العودة إلى الفهرس

أثر

سِيَر الصحابة

ملخصات القصص

٣٩ سيرة في ٥٠٣ فقرة

في هذه النسخة قصة كل سيرة بترتيبها دون الآيات والأحاديث، وهي في النسخة الكاملة. لكل سيرة رقم، ولكل فقرة رقم بالصيغة «رقم السيرة | القسم-الفقرة». والأرقام بين معقوفين [١] تحيل إلى مصادر السيرة في آخرها، وفي آخر الكتاب قائمة الكتب التي نُقل منها.

الخلفاء الراشدون

١

أبو بكر الصدّيق

الصدّيق، العتيق

الكنية: أبو بكر · الوفاة: 13 هـ، المدينة المنورة

نسبه وصفته

١ | ٢-١اسمه عبد الله، ويقال: عتيق، ابن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي. قالت عائشة: اسمه الذي سمّاه به أهله عبد الله، ولكن غلب عليه عتيق. وقال ابن معين: لُقّب عتيقاً لأن وجهه كان جميلاً، وكان أعلم قريش بأنسابها.[٢]

١ | ٢-٢وقيل: كان أبيض نحيفاً، خفيف العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، يخضب شيبه بالحنّاء والكتم. وكان تاجراً اتّجر إلى بصرى غير مرة. وقالت عائشة: ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو بكر.[٣]

إسلامه ودعوته

١ | ٣-١كان أبو بكر أول من آمن من الرجال. فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان رجلاً مألفاً لقومه، محبّباً سهلاً، أنسب قريش لقريش وأعلمهم بها، تاجراً ذا خلق ومعروف، يأتيه رجال قومه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته وحسن مجالسته.[٢، ٤]

١ | ٣-٢فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا وصلّوا. وكان رسول الله ﷺ يقول فيما بلغ ابن إسحاق: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر، ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه.[٥]

في مكة: عتق المعذَّبين وجوار ابن الدغنة

١ | ٤-١كان أمية بن خلف يُخرج بلالاً إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ليكفر بمحمد، وهو يقول: أحد أحد. فمرّ به أبو بكر فاشتراه بغلام له أجلد منه وأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب.[٦]

١ | ٤-٢ولما ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى استأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فأذن له، فخرج مهاجراً، حتى إذا سار من مكة يوماً أو يومين لقيه ابن الدغنة، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فقال: أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي وآذوني وضيّقوا عليّ، قال: ولم؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري. فرجع معه، فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرضنّ له أحد إلا بخير، فكفّوا عنه.[٧]

١ | ٤-٣وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره يصلّي فيه، وكان رجلاً رقيقاً إذا قرأ القرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته. فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة وقالوا: إنا نتخوّف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء. فأتاه ابن الدغنة فقال له ذلك، فقال أبو بكر: أوَأردّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد عليّ جواري، قال: قد رددته عليك.[٨]

تصديقه بالإسراء

١ | ٥-١فلما أصبح رسول الله ﷺ من ليلة الإسراء أخبر قريشاً، فقال أكثر الناس: والله إن العير لتُطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة وشهراً مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة! وذهب الناس إلى أبي بكر فأخبروه، فقال: والله لئن كان قاله لقد صدق، فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدّقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه.[٩]

١ | ٥-٢ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يصف له بيت المقدس، فجعل يصفه، وأبو بكر يقول: صدقت، أشهد أنك رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: وأنت يا أبا بكر الصدّيق، فيومئذ سمّاه الصدّيق.[١٠]

الهجرة مع رسول الله ﷺ

١ | ٦-١وأقام أبو بكر بمكة بعد أصحابه من المهاجرين، وكان كثيراً ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فيقول له: لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحباً، فيطمع أبو بكر أن يكونه. قالت عائشة: فلما كان اليوم الذي أُذن له فيه في الهجرة أتانا بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة. قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.[١١، ١٢]

١ | ٦-٢ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا. فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور، جبل بأسفل مكة، فدخلاه وأقاما فيه ثلاثاً. وكان ابنه عبد الله يكون في قريش نهاره يسمع ما يأتمرون به ثم يأتيهما إذا أمسى بالخبر، وكان مولاه عامر بن فهيرة يرعى غنمه فإذا أمسى أراحها عليهما، وكانت ابنته أسماء تأتيهما بالطعام، فلما ارتحلا لم تجد للسفرة عصاماً، فحلّت نطاقها فجعلته عصاماً، فكان يقال لها ذات النطاق.[١٣]

١ | ٦-٥فلما قرّب أبو بكر الراحلتين قدّم لرسول الله ﷺ أفضلهما وقال: اركب فداك أبي وأمي، فقال: إني لا أركب بعيراً ليس لي، قال: فهي لك يا رسول الله، قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ فأخذها به. ثم قدما قباء، فخرج إليه الأنصار وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر، فلما زال الظل عنه قام أبو بكر فأظلّه بردائه فعرفوه عند ذلك.[١٦، ١٧]

منزلته عند رسول الله ﷺ

١ | ٧-١جلس رسول الله ﷺ على المنبر فقال: عبداً خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا. قال أبو سعيد: فعجبنا، فكان رسول الله ﷺ هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به. فقال النبي ﷺ: إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقينّ في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر. قال الذهبي: متفق على صحته.[١٨]

١ | ٧-٣وقال عمرو بن العاص: يا رسول الله، أي الرجال أحب إليك؟ قال: أبو بكر. وأتت امرأة رسول الله ﷺ فكلّمته في شيء، فأمرها بأمر فقالت: أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك؟ قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر. قال الذهبي: متفق على صحته.[٢٠، ٢١]

١ | ٧-٤وكان بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه مغضباً، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، وندم عمر فأقبل وقصّ عليه الخبر، فغضب رسول الله ﷺ، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم، فقال رسول الله ﷺ: هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. أخرجه البخاري.[٢٢]

١ | ٧-٦ولما مرض رسول الله ﷺ كان بلال يأتيه فيؤذنه بالصلاة فيقول: مروا أبا بكر بالصلاة. قال علي: فلما قُبض رسول الله ﷺ اخترنا لدنيانا من اختاره رسول الله ﷺ لديننا، وكانت الصلاة عظم الأمر وقوام الدين.[٢٤]

يوم الوفاة والسقيفة

١ | ٨-١توفي النبي ﷺ وأبو بكر بالسُّنح، فقام عمر فقال: والله ما مات رسول الله ﷺ. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبّله وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً. ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رسلك، فلما تكلّم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلا الآيتين، فنشج الناس يبكون.[٢٦]

١ | ٨-٤فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ. وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات.[٢٩]

١ | ٨-٥واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر. فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقوا حتى أتوهم في السقيفة، فقام خطيبهم فقال: نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا.[٢٩، ٣٠]

١ | ٨-٦قال عمر: فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد زوّرت في نفسي مقالة أعجبتني، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلّم وهو كان أعلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل حتى سكت. قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيد عمر وبيد أبي عبيدة بن الجراح.[٣١]

١ | ٨-٧قال عمر: فلم أكره شيئاً مما قاله غيرها، كان والله أن أُقدَّم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك إلى إثم أحب إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر. فقال قائل من الأنصار: منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوّفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار.[٣٢]

١ | ٨-٨فلما كان الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فقال: إن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله ﷺ، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.[٣٣]

١ | ٨-١٠وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أُخّرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي. وفي البخاري عن عائشة أن علياً بايعه بعد وفاة فاطمة، فقام في الناس فذكر أبا بكر وفضله وسابقته وأنه أهل لما ساق الله إليه من الخير، ثم قام إليه فبايعه.[٣٥]

أول خلافته

١ | ٩-١لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد، فقال عمر: ما هذا؟ قال: لي عيال، فقال: انطلق يفرض لك أبو عبيدة، فانطلقوا إلى أبي عبيدة فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين وكسوته. وقالت عائشة: لما استُخلف أبو بكر ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت المال، وقال: قد كنت أتّجر فيه وألتمس به، فلما وليتهم شغلوني.[٣٦]

١ | ٩-٢وكان رسول الله ﷺ يقول في مرضه: أنفذوا جيش أسامة، فسار أسامة حتى بلغ الجرف، فلم يبرح حتى قُبض رسول الله ﷺ. فلما فرغ الناس من البيعة قال أبو بكر لأسامة: امض لوجهك، فكلّمه رجال من المهاجرين والأنصار وقالوا: أمسك أسامة وبعثه، فإنا نخشى أن تميل علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول الله ﷺ.[٣٧]

١ | ٩-٣فقال: أنا أحبس جيشاً بعثهم رسول الله ﷺ! لقد اجترأت على أمر عظيم، والذي نفسي بيده لأن تميل عليّ العرب أحب إليّ من أن أحبس جيشاً بعثهم رسول الله ﷺ، امض يا أسامة في جيشك للوجه الذي أُمرت به، ولكن إن رأيت أن تأذن لعمر فأستشيره وأستعين به فافعل، ففعل أسامة. فمضى حتى أغار، ثم رجعوا وقد غنموا وسلموا، فكان مسيره ذاهباً وقافلاً أربعين يوماً. وقدم بنعي رسول الله ﷺ على هرقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبراً واحداً، فقالت الروم: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم وأغاروا على أرضنا؟[٣٧]

قتال أهل الردة

١ | ١٠-١لما اشتهرت وفاة النبي ﷺ بالنواحي ارتدّ طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فنهض أبو بكر لقتالهم، فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم، فقال: والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق.[٣٨]

١ | ١٠-٢فخرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتى بلغ ذا القصة، فكلّمه الناس وقالوا: ارجع إلى المدينة وإلى الذرية والنساء، وأمّر رجلاً على الجيش، فإنك تركت بها النفاق يغلي. فعقد لخالد بن الوليد على الناس، وأمّر على الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، وأمر خالداً أن يصمد لطليحة الأسدي، ورجع إلى المدينة.[٣٩]

١ | ١٠-٣ثم سار خالد إلى اليمامة إلى مسيلمة الكذاب وبني حنيفة، وهم يومئذ أكثر العرب عدداً وأشدّه شوكة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فجال المسلمون جولة، وقال ثابت بن قيس حين رأى المسلمين مدبرين: أفّ لكم ولما تعملون، وكرّ المسلمون فهزم الله العدو، حتى إذا كانوا عند حديقة الموت اقتتلوا عندها أشد القتال، وقُتل مسيلمة، قتله وحشي بحربة، واستُشهد خلق كثير.[٤٠]

جمع القرآن والفتوح

١ | ١١-١ولما استحرّ القتل بقرّاء القرآن يوم اليمامة أمر أبو بكر زيد بن ثابت بكتابة القرآن، فأخذ يتتبّعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى جمعه في صحف. وقال علي: أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين، قال الذهبي: إسناده حسن.[٤١، ٤٢]

