدته في اصطفائها وإقامة البرهان على براءتها مما نسبها إليه الجاهلون. إذ أيدتك بروح القدس، وهو جبريل. وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير، أي تصوّره وتشكّله على هيئة الطير عن أمر الله له بذلك، فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني، يؤكد تعالى بذكر الإذن لرفع التوهّم. وتبرئ الأكمه، وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته، والأبرص الذي صار داؤه عضالاً، وإذ تخرج الموتى، أي من قبورهم أحياء بإذني.[٣٠]
٢٤ | ٧-٦كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان؛ فموسى عليه السلام بُعث في قوم سحرة أذكياء، فبُعث بآيات بهرت الأبصار فأسلم السحرة سراعاً. وهكذا عيسى ابن مريم بُعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأُرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وأنّى لحكيم إبراء الأكمه والأبرص، وكيف يتوصّل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره؟ وهكذا محمد ﷺ بُعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي تحدّى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله.[٣٣]
٢٤ | ٧-٧فلما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وعنادهم، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصاراً وأعواناً، قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته. قال: من أنصاري إلى الله؟ أي من يساعدني في الدعوة إلى الله، قال الحواريون: نحن أنصار الله، وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسُمّوا بذلك النصارى. فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة.[٣٤، ٣٥]
٢٤ | ٧-١٠فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد قام فيهم خطيباً فبشّرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده، ونوّه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه، إقامة للحجة عليهم وإحساناً من الله إليهم. وسأل أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن نفسك، قال: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى.[٣٨]
المائدة
٢٤ | ٨-١ومضمون الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسلمان الفارسيرضي اللهعنه وعمار بن ياسررضي اللهعنه وغيرهم من السلف: أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوماً، فلما أتموها سألوه إنزال مائدة من السماء ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله قد تقبّل صيامهم، وتكون لهم عيداً يفطرون عليها. فوعظهم عيسى في ذلك وخاف عليهم ألا يقوموا بشكرها، فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه، فقام إلى مصلاه ولبس مسحاً من شعر، وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء، وتضرّع إلى الله في الدعاء.[٤٠]
٢٤ | ٨-٦فأنزل الله المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين، وكلما دنت سأل عيسى ربه أن يجعلها رحمة لا نقمة، حتى استقرت بين يديه وهي مغطاة بمنديل، فكشف عنها وهو يقول: بسم الله خير الرازقين، فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة. فأمرهم بالأكل منها فقالوا: لا نأكل حتى تأكل، فقال: إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها، فأبوا، فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى فأكلوا منها، فبرأ كل من به عاهة أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها.[٤٢]
٢٤ | ٨-٧واختلف العلماء في المائدة: هل نزلت أم لا؟ فالجمهور أنها نزلت كما دلّت عليه هذه الآثار، وكما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله: إني منزّلها عليكم، كما قرّره ابن جرير. وروى ابن جرير بإسناد صحيح إلى مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: لم تنزل، وإنهم أبوا نزولها حين قال: فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين.[٤٣]
زهده ومواعظه
٢٤ | ٩-١كان عيسى عليه السلام يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر، ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال، ولا يدّخر شيئاً لغد، وقال بعضهم: كان يأكل من غزل أمه. وروى ابن عساكر عن الشعبي قال: كان عيسى إذا ذُكرت عنده الساعة صاح ويقول: لا ينبغي لابن مريم أن تُذكر عنده الساعة ويسكت. وقال الحسن: إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة.[٤٤]
٢٤ | ٩-٢ومن مواعظه المأثورة عنه: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة. وقوله: لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء. وقوله: طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله. وقالت له امرأة: طوبى لحجر حملك ولثدي أرضعك، فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه. ومرّ هو وأصحابه بجيفة فقالوا: ما أنتن ريحها، فقال: ما أبيض أسنانها، لينهاهم عن الغيبة.[٤٥]
٢٤ | ٩-٣وقال مالك: قال عيسى ابن مريم: لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية. وقال مكحول: التقى يحيى وعيسى، فصافحه عيسى وهو يضحك، فقال له يحيى: يا ابن خالة، ما لي أراك ضاحكاً كأنك قد أمنت؟ فقال له عيسى: ما لي أراك عابساً كأنك قد يئست؟ فأوحى الله إليهما: إن أحبكما إليّ أبشّكما بصاحبه.[٤٦، ٤٧]
الرفع إلى السماء
٢٤ | ١٠-١أخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعدما توفّاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلّصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان، فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس، فلما حان وقت دخولهم أُلقي شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده، ورُفع عيسى من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وأهل البيت ينظرون، ودخل الشُّرط فوجدوا ذلك الشاب الذي أُلقي عليه شبهه فأخذوه ظانّين أنه عيسى فصلبوه.[٤٨]
٢٤ | ١٠-٦وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه، وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين، فقال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيُقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك. فأُلقي عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم.[٥١]
٢٤ | ١٠-٧وقوله: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. وقال سعيد بن المسيب: رُفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.[٥٢، ٥٣]
صفته ونزوله آخر الزمان