١ | ١١-٣ولما قفل أبو بكر من الحج في أول سنة ثلاث عشرة بعث عمرو بن العاص قبل فلسطين، ويزيد بن أبي سفيان، وأبا عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، وكتب إلى خالد بن الوليد بالعراق فسار إلى الشام في البرية حتى كادوا يهلكون عطشاً. فصالح المسلمون أهل بصرى، فكانت أول ما فُتح من مدائن الشام، ثم التقوا بالروم بأجنادين بين الرملة وبيت جبرين، فانهزم المشركون في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وبُشّر بها أبو بكر وهو بآخر رمق.[٤٤]

مرضه واستخلافه عمر ووفاته

١ | ١٣-١قالت عائشة: أول ما بُدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل وكان يوماً بارداً، فحُمّ خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة، وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه.[٥٢]

١ | ١٣-٢ولما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر، فقال: هو والله أفضل من رأيك فيه. ثم دعا عثمان فسأله عن عمر، فقال: علمي فيه أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. وشاور معهما سعيد بن زيد وأسيد بن حضير وغيرهما، فقال قائل: ما تقول لربك إذا سألك عن استخلافك عمر وقد ترى غلظته؟ فقال: أجلسوني، أبالله تخوّفوني! أقول: استخلفت عليهم خير أهلك.[٥٢]

١ | ١٣-٤وقال لعائشة: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين شيء إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة، فإذا متّ فابعثي بهن إلى عمر، ففعلت، فقال عمر: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده.[٥٤]

١ | ١٣-٥وأوصى أن تغسّله امرأته أسماء بنت عميس، وأن يُدفن إلى جنب رسول الله ﷺ، فحُفر له وجُعل رأسه عند كتفي رسول الله ﷺ. ودخل عليه علي بعد ما سُجّي فقال: ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إليّ من هذا المسجّى. وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، ودُفن قبل أن يصبح، وكانت خلافته سنتين ومائة يوم، وله ثلاث وستون سنة. وفي تقريب التهذيب أنه مات في جمادى الأولى.[٥٢، ٥٥، ٥٦، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 313
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 7
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 7-8
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 249-250
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 250-252
  6. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 317-318
  7. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 372-373
  8. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 373-374
  9. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 398-399
  10. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 399
  11. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 480
  12. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 484-485
  13. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 485-486
  14. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 486-487
  15. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 492-493
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 10
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 8
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 11
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 12-13
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 26
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 20-21
  22. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 656
  23. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 658-659
  24. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 659
  25. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 659-660
  26. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 660-661
  27. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 27-28
  28. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 13-14
  29. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 32-33
  30. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 39
  31. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 39-40
  32. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 47
  33. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 63
  34. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 15
  35. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 63-65
  36. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 16
  37. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 19
  38. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 19-20
  39. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 65
٢

عمر بن الخطاب

الفاروق، أمير المؤمنين

الكنية: أبو حفص · الوفاة: 23 هـ، المدينة المنورة

نسبه وصفته

٢ | ٢-١عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، أمير المؤمنين، أبو حفص القرشي العدوي، الفاروق. وأمه حنتمة بنت هشام المخزومية أخت أبي جهل. أسلم في السنة السادسة من النبوة وله سبع وعشرون سنة.[٢]

٢ | ٢-٢قال ابنه عبد الله: كان أبي أبيض تعلوه حمرة، طُوالاً، أصلع، أشيب. وقال أبو رجاء العطاردي: كان طويلاً جسيماً، شديد الصلع، شديد الحمرة، في عارضيه خفّة، وسبلته كبيرة في أطرافها صهبة، إذا حزبه أمر فتلها. وكان يُسرع في مشيته، ويأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى ويثب على فرسه فكأنما خُلق على ظهره.[٣]

إسلامه

٢ | ٣-١كان سبب إسلامه فيما بلغ ابن إسحاق أن أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما وهما مستخفيان منه، وكان خبّاب بن الأرت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن. فخرج عمر يوماً متوشّحاً سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطاً من أصحابه قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمداً هذا الصابئ فأقتله، فقال له نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ ختنك سعيد بن زيد وأختك فاطمة قد أسلما.[٤]

٢ | ٣-٢فرجع إليهما وعندهما خبّاب معه صحيفة فيها سورة طه يقرئهما إياها، فبطش بختنه، وقامت إليه أخته لتكفّه فضربها فشجّها، فقالا له: نعم قد أسلمنا وآمنّا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، وطلب الصحيفة، فاغتسل فأعطته إياها، فقرأ منها صدراً فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فخرج إليه خبّاب فقال: يا عمر، إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب.[٥]

٢ | ٣-٥فقال: دلّني يا خبّاب على محمد حتى آتيه فأسلم، فدلّه على البيت عند الصفا، فأخذ سيفه فتوشّحه ثم ضرب عليهم الباب. فنظر رجل من خلل الباب فرآه متوشّحاً السيف، فرجع فزعاً، فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن كان يريد شراً قتلناه بسيفه. فأذن له، ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت أن عمر قد أسلم.[٧]

٢ | ٣-٦فتفرّق أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ. وكان عبد الله بن مسعود يقول: إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلّي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلّى عند الكعبة وصلّينا معه.[٨، ٩]

هجرته

٢ | ٤-١قال عمر: اتّعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص التناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أيّنا لم يصبح عندها فقد حُبس فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعيّاش عندها، وحُبس عنا هشام وفُتن فافتتن. فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء.[١٠]

٢ | ٤-٢وخرج أبو جهل والحارث بن هشام إلى عيّاش، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، فقالا: إن أمك قد نذرت ألا يمسّ رأسها مشط ولا تستظلّ من شمس حتى تراك، فرقّ لها. قال عمر: فقلت له: يا عيّاش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، ولك نصف مالي ولا تذهب معهما، فأبى إلا أن يخرج، فقلت: أما إذ قد فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها. فخرج عليها معهما، فلما كانوا ببعض الطريق احتالا عليه حتى نزل، فأوثقاه وربطاه ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن.[١١]

٢ | ٤-٣قال عمر: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.[١٢]

منزلته عند رسول الله ﷺ

٢ | ٥-١روي عن ابن عمر وغيره من وجوه جيدة أن النبي ﷺ قال: اللهم أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب. وقال عكرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر. وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر.[١٤]

٢ | ٥-٢وقال سعد بن أبي وقاص: قال رسول الله ﷺ لعمر: إيهاً يا ابن الخطاب، فوالذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً إلا سلك فجّاً غير فجّك. وقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ: قد كان في الأمم محدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب، رواه مسلم.[١٥]

٢ | ٥-٤وقال أنس: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي قوله: عسى ربه إن طلقكن. وقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا أنا نائم أُتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى إني لأرى الريّ يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر، قالوا: فما أوّلت ذلك؟ قال: العلم.[١٧]

خلافته

٢ | ٦-١دخل ناس على أبي بكر في مرضه فقالوا: يسعك أن تولّي علينا عمر وأنت ذاهب إلى ربك، فماذا تقول له؟ قال: أقول: ولّيت عليهم خيرهم. وكان أول من حيّا عمر بأمير المؤمنين المغيرة بن شعبة. ولما ولي قيل له: يزعمون أنك فظّ غليظ، فقال: الحمد لله الذي ملأ قلبي لهم رحماً، وملأ قلوبهم لي رعباً.[١٨]

٢ | ٦-٢وقال الأحنف بن قيس: سمعت عمر يقول: لا يحلّ لعمر من مال الله إلا حلّتين: حلّة للشتاء وحلّة للصيف، وما حجّ به واعتمر، وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم، ثم أنا رجل من المسلمين. وحجّ بالناس إمارته كلها.[١٩]

٢ | ٦-٣وكان إذا استعمل عاملاً كتب له واشترط عليه ألا يركب برذوناً، ولا يأكل نقيّاً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلّت عليه العقوبة. وقال ابن مسعود: إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله. وقال حذيفة: والله ما أعرف رجلاً لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر.[٢٠، ٢١]

٢ | ٦-٤وكان يلبس وهو خليفة جبّة من صوف مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرّة يؤدّب الناس بها. وقال أنس: رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه. وحجّ معه عبد الله بن عامر بن ربيعة فما ضرب فسطاطاً ولا خباء، كان يلقي الكساء والنطع على الشجرة ويستظل تحته. وكلّمه أهله في أن يأكل طعاماً طيباً يقوى به على الحق، فقال: قد علمت نصحكم، ولكني تركت صاحبيّ على جادّة، فإن تركت جادّتهما لم أدركهما في المنزل.[٢٢]

٢ | ٦-٥وأُتي بكنوز كسرى فوضعها في وسط المسجد وباتوا يحرسونها، فلما أصبح كشف عنها فرأى من الحمراء والبيضاء ما يكاد يتلألأ، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا ليوم شكر ويوم سرور، فقال: ويحك، إن هذا لم يُعطه قوم إلا أُلقيت بينهم العداوة والبغضاء. ودوّن الديوان، ففرض للمهاجرين الأولين خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف، ولأمهات المؤمنين اثني عشر ألفاً.[٢٣]

٢ | ٦-٦ولما كان عام الرمادة جاءت العرب من كل ناحية فقدموا المدينة، فأمر عمر رجالاً يقومون بمصالحهم، وأحصوا من يتعشّى عنده فكانوا سبعة آلاف رجل، وأحصوا المرضى والعيال فكانوا أربعين ألفاً، حتى أرسل الله السماء، فلما مُطروا وكّل بهم من يخرجونهم إلى البادية ويعطونهم قوتاً وحملاناً. وقال أنس: كان عمر قد حرّم على نفسه السمن عام الرمادة، فتقرقر بطنه من أكل الزيت، فنقر بطنه بإصبعه وقال: إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس.[٢٤]

الفتوح في عهده

٢ | ٧-١قال الزهري: فتح الله الشام كله على عمر، والجزيرة ومصر والعراق كله، ودوّن الدواوين قبل أن يموت بعام، وقسم على الناس فيئهم. وقال الليث بن سعد: استُخلف عمر فكان فتح دمشق، ثم كان اليرموك سنة خمس عشرة، ثم الجابية سنة ست عشرة، ثم إيلياء سنة سبع عشرة، ثم الرمادة وطاعون عمواس سنة ثماني عشرة، ثم فُتحت مصر سنة عشرين، ونهاوند سنة إحدى وعشرين، والإسكندرية سنة اثنتين وعشرين، ثم قُتل عمر مصدر الحاج في آخر سنة ثلاث وعشرين.[١٩، ٢٥]

أزواجه وأولاده

٢ | ٨-١تزوّج زينب بنت مظعون فولدت له عبد الله وحفصة وعبد الرحمن، وتزوّج جميلة بنت عاصم بن ثابت فولدت له عاصماً، وتزوّج أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء فولدت له زيداً ورقية، وتزوّج أم حكيم بنت الحارث بن هشام فولدت له فاطمة، وتزوّج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل.[٢٦]

استشهاده

٢ | ١٠-١لما نفر عمر من منى أناخ بالأبطح، ثم كوّم كومة من بطحاء واستلقى، ورفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم كبرت سنّي، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرّط، فما انسلخ ذو الحجة حتى طُعن فمات. وكان يقول: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك، أخرجه البخاري.[٣٧]