٢٤ | ١١-١قيل سُمّي المسيح لمسحه الأرض، وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان، لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه، وقيل لأنه كان ممسوح القدمين. وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال ليلة أُسري به: ولقيت عيسى، فنعته فقال: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، يعني الحمام. وروى عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر.[٥٥]
٢٤ | ١١-٣وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: رأى عيسى ابن مريم رجلاً يسرق فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذّبت عينيّ. قال ابن كثير: وهذا يدل على سجيّة طاهرة، حيث قدّم حلف ذلك الرجل، فظن أن أحداً لا يحلف بعظمة الله كاذباً. وروى البخاري عن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله.[٥٧]
٢٤ | ١١-٤وروى أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: الأنبياء إخوة لعلّات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويعطّل الملل حتى تهلك في زمانه كلها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يُتوفّى فيصلّي عليه المسلمون ويدفنونه. وفي رواية: فيمكث أربعين سنة.[٥٨]
٢٤ | ١١-٥وإنه ينزل على المنارة البيضاء بدمشق وقد أقيمت صلاة الصبح، فيقول له إمام المسلمين: تقدّم يا روح الله فصلّ، فيقول: لا، بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة. ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال، فيلحقه عند باب لُدّ فيقتله بيده الكريمة.[٥٩]
مصادر الترجمة
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 367
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 368-369
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 369-370
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 371-373
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 373-376
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 385-387
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 387-390
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 390-391
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 392-394
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 395
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 395-396
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 397-399
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 411
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 415-416
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 417
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 420-421
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 428
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 430-431
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 431
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 433
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 432
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 435
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 436
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 437
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 439-440
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 442-443
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 444
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 447-448
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 449-450
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 450-451
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 450
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 457
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 461-462
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 464-465
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 466-467
- قصص الأنبياء، ابن كثير (ت 774 هـ)، ت عبد الواحد، ج 2، ص 467-468
النسب والمولد
٢٥ | ١-١هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، واسم عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسم هاشم عمرو بن عبد مناف، واسم عبد مناف المغيرة بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.[١]
٢٥ | ١-٢زوّج عبد المطلب ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وكان وهب يومئذ سيد بني زهرة نسباً وشرفاً، وكانت آمنة يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً، فحملت برسول الله ﷺ. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام. ثم لم يلبث عبد الله أن هلك، وأم رسول الله ﷺ حامل به.[٢، ٣]
٢٥ | ١-٣قال ابن إسحاق: وُلد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، عام الفيل. وقال قيس بن مخرمة: وُلدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، فنحن لِدان. فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه قد وُلد لك غلام فأته فانظر إليه، فأتاه فنظر إليه، فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة، فقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها.[٤]
الرضاعة في بني سعد
٢٥ | ٢-١والتمس عبد المطلب لرسول الله ﷺ المراضع، فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة ابنة أبي ذؤيب، وإخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة بنت الحارث وهي الشيماء، وكانت تحضنه مع أمها.[٦]
٢٥ | ٢-٢وكانت حليمة تحدّث أنها خرجت مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد يلتمسن الرضعاء، في سنة شهباء لم تبق لهم شيئاً، فما منهن امرأة إلا وقد عُرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، لأنهن إنما كنّ يرجون المعروف من أبي الصبي. فلما لم تجد غيره قالت لزوجها: والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.[٧]
٢٥ | ٢-٣قالت: فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى ناقتنا فإذا إنها لحافل. ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليّ شباعاً لبّناً، فلم نزل نتعرّف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشبّ شباباً لا يشبّه الغلمان.[٨]
٢٥ | ٢-٤فقدموا به على أمه وهم أحرص شيء على مكثه فيهم لما رأوا من بركته، فردّته معهم. فبعد مقدمهم به بأشهر، وهو مع أخيه في بَهم لهم خلف البيوت، أتاه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقّا بطنه. وقال رسول الله ﷺ يصف ذلك: فشقّا بطني، واستخرجا قلبي فشقّاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه. فخشيت حليمة وزوجها عليه، فردّاه إلى أمه.[٩]