٢ | ١٠-٢وكان أبو لؤلؤة غلاماً للمغيرة بن شعبة، حدّاداً نقّاشاً نجّاراً، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، فقال: ما خراجك بكثير، فانصرف ساخطاً، ثم قال لعمر: لأصنعنّ لك رحى يتحدّث الناس بها، فقال عمر لأصحابه: أوعدني العبد آنفاً. ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس.[٣٨]

٢ | ١٠-٣وكان عمر يقول قبل أن يكبّر: أقيموا صفوفكم، فجاء أبو لؤلؤة فقام حذاءه في الصف فضربه في كتفه وفي خاصرته، فسقط عمر، وطعن معه ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ستة، وحُمل عمر إلى أهله، فصلّى عبد الرحمن بن عوف بالناس بأقصر سورتين. وسقوه لبناً فخرج من جرحه، فجعل الناس يثنون عليه، فقال: أما والله وددت أني خرجت منها كفافاً لا عليّ ولا لي، وأن صحبة رسول الله ﷺ سلمت لي.[٣٩]

٢ | ١٠-٤وقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدّعي الإسلام. ثم قال لابنه: يا عبد الله، انظر ما عليّ من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فاسأل في بني عدي، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش. اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يُدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنّه اليوم على نفسي، فلما أخبره حمد الله.[٤٠]

٢ | ١٠-٥وقيل له: أوص يا أمير المؤمنين واستخلف، فقال: ما أرى أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمّى عثمان وعلياً وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعداً، وقال: يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء، وأمر صهيباً أن يصلّي بالناس، وأجّل الستة ثلاثاً. ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً.[٤١]

٢ | ١٠-٦وقال ابن عمر: كان رأس عمر في حجري فقال: ضع خدّي على الأرض، فوضعته، فقال: ويل لي وويل أمي إن لم يرحمني ربي. فلما توفي خرجوا به، فسلّم عبد الله بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه، فأُدخل فوُضع هناك مع صاحبيه. وصلّى عليه صهيب، وجاء علي فقام بين الصفوف فقال: رحمة الله عليك، ما من خلق أحب إليّ من أن ألقى الله بصحيفته بعد صحيفة النبي ﷺ من هذا المسجّى.[٤٢، ٤٣]

٢ | ١٠-٧أُصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودُفن يوم الأحد مستهلّ المحرم. ثم اجتمع الستة بعد دفنه، فجعل الزبير أمره إلى علي، وسعد أمره إلى عبد الرحمن، وطلحة أمره إلى عثمان، فقال عبد الرحمن: أنا لا أريدها، وأخذ ميثاق علي وعثمان، ثم بايع عثمان وبايعه علي.[٢، ٤٤، ٤٢]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 71
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 71-72
  3. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 343-344
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 344-345
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 345-346
  6. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 346
  7. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 342
  8. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 474
  9. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 474-475
  10. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 475
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 72
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 74-75
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 76-77
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 79-80
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 80
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 80-81
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 84
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 81-82
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 85-86
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 86-87
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 88
  22. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 87-88
  23. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 88-89
  24. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 89-90
  25. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 90
  26. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 91
  27. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 91-92
  28. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 92
  29. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 94-95
  30. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 95
٣

عثمان بن عفان

ذو النورين، أمير المؤمنين

الكنية: أبو عمرو، أبو عبد الله · الوفاة: 35 هـ، المدينة المنورة

نسبه وصفته

٣ | ٢-١عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أمير المؤمنين، أبو عمرو وأبو عبد الله، القرشي الأموي. وأمه أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم. عرض القرآن على النبي ﷺ.[٢]

٣ | ٢-٢وكان فيما بلغ الذهبي لا بالطويل ولا بالقصير، حسن الوجه، كبير اللحية، أسمر اللون، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، يخضب بالصفرة. وقال عبد الله بن حزم: رأيت عثمان فما رأيت ذكراً ولا أنثى أحسن وجهاً منه.[٣]

إسلامه وزواجه ببنتي رسول الله ﷺ

٣ | ٣-١كان أحد السابقين الأولين، أسلم بدعاء أبي بكر الصديق، فجاء به إلى رسول الله ﷺ فأسلم وصلّى. وكان يقول: إني لرابع أربعة في الإسلام، وما وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول الله ﷺ، ولا مرّت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة، إلا ألا يكون عندي فأعتقها بعد ذلك، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط.[٤، ٢، ٥]

٣ | ٣-٢وتزوّج رقية بنت رسول الله ﷺ، فولدت له عبد الله وبه كان يُكنى. ولما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء أذن لهم في الخروج إلى أرض الحبشة، فكان أول من خرج عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية، وكان يقال له صاحب الهجرتين.[٢، ٦]

٣ | ٣-٣وخلّفه النبي ﷺ في غزوة بدر ليداوي رقية في مرضها، فتوفيت بعد بدر بليال، وضرب له النبي ﷺ بسهمه من بدر وأجره، ثم زوّجه البنت الأخرى أم كلثوم. وقال الحسن: إنما سُمّي عثمان ذا النورين لأنا لا نعلم أحداً أغلق بابه على ابنتي نبي غيره.[٧]

مواقفه في حياة رسول الله ﷺ

٣ | ٤-١لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة يبيع منها القربة بمدّ، فقال رسول الله ﷺ: تبيعها بعين في الجنة؟ فقال: ليس لي يا رسول الله عين غيرها، فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي مثل الذي جعلت له عيناً في الجنة إن اشتريتها؟ قال: نعم، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين.[٩]

٣ | ٤-٢وفي الحديبية دعا رسول الله ﷺ عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي، ولكني أدلّك على رجل أعزّ بها مني، عثمان بن عفان. فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظّماً لحرمته. فأجاره أبان بن سعيد حتى بلّغ رسالة رسول الله ﷺ، فقالوا له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ. واحتبسته قريش عندها، فبلغ المسلمين أنه قد قُتل، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة.[١٠]

٣ | ٤-٣ولما تجهّز رسول الله ﷺ لغزوة تبوك حمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. قال ابن هشام: حدّثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة ألف دينار، فقال رسول الله ﷺ: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض. وعن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء بها في ثوبه فصبّها في حجر النبي ﷺ، فجعل يقلّبها بيده ويقول: ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم.[١١، ١٢]

٣ | ٤-٤وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر ثم عمر وهو على تلك الحال فتحدّثا، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوّى ثيابه، فلما خرج قلت له في ذلك، فقال: ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟ رواه مسلم.[١٣]

بيعته بالخلافة

٣ | ٥-١دُفن عمر في أول المحرم، ثم جلس أهل الشورى، فقال عبد الرحمن بن عوف: لست بالذي أنافسكم هذا الأمر، ولكن إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إليه. فمال الناس على عبد الرحمن يشاورونه ويناجونه تلك الليالي، لا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحداً. وقال المسور بن مخرمة: جاءني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فقال: ما ذاقت عيناي كثير نوم منذ ثلاث ليال.[١٥]

٣ | ٥-٢فلما أصبح صلّى صهيب بالناس، ثم صعد عبد الرحمن المنبر فقال: أيها الناس، إني قد سألتكم سرّاً وجهراً على أمانتكم فلم أجدكم تعدلون عن أحد هذين الرجلين: إما علي وإما عثمان. ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة رسوله وسنة الخليفتين بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه المهاجرون والأنصار، فازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر. وقال ابن مسعود حين استُخلف عثمان: أمّرنا خير من بقي ولم نأل.[١٦، ١٧]

جمع الناس على مصحف واحد

٣ | ٦-١قدم حذيفة على عثمان، وكان يغزو مع أهل العراق قبل أرمينية، فاجتمع في ذلك الغزو أهل الشام وأهل العراق فتنازعوا في القرآن، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى في الكتب. ففزع لذلك عثمان، فأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن أرسلي بالصحف التي جُمع فيها القرآن، فأمر زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن إنما نزل بلسانهم.[١٨]

٣ | ٦-٢ففعلوا حتى كُتبت المصاحف، فردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف. وقال علي في المصاحف: لو لم يصنعه عثمان لصنعته. وقال الحسن: عمل عثمان اثنتي عشرة سنة ما ينكرون من إمارته شيئاً، وقال الزهري: عمل ست سنين لا ينقم عليه الناس شيئاً، وإنه لأحب إليهم من عمر، لأن عمر كان شديداً عليهم، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم.[١٩، ٢٠]

الفتوح في عهده

٣ | ٧-١وفي خلافته افتتح عبد الله بن عامر أرض فارس سنة ثلاثين، وهرب يزدجرد بن كسرى، ثم توجّه إلى خراسان فافتتح نيسابور ومرو وبلخ وما حولها، وغزا معاوية أرض الروم، وكانت غزوة قبرس وغزوة إفريقية سنة ثلاث وثلاثين، وغزوة ذات الصواري في البحر من ناحية الإسكندرية سنة أربع وثلاثين. ولما فتح ابن عامر هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان وأتاه المال من كل وجه حتى اتخذ له الخزائن وأدرّ الأرزاق.[٢٢، ٢٣]

الحصار ومقتله

٣ | ٨-١وكان رسول الله ﷺ قد أسرّ إلى عثمان، فلما كان يوم الدار وحُصر فيها قيل له: يا أمير المؤمنين، ألا تقاتل؟ قال: إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهداً، وإني صابر نفسي عليه. وسُئلت عائشة: هل عهد رسول الله ﷺ إلى أحد من أصحابه عند موته؟ قالت: معاذ الله، إلا أنه سارّ عثمان أخبره أنه مقتول، وأمره أن يكفّ يده.[٢٤]

٣ | ٨-٢خرج أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة في شوال سنة خمس وثلاثين كالحجاج حتى نزلوا بقرب المدينة، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف ويستعفون من بعض عمّالهم، فأتى المصريون علياً فصاح بهم وطردهم، وفعل طلحة والزبير نحو ذلك، فأظهروا أنهم راجعون إلى بلادهم. ثم كرّوا فدخلوا المدينة وأحاطوا بعثمان، وقالوا: وجدنا مع بريد كتاباً بقتلنا، فأنكر عثمان أن يكون كتبه، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما كتب ولا علم، فحصروه في داره.[٢٥]

٣ | ٨-٣فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم الله، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء عذب غير بئر رومة فاشتريتها، وأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها؟ أتعلمون أن المسجد ضاق بأهله فاشتريت بقعة فزدتها في المسجد، وأنتم تمنعوني اليوم أن أصلّي فيها؟ أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة فتحرّك وعليه أبو بكر وعمر وأنا، فقال: اسكن فليس عليك إلا نبي وصدّيق وشهيدان؟ قالا: اللهم نعم، فقال: الله أكبر، شهدا وربّ الكعبة أني شهيد.[٢٦]

٣ | ٨-٤وعرض عليه بعض أصحابه أن يخرج فيقاتلهم، أو يلحق بمكة أو بالشام، فقال: إني لن أفارق دار هجرتي، ولن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء. وكان في الدار معه الحسن بن علي وابن عمر وابن الزبير وغيرهم، فعزم عليهم ألا يقاتلوا، وجاءه زيد بن ثابت في ثلاثمائة من الأنصار فقال: أما القتال فلا. وقال له ابن الزبير: قاتلهم، فقال: لا أقاتلهم أبداً.[٢٧]

٣ | ٨-٥وقال ابن عمر: أصبح عثمان يحدّث الناس قال: رأيت رسول الله ﷺ الليلة في المنام فقال: أفطر عندنا غداً، فأصبح صائماً، وقُتل من يومه. فدخلوا عليه وهو صائم والمصحف بين يديه، فضربوه فجرى الدم على المصحف على قوله تعالى: فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم. وأمسكت امرأته نائلة بنت الفرافصة السيف لتمنع عنه، فحزّ السيف أصابعها.[٢٨، ٢٩]

٣ | ٨-٧قُتل لثماني عشرة خلت من ذي الحجة يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين، ودُفن بالبقيع بين العشاءين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، قال الذهبي: وهو الصحيح. وكانت ولايته اثنتي عشرة سنة غير اثني عشر يوماً. وقال أبو حميد الساعدي، وكان بدرياً، لما قُتل عثمان: اللهم إن لك عليّ ألا أضحك حتى ألقاك.[٣١، ٣٢]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 149
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 150
  3. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 250-251
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 151
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 321-322
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 149-151
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 152-153
  8. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 315
  9. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 518
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 152
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 153
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 164
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 164-166
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 156
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 157
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 157-158
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 185
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 177-179
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 182-183
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 159
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 191-195
  22. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 197
  23. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 203-204
  24. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 203
  25. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 205-206
  26. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 161-162
  27. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 183
٤

علي بن أبي طالب

أمير المؤمنين

الكنية: أبو الحسن، أبو تراب · الوفاة: 40 هـ، الكوفة

نسبه وصفته

٤ | ٢-١علي بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أمير المؤمنين، أبو الحسن القرشي الهاشمي. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي بنت عم أبي طالب، كانت من المهاجرات وتوفيت في حياة النبي ﷺ بالمدينة. وكان من السابقين الأولين، شهد بدراً وما بعدها، وعرض القرآن على النبي ﷺ وأقرأه.[٢]

٤ | ٢-٢وكان يُكنى أبا تراب، وما كان له اسم أحب إليه منه؛ جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجده، فوجده راقداً في المسجد قد سقط رداؤه عن شقّه فأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عنه التراب ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب. أخرجه مسلم.[٣]

٤ | ٢-٣وقال أبو رجاء العطاردي: رأيت علياً شيخاً أصلع، كثير الشعر، ربعة، عظيم البطن، عظيم اللحية. وقال الشعبي: رأيت علياً أبيض اللحية، ما رأيت أعظم لحية منه.[٤]

إسلامه في حجر رسول الله ﷺ

٤ | ٣-١أصابت قريشاً أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فأخذ رسول الله ﷺ علياً فضمّه إليه، فلم يزل معه حتى بعثه الله نبياً فاتّبعه، فكان أول ذكر من الناس آمن برسول الله ﷺ وصلّى معه، وهو يومئذ ابن عشر سنين. وثبت عن ابن عباس قال: أول من أسلم علي.[٥، ٦]

٤ | ٣-٢وكان رسول الله ﷺ إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي مستخفياً من أبيه ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصلّيان فيها. ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصلّيان، فقال: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم. فقال أبو طالب: إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت. وزعموا أنه سأل علياً عن دينه فقال: يا أبت، آمنت بالله وبرسول الله وصدّقته بما جاء به، وصلّيت معه لله واتبعته، فقال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.[٧]

ليلة الهجرة

٤ | ٤-١لما اجتمعت قريش على باب رسول الله ﷺ يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. وخرج رسول الله ﷺ عليهم وقد أخذ الله على أبصارهم عنه.[٨]

٤ | ٤-٢وأمر رسول الله ﷺ علياً أن يتخلّف بعده بمكة حتى يؤدّي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، فإنه ليس بمكة أحد عنده شيء يُخشى عليه إلا وضعه عنده لما يُعلم من صدقه وأمانته. فأقام علي بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدّى الودائع، ثم لحق برسول الله ﷺ فنزل معه على كلثوم بن هدم.[٩، ١٠]

مشاهده مع رسول الله ﷺ

٤ | ٥-١كان علي صاحب لواء رسول الله ﷺ يوم بدر وفي كل مشهد. وقال رسول الله ﷺ يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، قال عمر: فما أحببت الإمارة قبل يومئذ، فدعا علياً فدفعها إليه. وكان علي أرمد العين يومئذ فتفل رسول الله ﷺ في عينه، فقال علي: ما رمدت ولا صُدعت منذ مسح رسول الله ﷺ وجهي وتفل في عيني.[١١]

٤ | ٥-٣وخلّفه رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فقال: يا رسول الله، أتخلّفني مع النساء والصبيان؟ قال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. ولما نزلت آية المباهلة دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي.[١٣]

٤ | ٥-٦وبعثه النبي ﷺ إلى اليمن قاضياً وهو حديث السن، فقال: يا رسول الله، ليس لي علم بالقضاء، فضرب صدره وقال: اذهب فإن الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، قال علي: فما شككت في قضاء بين اثنين بعد. وعن علي قال: إنه لعهد النبي ﷺ إليّ أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق، أخرجه مسلم.[١٦، ١٧]

زواجه بفاطمة وعيشه

٤ | ٦-١وكانت عنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وكان يقول لأمه فاطمة بنت أسد: اكفي فاطمة بنت رسول الله ﷺ سقاية الماء والذهاب في الحاجة، وتكفيك هي الطحن والعجن. وقال علي: ما كان لنا إلا إهاب كبش ننام على ناحية، وتعجن فاطمة على ناحية. وقال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع.[١٨، ١٩، ٢٠]

بعد رسول الله ﷺ

٤ | ٧-١ولما قُبض رسول الله ﷺ كان علي ممن ولوا غسله، أسنده إلى صدره وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، وهو يقول: بأبي أنت وأمي، ما أطيبك حياً وميتاً! ثم بايع أبا بكر، وقال علي على المنبر: إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في الإمارة شيئاً، ولكن رأي رأيناه، فاستُخلف أبو بكر فقام واستقام، ثم استُخلف عمر فقام واستقام، ثم ضرب الدين بجرانه.[٢١، ٢٢، ٢٣]

٤ | ٧-٢وكان من أعلم الصحابة بالقضاء، قال عمر: علي أقضانا، وأُبيّ أقرؤنا، وكان يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن. وقال ابن مسعود: كنا نتحدّث أن أقضى أهل المدينة علي. وقال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت، وإن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً ناطقاً.[٢٤]

خلافته وما كان فيها

٤ | ٨-١لما قُتل عثمان صبراً سقط في أيدي أصحاب النبي ﷺ وبايعوا علياً. ثم إن طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ومن تبعهم رأوا أنه لا يخلّصهم مما وقعوا فيه من توانيهم في نصرة عثمان إلا أن يقوموا في الطلب بدمه، فساروا إلى البصرة، وسار علي من المدينة حتى أتى البصرة، فكانت وقعة الجمل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين.[٢٥]

٤ | ٨-٢وأما أهل الشام فبايعوا معاوية على الطلب بدم عثمان، وأرسل إليه علي جرير بن عبد الله البجلي يدعوه إلى البيعة فأبى، وطلب أن يدفع إليه قتلة عثمان. ثم سار كل منهما يريد الآخر، فالتقوا بصفين، وشبّت الحرب بينهم في أول صفر سنة سبع وثلاثين فاقتتلوا أياماً، ثم حكّم معاوية عمرو بن العاص، وحكّم علي أبا موسى الأشعري، وتواعدا أن يجتمعا في رمضان، فالتقيا بدومة الجندل.[٢٦، ٢٧]

٤ | ٨-٣ثم ثارت الخوارج على علي وأنكروا عليه التحكيم، وقالوا: حكّمت في دين الله الرجال، فأرسل إليهم عبد الله بن عباس فبيّن لهم فساد شبههم واحتجّ عليهم بقوله تعالى: يحكم به ذوا عدل منكم، فرجع منهم خلق. وسار الآخرون فقتلوا عبد الله بن خبّاب بن الأرت وامرأته، فسار إليهم علي فكانت وقعة النهروان، فهزمهم وقتل أكثرهم.[٢٨]

٤ | ٨-٤وكان علي يكنس بيت المال ثم يصلّي فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين، وخطب فقال: أيها الناس، والله الذي لا إله إلا هو ما رزأت من مالكم قليلاً ولا كثيراً إلا هذه القارورة، أهداها إليّ دهقان. واشترى قميصاً بأربعة دراهم فلبسه وقطع ما فضل عن أصابعه من الكم. وقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب.[٢٩]

ما نزل فيه أو شهد نزوله

٤ | ٩-٣أخرج الترمذي بسند قوي عن سعد بن أبي وقاص قال: لما أُنزلت آية المباهلة دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللهم هؤلاء أهلي».[٣٢]

استشهاده

٤ | ١٠-١وكان علي يقول: لتُخضبنّ هذه من هذه، يعني لحيته من رأسه، فما يحبس أشقاها. وقيل له: استخلف علينا، فقال: لا، ولكني أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، إن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم.[٣٣]

٤ | ١٠-٢وكانت ليلة الجمعة صبيحة بدر، لسبع عشرة من رمضان، فخرج علي إلى صلاة الصبح، وكان يخرج إلى الصلاة وفي يده درّة يوقظ الناس بها، ينادي: أيها الناس، الصلاة الصلاة، فاعترضه عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة، فضربه ابن ملجم على دماغه، ووقع سيف شبيب في الطاق، وكان سيف ابن ملجم مسموماً، فقال علي: لا يفوتنّكم الرجل، فأُخذ ابن ملجم وهرب شبيب.[٣٤]

٤ | ١٠-٣فقال علي: أطعموه واسقوه، فإن بقيت قتلت أو عفوت، وإن متّ فاقتلوه قتلتي، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. ومكث يوم الجمعة والسبت، وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين، فصلّى عليه ابنه الحسن، ودُفن بالكوفة عند قصر الإمارة، وعُمّي قبره لئلا تنبشه الخوارج.[٣٥، ٣٦]

٤ | ١٠-٤وخطب الحسن بن علي فقال: لقد فارقكم بالأمس رجل ما سبقه إلا الأولون بعلم، ولا يدركه الآخرون، كان رسول الله ﷺ يعطيه الراية فلا ينصرف حتى يُفتح له، ما ترك بيضاء ولا صفراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه.[٣٧]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 225-226
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 226
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 226-227
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 245-246
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 227
  6. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 246-247
  7. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 482-483
  8. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 485
  9. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 493
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 228-229
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 229-230
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 238
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 235-236
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 225
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 230
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 237-238
  17. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 662
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 28
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 240
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 238-239
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 252-254
  22. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 260-261
  23. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 269-270
  24. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 279-281
  25. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 244-245
  26. الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ج 4، ص 468
  27. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 246-247
  28. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 248-249
  29. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 248-250
  30. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 284
  31. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، جزء سير الخلفاء الراشدين، ص 251