٢٥ | ٢-٥وكان رسول الله ﷺ يقول: ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا. وكان يقول لأصحابه: أنا أعربكم، أنا قرشي، واسترضعت في بني سعد بن بكر.[١٠]
اليتم والكفالة
٢٥ | ٣-١كان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه، فلما بلغ ست سنين توفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة.[١١]
٢٥ | ٣-٢فكان مع جده عبد المطلب، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له، فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام فيجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخّروه عنه، فيقول عبد المطلب: دعوا ابني، فوالله إن له لشأناً، ثم يجلسه معه على الفراش ويمسح ظهره بيده. فلما بلغ ثماني سنين هلك عبد المطلب.[١٢]
٢٥ | ٣-٣فكان رسول الله ﷺ بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبد الله أبو رسول الله ﷺ وأبو طالب أخوين لأب وأم. وخرج أبو طالب في ركب تاجراً إلى الشام فأخذه معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرى إليه علم أهل النصرانية، نظر إليه ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده، فقال لأبي طالب: ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فخرج به عمه سريعاً حتى أقدمه مكة.[١٣]
٢٥ | ٣-٤فشبّ رسول الله ﷺ والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية، حتى بلغ أن كان رجلاً، وأفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم حسباً، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنّس الرجال، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين.[١٤]
الزواج بخديجة وبناء الكعبة
٢٥ | ٤-١كانت خديجة بنت خويلدرضي اللهعنها امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، فلما بلغها عن رسول الله ﷺ صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه عرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً مع غلام لها يقال له ميسرة، فخرج حتى قدم الشام، ثم باع سلعته واشترى ما أراد، وقدم مكة بمالها فأضعف أو قريباً.[١٥]
٢٥ | ٤-٢وكانت خديجةرضي اللهعنها امرأة حازمة شريفة لبيبة، فبعثت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا ابن عم، إني قد رغبت فيك لقرابتك، وسطتك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت يومئذ أوسط نساء قريش نسباً وأعظمهن شرفاً وأكثرهن مالاً. فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلبرضي اللهعنه حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها، وهو ابن خمس وعشرين سنة. وكانت أول امرأة تزوجها، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.[١٦، ١٧]
٢٥ | ٤-٣فولدت لرسول الله ﷺ ولده كلهم إلا إبراهيم: القاسم وبه كان يُكنى، والطاهر، والطيب، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. فأما القاسم والطيب والطاهر فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه. وأما إبراهيم فأمه مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس.[١٨]
٢٥ | ٤-٤فلما بلغ رسول الله ﷺ خمساً وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، فجمعت القبائل الحجارة لبنائها، كل قبيلة على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحالفوا وأعدّوا للقتال، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً.[١٩، ٢٠]
٢٥ | ٤-٥ثم اجتمعوا في المسجد، فقال أبو أمية بن المغيرة، وكان يومئذ أسنّ قريش كلها: اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا، فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد. فلما أخبروه الخبر قال: هلمّ إليّ ثوباً، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثم بنى عليه.[٢١]
بدء الوحي
٢٥ | ٥-١روت عائشة رضي الله عنها أن أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من النبوة، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به، الرؤيا الصادقة، لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح، وحبّب الله إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده.[٢٢]
٢٥ | ٥-٢وكان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كل سنة شهراً، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره بدأ بالكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها، ثم يرجع إلى بيته. حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به فيه ما أراد من كرامته، وذلك شهر رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى.[٢٣]
٢٥ | ٥-٩قال رسول الله ﷺ: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتاباً. فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء، فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، حتى بعثت خديجةرضي اللهعنها رسلها في طلبي.[٢٦]
٢٥ | ٥-١٠فانصرف إلى خديجةرضي اللهعنها فحدّثها بالذي رأى، فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمها، وكان قد تنصّر وقرأ الكتب، فأخبرته، فقال: قدّوس قدّوس، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة. ثم لقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولتكذّبنّه ولتؤذينّه ولتخرجنّه ولتقاتلنّه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه.[٢٧]
٢٥ | ٥-١١وآمنت به خديجة بنت خويلدرضي اللهعنها، وصدّقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله. فخفّف الله بذلك عن نبيه ﷺ، لا يسمع شيئاً مما يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرّج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبّته وتخفّف عليه، وتصدّقه وتهوّن عليه أمر الناس. وقال رسول الله ﷺ: أُمرت أن أبشّر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.[٢٨]
٢٥ | ٥-١٢ثم فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة حتى شقّ ذلك عليه فأحزنه، فجاءه جبريل بسورة الضحى، يقسم له ربه ما ودّعه وما قلاه، يقول: ما صرمك فتركك، وما أبغضك منذ أحبك. وأما بنعمة ربك فحدّث، أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدّث، أي اذكرها وادع إليها، فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من النبوة سراً إلى من يطمئن إليه من أهله.[٢٩، ٣٠]
٢٥ | ٥-١٦وافتُرضت الصلاة عليه، قالت عائشةرضي اللهعنها: افتُرضت الصلاة على رسول الله ﷺ أول ما افتُرضت عليه ركعتين ركعتين، كل صلاة، ثم إن الله تعالى أتمّها في الحضر أربعاً، وأقرّها في السفر على فرضها الأول ركعتين.[٣٠]
السابقون إلى الإسلام