العشرة المبشرون بالجنة

٥

طلحة بن عبيد الله

طلحة الخير، طلحة الفياض

الكنية: أبو محمد · الوفاة: 36 هـ، البصرة

نسبه وصفته

٥ | ٢-١طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي المكي، أبو محمد، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. قال ابنه موسى: كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة، مربوعاً، إلى القصر هو أقرب، رحب الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم القدمين، إذا التفت التفت جميعاً.[٢]

إسلامه وهجرته

٥ | ٣-١أسلم بدعاء أبي بكر الصديق مع عثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا وصلّوا. قال الذهبي: كان ممن سبق إلى الإسلام، وأوذي في الله، ثم هاجر، فاتّفق أنه غاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام، وتألّم لغيبته، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره.[٣، ٤]

يوم أحد

٥ | ٤-١لما كان يوم أحد وولّى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية في اثني عشر رجلاً منهم طلحة، فأدركهم المشركون، فقال النبي ﷺ: من للقوم؟ قال طلحة: أنا، قال: كما أنت، فقال رجل: أنا، قال: أنت، فقاتل حتى قُتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، فقال: من للقوم؟ قال طلحة: أنا، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قُطعت أصابعه، ثم ردّ الله المشركين. قال الذهبي: رواته ثقات.[٥]

٥ | ٤-٢وقالت ابنتاه: جُرح أبونا يوم أحد أربعاً وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شجّة مربّعة، وشلّت أصبعه، ورسول الله ﷺ مكسورة رباعيته مشجوج في وجهه قد علاه الغشي، وطلحة محتمله يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب.[٦]

٥ | ٤-٣ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد ظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها، فقال رسول الله ﷺ: أوجب طلحة. وذُكر أن النبي ﷺ قال: من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله.[٧، ٨]

جوده

٥ | ٥-١ابتاع طلحة بئراً بناحية الجبل، ونحر جزوراً فأطعم الناس، فقال رسول الله ﷺ: أنت طلحة الفياض. وقال قبيصة بن جابر: صحبت طلحة فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه. وكان لا يدع أحداً من بني تيم عائلاً إلا كفاه وقضى دينه، وكان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلّته كل سنة بعشرة آلاف.[١٠، ١١]

٥ | ٥-٢وأتاه مال من حضرموت سبعمائة ألف، فبات ليلته يتململ، فقالت له زوجته أم كلثوم بنت الصديق: ما لك؟ قال: تفكّرت منذ الليلة، فقلت: ما ظنّ رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته؟ قالت: فإذا أصبحت فادع بجفان وقصاع فقسّمه، فلما أصبح دعا بجفان فقسّمها بين المهاجرين والأنصار.[١٢]

يوم الجمل ومقتله

٥ | ٦-١كان طلحة أول من بايع علياً، ثم خرج هو والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان. قال علقمة بن وقاص: رأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها، وهو ضارب بلحيته على زوره، فقلت: يا أبا محمد، إن كنت تكره هذا الأمر فدعه، فقال: يا علقمة، لا تلمني، كنا أمس يداً واحدة على من سوانا، فأصبحنا اليوم جبلين من حديد يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي وطلب دمه.[١٣]

٥ | ٦-٢فلما التقى القوم يوم الجمل قام كعب بن سور معه المصحف فنشره بين الفريقين، وناشدهم الله والإسلام في دمائهم، فما زال حتى قُتل، وكان طلحة من أول قتيل؛ رماه مروان بن الحكم بسهم فوقع في ركبته، فما زال ينسح حتى مات. قال الذهبي: قاتل طلحة في الوزر بمنزلة قاتل علي.[١٤]

٥ | ٦-٣ورأى علي طلحة في واد ملقى، فنزل فمسح التراب عن وجهه وقال: عزيز عليّ أبا محمد بأن أراك مجدّلاً في الأودية تحت نجوم السماء. ودخل عليه بعد الجمل عمران بن طلحة فرحّب به وأدناه وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك ممن قال فيهم: ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين.[١٥، ١٦]

٥ | ٦-٥وكان قتله في سنة ست وثلاثين في جمادى الآخرة، وقيل في رجب، وهو ابن ثنتين وستين سنة أو نحوها، وقبره بظاهر البصرة.[١٨]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 23-25
  2. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 250-251
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 25
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 27
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 32
  6. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 86
  7. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 80
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 30
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 33
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 30-31
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 34-35
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 35-36
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 36
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 38-39
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 40
٦

الزبير بن العوام

حواريّ رسول الله ﷺ

الكنية: أبو عبد الله · الوفاة: 36 هـ، وادي السباع قرب البصرة

نسبه وصفته

٦ | ٢-١الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، حواري رسول الله ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، أبو عبد الله. وكان رجلاً طويلاً إذا ركب خطّت رجلاه الأرض، خفيف اللحية والعارضين. وكانت أمه صفية تضربه ضرباً شديداً وهو يتيم، فقيل لها: أهلكته، فقالت: إنما أضربه لكي يدبّ ويجرّ الجيش ذا الجلب.[٢، ٣]

إسلامه وأول سيف سُلّ في سبيل الله

٦ | ٣-١أسلم على يد أبي بكر مع عثمان وطلحة وعبد الرحمن وسعد، أسلم وهو حدث. وكان عمه يعلّقه ويدخّن عليه وهو يقول: لا أرجع إلى الكفر أبداً. وهاجر إلى الحبشة فيما نقله موسى بن عقبة وابن إسحاق، ولم يطل الإقامة بها.[٤، ٥، ٦]

٦ | ٣-٢وقال عروة: نفحت نفحة من الشيطان أن رسول الله ﷺ أُخذ بأعلى مكة، فخرج الزبير وهو غلام بيده السيف، فمن رآه عجب وقال: الغلام معه السيف، حتى أتى النبي ﷺ فقال: ما لك يا زبير؟ قال: أُخبرت أنك أُخذت، قال: فكنت صانعاً ماذا؟ قال: كنت أضرب به من أخذك، فدعا له ولسيفه. فكان أول من سلّ سيفه في سبيل الله.[٢، ٣]

مشاهده مع رسول الله ﷺ

٦ | ٤-١كان يوم بدر مع رسول الله ﷺ فارسان: الزبير على فرس على الميمنة، والمقداد على فرس على الميسرة. وقال الزبير: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجّج لا يُرى إلا عيناه، فحملت عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات. قال عروة: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف، إحداهن في عاتقه إن كنت لأدخل أصابعي فيها، ضُرب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك.[٧، ٨، ٩]

٦ | ٤-٢ويوم أحد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى أخيها حمزة، فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير: القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه، إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مُثّل بأخي، وذلك في الله، لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله، فقال رسول الله ﷺ: خلّ سبيلها. ولما انصرف المشركون من أحد خاف النبي ﷺ أن يرجعوا، فقال: من ينتدب لهؤلاء في آثارهم؟ فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين، فخرجوا في آثار المشركين، فسمعوا بهم فانصرفوا.[١٠، ٦]

٦ | ٤-٤وقال رسول الله ﷺ يوم الخندق: من يأتينا بخبر بني قريظة؟ فقال الزبير: أنا، فذهب على فرس فجاء بخبرهم، ثم قال الثانية فقال الزبير: أنا، ثم الثالثة، فقال النبي ﷺ: لكل نبي حواري، وحواريّ الزبير. وقال عبد الله بن الزبير: رأيتك يا أبة تحمل على فرسك الأشقر يوم الخندق، قال: فإن رسول الله ﷺ يومئذ ليجمع لأبيك أبويه يقول: ارم فداك أبي وأمي.[١٢، ١٣]

٦ | ٤-٦ولما كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم، وأعطاه امرأة جعلته في رأسها، أتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب. وأعطاه رسول الله ﷺ يوم فتح مكة لواء سعد بن عبادة، فدخل الزبير مكة بلواءين. وقال الزبير: ما تخلّفت عن غزوة غزاها المسلمون.[١٥، ١٦]

منزلته وجوده

٦ | ٥-١قال عمر: لو عهدت أو تركت تركة كان أحبهم إليّ الزبير، إنه ركن من أركان الدين. وقال عثمان: أما والذي نفسي بيده إن كان لأخيرهم ما علمت، وأحبهم إلى رسول الله ﷺ. وأوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة، منهم عثمان وابن مسعود وعبد الرحمن، فكان ينفق على الورثة من ماله ويحفظ أموالهم.[١٧]

٦ | ٥-٢وكان للزبير ألف مملوك يؤدّون إليه الخراج، فلا يُدخل بيته من خراجهم شيئاً، بل يتصدّق بها كلها. وباع داراً له بستمائة ألف، فقيل له: يا أبا عبد الله، غُبنت، قال: كلا، هي في سبيل الله. وما ولي إمارة قط ولا جباية ولا خراجاً، إلا أن يكون في غزو مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان.[١٨، ١٩]

يوم الجمل ومقتله

٦ | ٧-١وقال له مطرّف: ما جاء بكم؟ ضيّعتم الخليفة حتى قُتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ قال: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان: واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت. وأتاه رجل بالبصرة فقال: ألا أقتل علياً؟ ألحق به فأكون معه ثم أفتك به، قال: إن رسول الله ﷺ قال: الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن.[٢٣]

٦ | ٧-٣ولما وقف الزبير يوم الجمل دعا ابنه عبد الله فقال: يا بني، إنه لا يُقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأُقتل اليوم مظلوماً، وإن من أكبر همّي لديني، فبع مالنا فاقض ديني، فإن عجزت عن شيء منه فاستعن بمولاي، قال عبد الله: فوالله ما دريت ما عنى حتى قلت: يا أبة، من مولاك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه، فيقضيه.[٢٥]

٦ | ٧-٤وتواقف علي والزبير، فقال علي: يا زبير، أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك تقاتلني وأنت لي ظالم؟ قال: نعم، ولم أذكره إلا في موقفي هذا، ثم انصرف. فلقيه ابنه عبد الله فقال: جبناً جبناً، قال: قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكّرني علي شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ فحلفت ألا أقاتله.[٢٦]

٦ | ٧-٥فأتى سفوان، فتبعه عمير بن جرموز ومعه رجلان، فأتاه عمير من خلفه فطعنه، ثم حملوا عليه حتى قتلوه، ودُفن بوادي السباع على سبعة فراسخ من البصرة، وجلس علي يبكي عليه هو وأصحابه. وجيء برأس الزبير إلى علي فقال: تبوّأ يا أعرابي مقعدك من النار، حدّثني رسول الله ﷺ أن قاتل الزبير في النار. وكان ذلك في رجب سنة ست وثلاثين.[٢٧، ٢٨]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 41-42
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 45
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 41
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 44-45
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 47
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 46
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 52
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 62
  9. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 97
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 47-48
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 50
  12. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 398
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 51-52
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 54-55
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 55-57
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 66
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 57-58
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 65-66
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 59-60
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 60-61
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 64
٧