٢٥ | ٦-١ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله ﷺ وصلّى معه وصدّق بما جاءه من الله علي بن أبي طالبرضي اللهعنه، وهو يومئذ ابن عشر سنين، وكان في حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام؛ أصابت قريشاً أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فأخذ رسول الله ﷺ علياً فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفراً، فلم يزل علي مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبياً فاتّبعه.[٣٢]
٢٥ | ٦-٢وكان رسول الله ﷺ إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي مستخفياً من أبيه ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصلّيان فيها، فإذا أمسيا رجعا. ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصلّيان، فقال: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: أي عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله به رسولاً إلى العباد، وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى. فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت.[٣٣]
٢٥ | ٦-٣ثم أسلم زيد بن حارثةرضي اللهعنه مولى رسول الله ﷺ، وكان أول ذكر أسلم وصلّى بعد علي. وكان حكيم بن حزام قدم من الشام برقيق فيهم زيد، فاختارته خديجةرضي اللهعنها فرآه رسول الله ﷺ عندها فاستوهبه منها فوهبته له، فأعتقه وتبنّاه قبل أن يوحى إليه. ثم قدم أبوه حارثة يطلبه، فقال له رسول الله ﷺ: إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك، فقال: بل أقيم عندك.[٣٤]
٢٥ | ٦-٤ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة، فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان رجلاً مألفاً لقومه، محبّباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش وأعلمهم بها، وكان رجلاً تاجراً ذا خلق ومعروف، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه، فأسلم بدعائه عثمان بن عفانرضي اللهعنه، والزبير بن العوامرضي اللهعنه، وعبد الرحمن بن عوفرضي اللهعنه، وسعد بن أبي وقاصرضي اللهعنه، وطلحة بن عبيد اللهرضي اللهعنه، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا وصلّوا.[٣٥]
٢٥ | ٦-٥وكان رسول الله ﷺ يقول فيما بلغ ابن إسحاق: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه. فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام، فصلّوا وصدّقوا رسول الله ﷺ بما جاءه من الله.[٣٦]
الجهر بالدعوة
٢٥ | ٧-١ثم دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، ثم إن الله أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستتر به إلى أن أمره الله بإظهار دينه ثلاث سنين فيما بلغ ابن إسحاق، فقال تعالى: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، وقال: وأنذر عشيرتك الأقربين.[٣٧]
٢٥ | ٧-٥فلما بادى رسول الله ﷺ قومه بالإسلام لم يبعد منه قومه ولم يردّوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون. وحدب على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، فمشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإما أن تكفّه عنا وإما أن تخلّي بيننا وبينه، فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً وردّهم ردّاً جميلاً.[٤٠]
٢٥ | ٧-٦ثم مشوا إليه مرة أخرى فقالوا: إنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين. فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، فبعث إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أنه خاذله، فقال: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر فبكى ثم قام، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً.[٤١]
٢٥ | ٧-٧ودعا أبو طالب بني هاشم وبني المطلب إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب.[٤٢]
أذى المستضعفين والهجرة إلى الحبشة
٢٥ | ٨-١ثم إن قريشاً عدوا على من أسلم واتّبع رسول الله ﷺ من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذّبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، يفتنونهم عن دينهم. وكان أمية بن خلف يخرج بلالاً إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. حتى مرّ به أبو بكر الصديقرضي اللهعنه فاشتراه بغلام له أجلد منه وأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب.[٤٣]
٢٥ | ٨-٢وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسررضي اللهعنه وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة يعذّبونهم برمضاء مكة، فيمرّ بهم رسول الله ﷺ فيقول: صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة، فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام.[٤٤]
٢٥ | ٨-٣فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام، وكان أول من خرج عثمان بن عفانرضي اللهعنه معه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ.[٤٥]
٢٥ | ٨-٤فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة بعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاصرضي اللهعنه بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردّهم عليهم. فقالا للنجاشي: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، فغضب النجاشي وقال: لا والله لا أسلمهم إليهما حتى أدعوهم فأسألهم عمّا يقول هذان في أمرهم.[٤٦]
٢٥ | ٨-٦فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقرأ عليه جعفر صدراً من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته، ثم قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما. فلما كان الغد قال عمرو: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسألهم، فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، وردّ عليهما هداياهما. قالت أم سلمةرضي اللهعنها: فأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.[٤٨]
إسلام حمزة وعمر
٢٥ | ٩-١مرّ أبو جهل برسول الله ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه، فلم يكلّمه رسول الله ﷺ، ومولاة لعبد الله بن جدعان تسمع ذلك. فلم يلبث حمزة بن عبد المطلبرضي اللهعنه أن أقبل متوشّحاً قوسه راجعاً من قنص له، وكان أعزّ فتى في قريش وأشدّه شكيمة، فقالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفاً من أبي الحكم بن هشام، آذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلّمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب، فخرج يسعى حتى دخل المسجد فرأى أبا جهل جالساً في القوم، فضربه بالقوس فشجّه شجّة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فردّ ذلك عليّ إن استطعت. وتمّ حمزة على إسلامه، فلما أسلم عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عزّ وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.[٤٩]