عبد الرحمن بن عوف

الكنية: أبو محمد · الوفاة: 32 هـ، المدينة المنورة

نسبه وصفته

٧ | ٢-١عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري، أبو محمد، أحد العشرة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين البدريين. وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، فلما أسلم سمّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن. وُلد بعد عام الفيل بعشر سنين.[٢، ٣]

٧ | ٢-٢وكان أبيض، أعين، أهدب الأشفار، أقنى، له جمّة أسفل من أذنيه، ضخم الكتفين، طُوالاً، حسن الوجه، رقيق البشرة. وكان ساقط الثنيتين أعرج، أُصيب يوم أحد فهُتم، وجُرح عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج.[٤]

إسلامه وهجرته

٧ | ٣-١كان أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، أسلم بدعاء أبي بكر مع عثمان والزبير وطلحة وسعد، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا وصلّوا. وهاجر الهجرتين، قال عثمان: ما يستطيع أحد أن يعتدّ على هذا الشيخ فضلاً في الهجرتين جميعاً.[٥، ٦، ٤]

٧ | ٣-٢ولما هاجر إلى المدينة كان فقيراً لا شيء له، فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع أحد النقباء، فعرض عليه أن يشاطره نعمته، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلّني على السوق، فذهب فباع واشترى وربح، ثم لم ينشب أن صار معه دراهم، فتزوّج امرأة على زنة نواة من ذهب، فقال له النبي ﷺ وقد رأى عليه أثراً من صفرة: أولم ولو بشاة.[٧]

مشاهده مع رسول الله ﷺ

٧ | ٤-١شهد بدراً، وهو من أهل بدر الذين قيل لهم: اعملوا ما شئتم، ومن أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة. وأُصيب يوم أحد فهُتم وجُرح عشرين جراحة.[٨، ٤]

٧ | ٤-٣وصلّى رسول الله ﷺ وراءه؛ قال المغيرة بن شعبة: توضأ النبي ﷺ ومسح على خفيه وعمامته، وصلّى خلف عبد الرحمن بن عوف، وأنا معه، ركعة من الصبح، وقضينا الركعة التي سبقنا. وفي رواية: أراد عبد الرحمن أن يتأخر، فأومأ إليه أن مكانك.[١٠]

٧ | ٤-٤وأمره رسول الله ﷺ أن يتجهّز لسرية بعثه عليها إلى دومة الجندل، فأصبح وقد اعتمّ بعمامة سوداء، فأدناه رسول الله ﷺ منه ثم نقضها ثم عمّمه بها، ثم أمر بلالاً أن يدفع إليه اللواء، فحمد الله وصلّى على نفسه، ثم قال: خذه يا ابن عوف، اغزوا جميعاً في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم.[١١]

ماله وصدقته

٧ | ٥-١تصدّق عبد الرحمن على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف، فقال أناس من المنافقين: إن عبد الرحمن لعظيم الرياء، فنزل فيهم: الذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات. ثم تصدّق بأربعين ألف دينار، وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم على خمسمائة راحلة، وكان عامة ماله من التجارة.[١٢، ١٣]

٧ | ٥-٣ودخل على أم سلمة فقال: يا أم المؤمنين، إني أخشى أن أكون قد هلكت، إني من أكثر قريش مالاً، بعت أرضاً لي بأربعين ألف دينار، قالت: يا بني، أنفق. وباع أرضاً له من عثمان بأربعين ألف دينار فقسمه في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمهات المؤمنين، فلما أتى المسور عائشة بنصيبها قالت: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة. وكان أهل المدينة عيالاً عليه: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثاً.[١٥، ١٦، ١٧]

٧ | ٥-٤ورأى في منامه أنه دخل الجنة حبواً، قال الذهبي: إسناده حسن، وهو منام، والمنام له تأويل، وقد انتفع ابن عوف بما رأى وبما بلغه حتى تصدّق بأموال عظيمة. وكان لا يُعرف من بين عبيده، وقال الذهبي: هذا هو الغني الشاكر.[١٨، ١٩، ٢٠]

يوم الشورى

٧ | ٦-١قال الذهبي: ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محابياً فيها لأخذها لنفسه، أو لولّاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.[٢١]

٧ | ٦-٢وأرسل إليه سعد بن أبي وقاص وهو قائم يخطب: أن ارفع رأسك إلى أمر الناس، أي ادع إلى نفسك، فقال عبد الرحمن: ثكلتك أمك، إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس. وقال المسور: لحقني عمرو بن العاص فقال: ما ظنّ خالك عبد الرحمن بالله إن ولّى هذا الأمر أحداً وهو يعلم أنه خير منه؟ فذكرت ذلك له، فقال: والله لأن تؤخذ مدية فتوضع في حلقي ثم ينفذ بها إلى الجانب الآخر أحب إليّ من ذلك.[٢٢]

وفاته

٧ | ٧-١غُشي على عبد الرحمن في وجعه حتى ظنوا أنه قد فاضت نفسه، فأفاق يكبّر، ثم قال: انطلق بي في غشيتي رجلان أجد فيهما شدة وفظاظة فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فلقيا رجلاً فقال: ارجعا، فإنه من الذين كتب الله لهم السعادة والمغفرة وهم في بطون أمهاتهم، فعاش بعد ذلك شهراً.[١٩]

٧ | ٧-٢وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأوصى للبدريين فوجدوا مائة، فأعطى كل واحد منهم أربعمائة دينار، فكان منهم عثمان فأخذها، وأوصى لأمهات المؤمنين بحديقة قُوّمت بأربعمائة ألف. وقال علي يوم مات: اذهب يا ابن عوف، فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها. ورُئي سعد بن أبي وقاص في جنازته بين يدي السرير وهو يقول: واجبلاه. ومات سنة اثنتين وثلاثين، ودُفن بالبقيع.[٢٣، ٢٤، ٢٠]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 68-69
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 74
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 75
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 68
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 250-251
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 91
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 78
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 78-79
  9. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 631-632
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 80-81
  11. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 551
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 82
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 85-86
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 88
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 81
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 89
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 92
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 86
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 87-88
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 85
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 90
٨

سعد بن أبي وقاص

الكنية: أبو إسحاق · الوفاة: 55 هـ، العقيق قرب المدينة

نسبه وصفته

٨ | ٢-١سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري المكي، أبو إسحاق، أحد العشرة، وأحد السابقين الأولين، وأحد من شهد بدراً والحديبية، وأحد الستة أهل الشورى. وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس. وقال جابر: أقبل سعد فقال رسول الله ﷺ: هذا خالي فليرني امرؤ خاله، قال الذهبي: لأن أم النبي ﷺ زهرية.[٢، ٣، ٤]

٨ | ٢-٢قالت ابنته عائشة: كان أبي رجلاً قصيراً، دحداحاً، غليظاً، ذا هامة، شثن الأصابع، أشعر.[٥]

إسلامه

٨ | ٣-١أسلم سعد ابن سبع عشرة سنة بدعاء أبي بكر، وكان يقول: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبع ليال وإني لثلث الإسلام.[٦، ٧]

٨ | ٣-٢وقال: كنت براً بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد، ما هذا الدين الذي قد أحدثت؟ لتدعنّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعيّر بي، فيقال: يا قاتل أمه، قلت: لا تفعلي يا أمه، إني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوماً وليلة لا تأكل ولا تشرب، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه، تعلمين والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، إن شئت فكلي أو لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، ونزلت فيه: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما.[٨]

٨ | ٣-٤وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلّوا ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد في نفر منهم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد يومئذ رجلاً من المشركين بلحي بعير فشجّه، فكان أول دم هُريق في الإسلام. وقال سعد: إني لأول المسلمين رمى المشركين بسهم، ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق السمر.[١٠، ١١]

مشاهده مع رسول الله ﷺ

٨ | ٤-١قال سعد: ردّ رسول الله ﷺ أخي عمير بن أبي وقاص عن بدر استصغره، فبكى عمير فأجازه، ولقد شهدت بدراً وما في وجهي شعرة واحدة أمسحها بيدي. وقال ابن مسعود: لقد رأيت سعداً يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال، وجاء يومئذ بأسيرين.[٥، ١٢، ١٣]

٨ | ٤-٢ورمى سعد يوم أحد دون رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل وهو يقول: ارم فداك أبي وأمي، حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل فيقول: ارم به. وقال علي: ما سمعت رسول الله ﷺ جمع أبويه لأحد غير سعد. وقال رسول الله ﷺ يوم أحد: اللهم استجب لسعد، ثلاث مرات.[١٤، ١٥، ١٦]

٨ | ٤-٤وأرق رسول الله ﷺ ذات ليلة فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، قالت عائشة: فسمعنا صوت السلاح، فقال: من هذا؟ قال سعد: أنا يا رسول الله، جئت أحرسك، فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه.[١٨]

٨ | ٤-٥ومرض عام الفتح مرضاً أشفى منه، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً كثيراً، وليس يرثني إلا ابنة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: والثلث كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكفّفون الناس، ولعلك أن تبقى حتى ينتفع بك أقوام ويُضرّ بك آخرون. متفق عليه.[١٩]

فتح العراق

٨ | ٥-١من مناقب سعد أن فتح العراق كان على يديه، وهو كان مقدّم الجيوش يوم وقعة القادسية سنة خمس عشرة، ونصر الله دينه، ونزل سعد بالمدائن، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء، فكان النصر على يده، واستأصل الله الأكاسرة، وكانت جلولاء تسمّى فتح الفتوح.[٢٠، ٢١]

٨ | ٥-٢وشكاه أهل الكوفة إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلّي، فقال سعد: أما أنا فإني كنت أصلّي بهم صلاة رسول الله ﷺ لا أخرم منها، أركد في الأوليين وأحذف في الأخريين، فقال عمر: ذاك الظنّ بك يا أبا إسحاق. فبعث رجالاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجداً إلا قالوا خيراً، حتى قام رجل يقال له أبو سعدة فقال: إنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية، فقال سعد: اللهم إن كان كاذباً فأعم بصره، وأطل عمره، وعرّضه للفتن، قال عبد الملك بن عمير: فأنا رأيته بعدُ يقول: كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. متفق عليه.[٢٢]

٨ | ٥-٣وفي سنة إحدى وعشرين عزله عمر، ولما أُصيب عمر جعل الأمر شورى في الستة وقال: فإن أصابت سعداً، وإلا فليستعن به الخليفة بعدي، فإني لم أنزعه من ضعف ولا خيانة. فلما استُخلف عثمان أمّره على الكوفة.[٢١]