٢٥ | ٩-٢وكان إسلام عمر بن الخطابرضي اللهعنه بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة، وكان رجلاً ذا شكيمة لا يُرام ما وراء ظهره، فامتنع به أصحاب رسول الله ﷺ وبحمزة حتى عازّوا قريشاً. وكان عبد الله بن مسعودرضي اللهعنه يقول: إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلّي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلّى عند الكعبة وصلّينا معه.[٥٠]
٢٥ | ٩-٣وكان سبب إسلامه فيما بلغ ابن إسحاق أن أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيدرضي اللهعنه قد أسلما وهما مستخفيان من عمر، وكان خبّاب بن الأرت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن. فخرج عمر يوماً متوشّحاً سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطاً من أصحابه قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمداً هذا الصابئ فأقتله، فقال له نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ ختنك سعيد بن زيد وأختك فاطمة قد أسلما.[٥١]
٢٥ | ٩-٤فرجع عمر إليهما وعندهما خبّاب معه صحيفة فيها سورة طه يقرئهما إياها، فبطش بختنه، وقامت إليه أخته لتكفّه فضربها فشجّها، فقالا له: نعم قد أسلمنا وآمنّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، وطلب الصحيفة، فقرأ منها صدراً فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فخرج إليه خبّاب فقال: يا عمر، إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطابرضي اللهعنه. فقال عمر: فدلّني يا خبّاب على محمد حتى آتيه فأسلم.[٥٢]
الصحيفة وعام الحزن
٢٥ | ١٠-١فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأن عمر قد أسلم، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، ائتمروا أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم، ثم علّقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم. فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه، وخرج من بني هاشم أبو لهب إلى قريش فظاهرهم.[٥٣]
٢٥ | ١٠-٢ثم قام في نقض تلك الصحيفة نفر من قريش، ولم يُبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو، كان يأتي بالبعير ليلاً قد أوقره طعاماً، وبنو هاشم في الشعب، حتى إذا أقبل به فم الشعب خلع خطامه ثم ضرب على جنبه فيدخل الشعب عليهم. ثم مشى إلى زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأبي البختري وزمعة بن الأسود، فتعاقدوا على القيام في نقضها. فغدا زهير فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباع ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تُشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقّها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا «باسمك اللهم».[٥٤]
٢٥ | ١٠-٣ثم إن خديجة بنت خويلدرضي اللهعنها وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها، وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضداً وحرزاً في أمره ومنعة وناصراً على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين. فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياته، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً، فدخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها: لا تبكي يا بنيّة، فإن الله مانع أباك.[٥٥]
٢٥ | ١٠-٤فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف وحده يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه، فعمد إلى سادة ثقيف وأشرافهم فدعاهم إلى الله، فردّوا عليه أقبح الرد، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به، حتى ألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه.[٥٦]
٢٥ | ١٠-٦فلما رآه ابنا ربيعة وما لقي تحرّكت له رحمهما، فبعثا إليه غلاماً لهما نصرانياً يقال له عدّاس بقطف من عنب، فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده قال: باسم الله، ثم أكل، فقال عدّاس: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فسأله رسول الله ﷺ عن بلده فقال: أنا رجل من أهل نينوى، فقال: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى، ذاك أخي، كان نبياً وأنا نبي، فأكبّ عدّاس عليه يقبّل رأسه ويديه وقدميه. ثم قدم رسول الله ﷺ مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه، فكان يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويسألهم أن يصدّقوه ويمنعوه.[٥٨]
الإسراء والمعراج
٢٥ | ١١-١ثم أُسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس، وقد فشا الإسلام بمكة في قريش وفي القبائل كلها. وكان في مسراه بلاء وتمحيص، وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدّق.[٥٩]
٢٥ | ١١-٢أُتي رسول الله ﷺ بالبراق، وهي الدابة التي كانت تُحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها في منتهى طرفها، فحُمل عليها، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم الخليل وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جُمعوا له فصلّى بهم. ثم أُتي بإناءين في أحدهما خمر وفي الآخر لبن، فأخذ إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر، فقال له جبريل: هُديت للفطرة، وهُديت أمتك يا محمد.[٦٠]
٢٥ | ١١-٣فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: والله إن العير لتُطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة وشهراً مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة! فارتدّ كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر فأخبروه، فقال: والله لئن كان قاله لقد صدق، فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدّقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يصف له بيت المقدس، فجعل يصفه، وأبو بكر يقول: صدقت، أشهد أنك رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: وأنت يا أبا بكر الصدّيق، فيومئذ سمّاه الصدّيق.[٦١]
٢٥ | ١١-٤وقال رسول الله ﷺ فيما رواه ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري: لما فرغت مما كان في بيت المقدس أُتي بالمعراج، ولم أر شيئاً قط أحسن منه، فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء. ولما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلاً جالساً تُعرض عليه أرواح بني آدم، فيقول لبعضها: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم، تُعرض عليه أرواح ذريته.[٦٢، ٦٣]
بيعتا العقبة
٢٥ | ١٢-١فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه ﷺ وإنجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ في الموسم فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكانت يهود معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبياً مبعوث الآن قد أظلّ زمانه، نتّبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعّدكم به يهود، فلا تسبقنّكم إليه، فأجابوه وصدّقوه، وكانوا ستة نفر.[٦٤]
٢٥ | ١٢-٢فلما قدموا المدينة ذكروا لقومهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ. حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوه على ألا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه من بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه في معروف، فإن وفّوا فلهم الجنة. فلما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عميررضي اللهعنه، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم في الدين، فكان يسمّى المقرئ بالمدينة.[٦٥، ٦٦]
٢٥ | ١٢-٣ثم خرج من خرج من الأنصار المسلمين إلى الموسم مع حجّاج قومهم من أهل الشرك، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق. قال كعب بن مالك: فلما مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لمعاد رسول الله ﷺ، نتسلّل تسلّل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارةرضي اللهعنها، وأسماء بنت عمرو أم منيع. فجاءنا رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثّق له.[٦٧، ٦٨]
٢٥ | ١٢-٤فتكلّم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب. فقال أبو الهيثم بن التيّهان: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها، يعني اليهود، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم. ثم أخرجوا منهم اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.[٦٩]
٢٥ | ١٢-٥وكانت هذه بيعة الحرب، حين أذن الله لرسوله في القتال، قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله ﷺ بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.[٧٠]
الهجرة إلى المدينة
٢٥ | ١٣-١وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلّف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حُبس أو فُتن، إلا علي بن أبي طالبرضي اللهعنه وأبو بكر الصديقرضي اللهعنه، وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذنه في الهجرة فيقول له: لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحباً، فيطمع أبو بكر أن يكونه.[٧١]
٢٥ | ١٣-٢ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، حذروا خروجه إليهم، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون فيه. فقال قائل: احبسوه في الحديد، وقال آخر: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فلم يرضوا ذلك، فقال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فيتفرق دمه في القبائل جميعاً، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فتفرّقوا على ذلك وهم مجمعون له.[٧٢]
٢٥ | ١٣-٣فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فقال لعلي بن أبي طالبرضي اللهعنه: نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. وخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو آيات من سورة يس، وأنزل الله في ذلك: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.[٧٣]
٢٥ | ١٣-٥قالت عائشةرضي اللهعنها: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، حتى إذا كان اليوم الذي أُذن له فيه في الهجرة أتانا بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة. قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ. ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أرقط يدلّهما على الطريق. وأمر رسول الله ﷺ علياً أن يتخلّف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، فإنه ليس بمكة أحد عنده شيء يُخشى عليه إلا وضعه عنده لما يُعلم من صدقه وأمانته.[٧٥]
٢٥ | ١٣-٦فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور، جبل بأسفل مكة، فدخلاه، فأقاما فيه ثلاثاً، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يردّه عليهم. وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره يسمع ما يأتمرون به ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة يرعى غنم أبي بكر فإذا أمسى أراحها عليهما، وكانت أسماء بنت أبي بكررضي اللهعنها تأتيهما بالطعام، فلما ارتحلا ذهبت لتعلّق السفرة فإذا ليس لها عصام، فحلّت نطاقها فجعلته عصاماً، فكان يقال لها ذات النطاق.[٧٦]
٢٥ | ١٣-٧فلما قرّب أبو بكر الراحلتين قدّم لرسول الله ﷺ أفضلهما وقال: اركب فداك أبي وأمي، فقال: إني لا أركب بعيراً ليس لي، قال: فهي لك يا رسول الله، قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ فأخذها به. وتبعهم سراقة بن مالك يرجو أن يردّه على قريش فيأخذ المائة الناقة، فعثر به فرسه مرة بعد مرة، فلما بدا له القوم عثر فرسه فذهبت يداه في الأرض، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع مني وأنه ظاهر، فناداهم وطلب منهم كتاباً يكون آية بينه وبينهم، فكتب له أبو بكر، ثم أسلم يوم الجعرانة بعد الفتح وحنين.[٧٧]
٢٥ | ١٣-٨ثم قدم بهما دليلهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء. وكان الأنصار لما سمعوا بمخرجه يخرجون إذا صلّوا الصبح إلى ظاهر حرّتهم ينتظرونه حتى تغلبهم الشمس على الظلال، فلما كان اليوم الذي قدم فيه دخلوا بيوتهم، فكان أول من رآه رجل من اليهود فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا جدّكم قد جاء، فخرجوا إليه وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر، فلما زال الظل عنه قام أبو بكر فأظلّه بردائه فعرفوه عند ذلك. وأقام علي بمكة ثلاث ليال حتى أدّى الودائع، ثم لحق برسول الله ﷺ.[٧٨]
بناء المسجد والمجتمع في المدينة
٢٥ | ١٤-١فأقام رسول الله ﷺ بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسّس مسجده، ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. وجعلت القبائل تعترضه تقول: يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، فيقول: خلّوا سبيلها فإنها مأمورة، لناقته، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين، فنزل عنها، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته.[٧٩]
٢٥ | ١٤-٢فأمر رسول الله ﷺ بالمربد أن يُبنى مسجداً، ونزل على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول الله ﷺ ليرغّب المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا فيه، ورسول الله ﷺ يقول: لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار.[٨٠]