اعتزاله الفتنة ووفاته

٨ | ٦-١قال الذهبي: اعتزل سعد الفتنة، فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم، ولقد كان أهلاً للإمامة، كبير الشأن. وجاءه ابنه عامر فقال: أي بني، أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأساً؟ لا والله حتى أُعطى سيفاً إن ضربت به مسلماً نبا عنه، وإن ضربت كافراً قتله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب الغني الخفي التقي. وكان قد اعتزل في آخر عمره في قصر بناه بطرف حمراء الأسد.[٢٣، ٢٤]

٨ | ٦-٢قال ابنه مصعب: كان رأس أبي في حجري وهو يقضي، فبكيت، فقال: أي بني، ما يبكيك؟ قلت: لمكانك وما أرى بك، قال: لا تبك، فإن الله لا يعذّبني أبداً، وإني من أهل الجنة. ولما احتُضر دعا بخلق جبّة صوف فقال: كفّنوني فيها، فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر، وإنما خبأتها لهذا اليوم.[٢٤]

٨ | ٦-٣وتوفي بالعقيق في قصره على سبعة أميال من المدينة، وحُمل إليها سنة خمس وخمسين، فلما جيء بسريره فأُدخل على أم سلمة جعلت تبكي وتقول: بقية أصحاب رسول الله ﷺ. وكان سعد آخر المهاجرين وفاة.[٥، ٢٥]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 92-93
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 96
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 110
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 97
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 96-98
  6. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 250-251
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 109-110
  8. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 263
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 98
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 101
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 107-108
  12. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 82
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 100
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 112
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 102
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 121
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 115
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 117-118
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 112-113
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 119
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 122-123
  22. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 123
٩

سعيد بن زيد

الكنية: أبو الأعور · الوفاة: 51 هـ، العقيق قرب المدينة

نسبه وأبوه زيد بن عمرو

٩ | ٢-١سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، أبو الأعور القرشي العدوي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن السابقين الأولين البدريين. وكان رجلاً آدم طويلاً أشعر.[٢، ٣]

٩ | ٢-٢وكان أبوه زيد بن عمرو ممن فرّ إلى الله من عبادة الأصنام، وهو ابن عم عمر بن الخطاب. اجتمعت قريش يوماً في عيد لهم عند صنم من أصنامهم، فخلص منهم أربعة نفر نجيّاً: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو، فقالوا: تعلّمنّ والله ما قومكم على شيء، لقد أخطؤوا دين إبراهيم، فتفرّقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية. فلم يكن فيهم أعدل شأناً من زيد: اعتزل الأوثان والملل إلا دين إبراهيم، يوحّد الله ولا يأكل من ذبائح قومه.[٤، ٥]

٩ | ٢-٣وقالت أسماء بنت أبي بكر: لقد رأيت زيد بن عمرو قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما فيكم أحد على دين إبراهيم غيري. وكان يحيي الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: مه، لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها. قال الذهبي: حديث صحيح، وقد علّقه البخاري.[٦]

٩ | ٢-٤وكان يعيب على قريش ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله! أخرجه البخاري. وقال: شاممت النصرانية واليهودية فكرهتهما، فأتيت راهباً بالشام فقال: أراك تريد دين إبراهيم، إنك لتطلب ديناً ما يوجد اليوم، فالحق ببلدك، فإن الله يبعث من قومك من يأتي بدين إبراهيم. قال الذهبي: والظاهر أن زيداً توفي قبل المبعث، وقد شهد له النبي ﷺ بأنه يُبعث أمة وحده.[٧، ٨، ٩]

إسلامه، وفي بيته أسلم عمر

٩ | ٣-١أسلم سعيد قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وامرأته ابنة عمه فاطمة أخت عمر بن الخطاب. وقال سعيد: لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام وأخته. أخرجه البخاري.[١٠]

٩ | ٣-٢وكان سعيد وفاطمة قد أسلما وهما مستخفيان من عمر، وكان خبّاب بن الأرت يختلف إليهما يقرئهما القرآن، فأتاهما عمر وعندهما خبّاب معه صحيفة فيها سورة طه، فبطش بختنه سعيد، وقامت إليه أخته لتكفّه فضربها فشجّها، فقالا: نعم قد أسلمنا وآمنّا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، فلما رأى ما بأخته من الدم ندم، وطلب الصحيفة فقرأ منها صدراً، ثم مضى إلى رسول الله ﷺ فأسلم.[١١]

مشاهده

٩ | ٤-١لما تحيّن رسول الله ﷺ وصول عير قريش من الشام، بعث طلحة وسعيد بن زيد قبل خروجه من المدينة بعشر يتحسّسان خبر العير، فبلغا الحوراء فلم يزالا مقيمين هناك حتى مرّت بهم العير، فبلغ نبي الله الخبر قبل مجيئهما، فخرج، فرجع طلحة وسعيد ليخبرا فوصلا المدينة يوم الوقعة، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهمهما وأجورهما. وشهد سعيد أحداً والخندق والحديبية والمشاهد.[١٢]

٩ | ٤-٢وشهد حصار دمشق وفتحها، فولّاه عليها أبو عبيدة بن الجراح، فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الأمة.[١٣]

شهادته للعشرة ودعوته

٩ | ٥-١خطب المغيرة بن شعبة بالكوفة فنال من علي، فقام سعيد بن زيد فقال: ألا تعجب من هذا يسبّ علياً! أشهد على رسول الله ﷺ أنا كنا على حراء فقال: اثبت حراء، فإنما عليك نبي أو صدّيق أو شهيد، فسمّى النبي وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن، وسمّى سعيد نفسه. وسئل الإمام أحمد عن الشهادة لأبي بكر وعمر أنهما في الجنة، فقال: نعم، اذهب إلى حديث سعيد بن زيد.[١٤، ١٥]

٩ | ٥-٢وادّعت أروى بنت أويس أن سعيد بن زيد أخذ شيئاً من أرضها، فخاصمته إلى مروان، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ؟ سمعته يقول: من أخذ شيئاً من الأرض طوّقه إلى سبع أرضين، فقال مروان: لا أسألك بيّنة بعد هذا. فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها، فما ماتت حتى عميت، وبينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. أخرجه مسلم.[١٥]

٩ | ٥-٣قال الذهبي: لم يكن سعيد متأخراً عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة، وإنما تركه عمر لئلا يبقى له فيه شائبة حظ، لأنه ختنه وابن عمه، فكذلك فليكن العمل لله. ولما كتب معاوية إلى مروان أن يبايع لابنه يزيد قال مروان: حتى يجيء سعيد بن زيد فيبايع، فإنه سيد أهل البلد، وإذا بايع بايع الناس.[١٦]

وفاته

٩ | ٦-١استُصرخ ابن عمر على سعيد بن زيد يوم الجمعة بعد ما ارتفع النهار، فأتاه بالعقيق وترك الجمعة. أخرجه البخاري. ومات سعيد بالعقيق، فغسّله سعد بن أبي وقاص وكفّنه وخرج معه، وحنّطه ابن عمر بالمسك وقال: وأي طيب أطيب من المسك؟ وتوفي سنة إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وقُبر بالمدينة، نزل في قبره سعد وابن عمر.[١٧]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 124
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 140
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 126-127
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 222
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 128
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 127
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 132-133
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 135
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 136
  10. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 343-346
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 136-137
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 124-125
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 104-105
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 137
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 138-139
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 139-140
١٠

أبو عبيدة بن الجراح

أمين الأمة

الكنية: أبو عبيدة · الوفاة: 18 هـ، فحل قرب بيسان بالشام

نسبه وصفته

١٠ | ٢-١عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري المكي، يجتمع في النسب هو والنبي ﷺ في فهر. أحد السابقين الأولين، شهد له النبي ﷺ بالجنة وسمّاه أمين الأمة. وصفه مالك بن يخامر فقال: كان رجلاً نحيفاً، معروق الوجه، خفيف اللحية، طُوالاً، أحنى، أثرم الثنيتين.[٢]

إسلامه

١٠ | ٣-١انطلق عثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله ﷺ، فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم. وكان أبو عبيدة معدوداً فيمن جمع القرآن العظيم.[٣]

مشاهده مع رسول الله ﷺ

١٠ | ٤-١شهد أبو عبيدة بدراً، وأبلى يوم أحد بلاءً حسناً، ونزع يومئذ الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنة رسول الله ﷺ من ضربة أصابته، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما، حتى قيل: ما رُئي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة.[٤، ٥]

١٠ | ٤-٢وفي غزوة ذات السلاسل استمدّ عمرو بن العاص رسول الله ﷺ، فانتدب أبا بكر وعمر في سراة من المهاجرين، وأمّر عليهم أبا عبيدة، فلما قدموا على عمرو قال: أنا أميركم، فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأميرنا أبو عبيدة، فقال عمرو: إنما أنتم مدد أُمددت بكم. فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلاً حسن الخلق ليّن الشيمة متّبعاً لأمر رسول الله ﷺ وعهده، سلّم الإمارة لعمرو.[٦]

١٠ | ٤-٣وأتى النبيَّ ﷺ أسقفا نجران العاقب والسيد فقالا: ابعث معنا أميناً حق أمين، فقال: لأبعثنّ معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرف لها الناس، فقال: قم يا أبا عبيدة، فأرسله معهم. وثبت من وجوه عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.[٧، ٨]

١٠ | ٤-٥وبعث رسول الله ﷺ سرية إلى سيف البحر عليهم أبو عبيدة، وزوّدهم جراباً من تمر، فجعل يقوتهم إياه حتى صار يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة، ثم نفد، فجاعوا، وكانوا ثلاثمائة، فألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله وفي سبيل الله، فكلوا. وهو في الصحيحين.[١٠، ١١]

بعد رسول الله ﷺ

١٠ | ٥-١وقال أبو بكر يوم السقيفة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر وأبا عبيدة. وولّاه أبو بكر أموال المسلمين، ثم وجّهه إلى الشام سنة ثلاث عشرة أميراً مع يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، فكانت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين، ثم بعث أبو بكر إلى خالد بالعراق لينجد من بالشام، فقطع المفاوز على برية السماوة، فأمّره الصديق على الأمراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبو بكر.[٤، ١٢، ١٣]

١٠ | ٥-٢فبادر عمر بعزل خالد، واستعمل على الكل أبا عبيدة، فجاءه التقليد فكتمه مدة، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق على يده، فعند ذلك أظهر التقليد ليعقد الصلح للروم، ففتحوا له باب الجابية صلحاً، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح. ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك التي استأصل الله فيها جيوش الروم.[١٤]

١٠ | ٥-٣وقال جابر: كنت في الجيش الذين مع خالد، الذين أمدّ بهم أبا عبيدة وهو محاصر دمشق، فلما قدمنا عليهم قال لخالد: تقدّم فصلّ، فأنت أحق بالإمامة لأنك جئت تمدّني، فقال خالد: ما كنت لأتقدّم رجلاً سمعت رسول الله ﷺ يقول: لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.[١٥]

زهده

١٠ | ٦-١قدم عمر الشام فتلقّاه الأمراء والعظماء، فقال: أين أخي أبو عبيدة؟ فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسار معه حتى أتى منزله، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال: أين متاعك؟ لا أرى إلا لبداً وصحفة وشنّاً، وأنت أمير، أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال أبو عبيدة: قد قلت لك إنك ستعصر عينيك عليّ يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلّغك المقيل. فقال عمر: غيّرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة.[١٦]