٢٥ | ١٤-٣وكتب رسول الله ﷺ كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وفيه: وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فساده فإن مردّه إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ. وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال: تآخوا في الله أخوين أخوين، فكان أبو بكر وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطابرضي اللهعنه وعتبان بن مالك أخوين، وعبد الرحمن بن عوفرضي اللهعنه وسعد بن الربيع أخوين.[٨١، ٨٢]
٢٥ | ١٤-٤فلما اطمأن رسول الله ﷺ بالمدينة واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام، فقامت الصلاة، وفُرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود، وفُرض الحلال والحرام. وكان الناس يجتمعون إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فرأى عبد الله بن زيد النداء في منامه، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذّن بها، فإنه أندى صوتاً منك. فلما أذّن بها بلال سمعها عمر بن الخطابرضي اللهعنه وهو في بيته، فخرج يجرّ رداءه يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله ﷺ: فلله الحمد على ذلك.[٨٣]
الإذن بالقتال والغزوات
٢٥ | ١٥-١كان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلّل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتّبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم. فلما عتت قريش على الله وكذّبوا نبيه وعذّبوا ونفوا من عبده ووحّده، أذن الله لرسوله في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت في ذلك: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير.[٨٤]
٢٥ | ١٥-٤ويقال: صُرفت القبلة إلى الكعبة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدم رسول الله ﷺ المدينة. ثم سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان بن حرب مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة، فندب المسلمين إليها، فاستنفر أبو سفيان قريشاً، فخرجت قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحد، فكانت غزوة بدر الكبرى.[٨٦، ٨٧]
٢٥ | ١٥-٥وكان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه سبعاً وعشرين غزوة، منها: ودّان، وبدر الكبرى، وأحد، والخندق، وبنو قريظة، والحديبية لا يريد قتالاً فصدّه المشركون، وخيبر، وعمرة القضاء، والفتح، وحنين، والطائف، وتبوك. قاتل منها في تسع غزوات: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وكانت بعوثه وسراياه ثمانياً وثلاثين من بين بعث وسرية.[٨٨]
٢٥ | ١٥-٦فلما فتح الله عليه مكة ونزلها واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعاً على راحلته، ثم دخل الكعبة، ثم وقف على بابها وقد استكفّ له الناس في المسجد، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى. ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ثم دعا عثمان بن طلحة فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء.[٨٩]
حجة الوداع
٢٥ | ١٦-١فلما دخل ذو القعدة تجهّز رسول الله ﷺ للحج وأمر الناس بالجهاز له، وخرج لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بيّن فيها ما بيّن.[٩١، ٩٢]
٢٥ | ١٦-٣وقال فيها: إن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع. واستوصوا بالنساء خيراً. وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً، أمراً بيّناً، كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمنّ أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم، اللهم هل بلّغت؟ فقال الناس: اللهم نعم، فقال: اللهم اشهد.[٩٣]
أزواجه أمهات المؤمنين
٢٥ | ١٧-١كان جميع من تزوّج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة، أولهن خديجة بنت خويلدرضي اللهعنها، فولدت له ولده كلهم إلا إبراهيم. وتُوفي عن تسع: عائشة بنت أبي بكررضي اللهعنها، وحفصة بنت عمر بن الخطابرضي اللهعنه، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وسودة بنت زمعةرضي اللهعنها، وزينب بنت جحشرضي اللهعنها، وميمونة بنت الحارثرضي اللهعنها، وجويرية بنت الحارثرضي اللهعنها، وصفية بنت حيي بن أخطب. وتزوّج عائشة بمكة وبنى بها بالمدينة، ولم يتزوج بكراً غيرها.[٩٤]
مرضه ووفاته
٢٥ | ١٩-١ابتُدئ رسول الله ﷺ بشكواه التي قبضه الله فيها في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتُدئ به أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل فاستغفر لأهله، ثم رجع، فلما أصبح ابتُدئ بوجعه من يومه ذلك. وقال لمولاه أبي مويهبة: إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخُيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فاخترت لقاء ربي والجنة.[١٤٥]
٢٥ | ١٩-٢وتتامّ به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى اشتد به وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن في أن يمرّض في بيت عائشةرضي اللهعنها، فأذنّ له. ولما اشتدّ به قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس.[١٤٦، ١٤٧]
٢٥ | ١٩-٣قالت عائشةرضي اللهعنها: رجع إليّ رسول الله ﷺ في ذلك اليوم حين دخل من المسجد فاضطجع في حجري، فدخل عليّ رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر، فنظر إليه نظراً عرفت أنه يريده، فأخذته فمضغته له حتى ليّنته ثم أعطيته إياه، فاستنّ به، ثم وضعه، ووجدته يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة، فقلت: خُيّرت فاخترت والذي بعثك بالحق، وقُبض رسول الله ﷺ، وكان ذلك حين اشتد الضحاء من ذلك اليوم.[١٤٨]
٢٥ | ١٩-٤فقام عمر بن الخطابرضي اللهعنه فقال: إن رسول الله ﷺ ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران. وأقبل أبو بكر حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشةرضي اللهعنها وهو مسجّى، فكشف عن وجهه ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً. ثم خرج فقال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات.[١٤٩]
٢٥ | ١٩-٦فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، فغسّله علي بن أبي طالبرضي اللهعنه والعباس والفضل وقثم ابنا العباس وأسامة بن زيدرضي اللهعنه وشقران مولاه، غسّلوه وعليه قميصه، وعلي يقول: بأبي أنت وأمي، ما أطيبك حياً وميتاً! ثم كُفّن في ثلاثة أثواب. واختلف المسلمون في دفنه، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قُبض نبي إلا دُفن حيث يُقبض، فرُفع فراشه الذي تُوفي عليه فحُفر له تحته، ثم دخل الناس يصلّون عليه أرسالاً، الرجال ثم النساء ثم الصبيان، ولم يؤمّ الناس عليه أحد، ثم دُفن من وسط الليل ليلة الأربعاء.[١٥١]
مصادر الترجمة
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 1
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 156
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 158
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 158-160
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 160-161
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 162-163
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 163-164
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 164-166
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 167
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 168
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 168-169
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 179-183
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 183
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 187-188
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 187
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 189-190
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 190-191
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 192
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 196-197
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 197
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 234
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 235-236
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 237
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 237-238
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 240-241
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 241
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 243
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 245-246
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 246-247
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 247-248
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 249-251
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 252
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 262-263
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 264-265
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 265-266
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 269
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 317-318
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 319-320
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 321-322
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 333-335
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 336-338
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 291-292
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 342
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 343-344
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 344-345
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 350-351
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 374-376
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 416
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 419-420
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 421-422
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 396-397
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 397-398
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 398-399
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 403
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 405
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 428-429
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 430-431
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 433-434
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 438
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 441
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 442-443
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 454
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 480
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 480-482
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 482-484
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 484-485
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 485-486
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 486-490
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 492-493
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 494-496
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 496
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 501
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 504-505
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 508-509
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 467
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 606-607
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 609
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 608-609
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 411-412
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 601
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 603
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 603-604
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 643-644
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 642
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 643
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 652
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 654-655
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 655-656
- السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 662-664