١٠ | ٦-٢وأرسل إليه عمر بأربعة آلاف أو بأربعمائة دينار وقال للرسول: انظر ما يصنع بها، فقسمها أبو عبيدة، فلما أخبر الرسول عمر قال: الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا. وكان أبو عبيدة يسير في العسكر فيقول: ألا ربّ مبيّض لثيابه مدنّس لدينه، ألا ربّ مكرم لنفسه وهو لها مهين، بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات. وقال عمر لجلسائه: تمنّوا، فتمنّوا، فقال عمر: لكني أتمنّى بيتاً ممتلئاً رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح.[١٧، ١٨]

ما نزل فيه أو شهد نزوله

١٠ | ٧-١أخرج الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة يتصدّى لأبي عبيدة يوم بدر، فيحيد عنه، فلما أكثر قصده فقتله، فنزلت هذه الآية.[١٩]

طاعون عمواس ووفاته

١٠ | ٨-١كتب عمر إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجّل إليّ. فلما قرأ الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين، إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق، فكتب: إني قد عرفت حاجتك، فحلّلني من عزيمتك، فإني في جند من أجناد المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم. فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد.[٢١]

١٠ | ٨-٢وكان وجع عمواس معافى منه أبو عبيدة وأهله، فقال: اللهم نصيبك في آل أبي عبيدة، فخرجت بأبي عبيدة في خنصره بثرة، فجعل ينظر إليها، فقيل له: إنها ليست بشيء، فقال: أرجو أن يبارك الله فيها، فإنه إذا بارك في القليل كان كثيراً. واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فأدركه أجله بفحل، فتوفي بها بقرب بيسان، سنة ثماني عشرة، وله ثمان وخمسون سنة.[٢٢]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 5-7
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 7-8
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 8
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 80
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 8-9
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 9
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 12
  8. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 632
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 20
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 15
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 21
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 21-22
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 11-12
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 16-17
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 14
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 17-18
  17. الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ج 3، ص 476
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 18-19
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 22-23

آخرون

١١

بلال بن رباح

مؤذن رسول الله ﷺ

الكنية: أبو عبد الله · الوفاة: 20 هـ / 641 م، دمشق

نسبه وصفته

١١ | ٢-١بلال بن رباح، مولى أبي بكر الصديق، وأمه حمامة، وهو مؤذن رسول الله ﷺ، من السابقين الأولين الذين عُذّبوا في الله، شهد بدراً، وشهد له النبي ﷺ على التعيين بالجنة. قيل: إنه حبشي، وقيل: من مولّدي الحجاز. وقال من رآه: كان رجلاً آدم شديد الأدمة، نحيفاً، طُوالاً، أجنأ، له شعر كثير، خفيف العارضين.[٢، ٣]

العذاب في الله

١١ | ٣-١قال عبد الله بن مسعود: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وبلال، وصهيب، والمقداد. فأما النبي ﷺ وأبو بكر فمنعهما الله بقومهما، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم أحد إلا وأتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد.[٤]

١١ | ٣-٢وكان أمية بن خلف يُخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. فمرّ به أبو بكر فاشتراه بغلام له أجلد منه وأعتقه. وقال قيس بن أبي حازم: اشترى أبو بكر بلالاً وهو مدفون في الحجارة بخمس أواق ذهباً، فقالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعناكه، قال: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته، قال الذهبي: إسناده قوي. وكان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، أعتق بلالاً سيدنا.[٥، ٦، ٧]

المؤذن

١١ | ٤-١كان أول من أذّن بلال. ولما رأى عبد الله بن زيد النداء في منامه قال له رسول الله ﷺ: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذّن بها، فإنه أندى صوتاً منك. ويوم الفتح أمر رسول الله ﷺ بلالاً فأذّن فوق الكعبة.[٧، ٨، ٩]

١١ | ٤-٢وقال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الصبح: حدّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني قد سمعت الليلة خشفة نعليك بين يديّ في الجنة، قال: ما عملت عملاً أرجى من أني لم أتطهّر طهوراً تاماً في ساعة من ليل ولا نهار إلا صلّيت لربي ما كُتب لي أن أصلّي.[١٠]

يوم بدر

١١ | ٥-١قال عبد الرحمن بن عوف: كان أمية بن خلف لي صديقاً بمكة، فلما كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه، فقال: هل لك فيّ، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ فأخذت بيده ويد ابنه أمشي بهما، فرآه بلال معي، وكان هو الذي يعذّب بلالاً بمكة، فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قلت: أي بلال، أبأسيري؟ قال: لا نجوت إن نجا، ثم صرخ بالأنصار، فأحاطوا بنا حتى قتلوهما، فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالاً، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيريّ.[١١]

إلى الشام ووفاته

١١ | ٦-١لما توفي رسول الله ﷺ جاء بلال إلى أبي بكر يريد الجهاد فقال: يا خليفة رسول الله، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله، أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت. وقال له: إن كنت أعتقتني لله فخلّ سبيلي، فكان بالشام. ولما قدم عمر الجابية سأله المسلمون أن يسأل بلالاً يؤذّن لهم، فأذّن يوماً، فلم يُر يوم كان أكثر باكياً من يومئذ، ذكراً منهم للنبي ﷺ.[١٢]

١١ | ٦-٢وبلغ بلالاً أن ناساً يفضّلونه على أبي بكر، فقال: كيف يفضّلوني عليه، وإنما أنا حسنة من حسناته! ولما احتُضر قال: غداً نلقى الأحبّه، محمداً وحزبه، فقالت امرأته: واويلاه، فقال: وافرحاه. وتوفي بلال سنة عشرين بدمشق، ودُفن بباب الصغير، وهو ابن بضع وستين سنة.[٣]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 347
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 359
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 347-348
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 317-318
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 353
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 349
  7. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 508-509
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 356
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 348
  10. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 631-632
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 356-357
١٢

خالد بن الوليد

سيف الله

الكنية: أبو سليمان · الوفاة: 21 هـ / 642 م، حمص

نسبه

١٢ | ٢-١خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، سيف الله تعالى وفارس الإسلام، وليث المشاهد، السيد الإمام، الأمير الكبير، قائد المجاهدين، أبو سليمان القرشي المخزومي المكي، وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.[٢]

قبل الإسلام وإسلامه

١٢ | ٣-١خرجت قريش إلى أحد وجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد. فلما مالت الرماة إلى العسكر وخلّوا ظهور المسلمين للخيل أُتي المسلمون من خلفهم، ولما كان رسول الله ﷺ بالشعب علت عالية من قريش الجبل، قال ابن هشام: كان على تلك الخيل خالد بن الوليد، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.[٣، ٤، ٥]

١٢ | ٣-٢قال عمرو بن العاص: لما انصرفنا من الخندق قدمنا على النجاشي، فقال لي: والله إني لك ناصح فاتّبعه، فوالله ليظهرنّ كما ظهر موسى وجنوده، فبايعته على الإسلام، ثم انطلقت فلقيت خالد بن الوليد، فقلت: إلى أين يا أبا سليمان؟ قال: أذهب والله أسلم، إنه والله قد استقام الميسم، إن الرجل لنبي ما أشك فيه، فقلت: وأنا والله، فقدمنا المدينة. وهاجر خالد مسلماً في صفر سنة ثمان.[٦، ٢]

مؤتة وسيف الله

١٢ | ٤-١سار خالد غازياً فشهد غزوة مؤتة، واستُشهد أمراء رسول الله ﷺ الثلاثة: زيد وجعفر وابن رواحة، وبقي الجيش بلا أمير، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس. وقال خالد: لقد رأيتني يوم مؤتة اندقّ في يدي تسعة أسياف، فصبرت في يدي صفيحة يمانية.[٢، ٧، ٨]

١٢ | ٤-٢ونعى النبي ﷺ أمراء مؤتة فقال: أُصيبوا جميعاً، ثم أخذ الراية بعدُ سيف من سيوف الله خالد، وجعل يحدّث الناس وعيناه تذرفان. وقال عمرو بن العاص: ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد أحداً في حربه منذ أسلمنا.[٩، ١٠]

١٢ | ٤-٣وشهد الفتح وحنيناً، وبعثه النبي ﷺ إلى العزّى، وكانت لهوازن وسدنتها بنو سليم، فمشى إليها فكسر أنفها بالفأس، وقال: يا عزّ كفرانك لا سبحانك، إني رأيت الله قد أهانك. ورأى عبد الرحمن بن أزهر رسول الله ﷺ يوم حنين يتخلّل الناس يسأل عن رحل خالد، فنظر إلى جرحه.[٢، ١١]

الردة والعراق والشام

١٢ | ٥-١عقد أبو بكر لخالد على قتال أهل الردة وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سلّه الله على الكفار والمنافقين. ولما ألحّ عليه عمر في أمر خالد قال: لا يا عمر، لم أكن لأشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين. فمضى إلى اليمامة فقُتل مسيلمة.[١٢، ١٣]

١٢ | ٥-٢ثم غزا العراق، وكتب إلى الفرس: إن معي جنداً يحبون القتل كما تحب فارس الخمر. ونزل الحيرة، فقالوا: احذر السم لا تسقك الأعاجم، فقال: ائتوني به، فأُتي به فاقتحمه وقال: باسم الله، فلم يضرّه. ثم اخترق البرية السماوية، فقطع المفازة من حدّ العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه، فأمّره الصديق على سائر أمراء الأجناد، وحاصر دمشق فافتتحها هو وأبو عبيدة، وشهد حروب الشام.[١٤، ١٥، ١٦]

١٢ | ٥-٣وكان يقول: ما من ليلة يُهدى إليّ فيها عروس أنا لها محبّ أحب إليّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد، في سرية أصبّح فيها العدو. وفقد قلنسوة له يوم اليرموك فطلبها حتى وجدها، فإذا هي قلنسوة خلقة، فقال: اعتمر رسول الله ﷺ فحلق رأسه، فابتدر الناس شعره، فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رُزقت النصر.[١٧]

عزله

١٢ | ٦-١لما استُخلف عمر كتب إلى أبي عبيدة: إني قد استعملتك وعزلت خالداً، فلم يُعلمه أبو عبيدة حتى علم من غيره، فقال: يرحمك الله، ما دعاك إلى ألا تعلمني؟ قال: كرهت أن أروعك. وبقي خالد مع أبي عبيدة حتى توفي، ثم انعزل إلى حمص فكان بها، وحبس خيلاً وسلاحاً، فلم يزل مرابطاً بحمص حتى نزل به الموت.[١٨، ١٩، ٢٠]

١٢ | ٦-٢ولما بلغ عمر موته استرجع مراراً، ونكّس، وأكثر الترحّم عليه، وقال: كان والله سداداً لنحر العدو، ميمون النقيبة. ولما مات لم يدع إلا فرسه وسلاحه وغلامه، فقال عمر: رحم الله أبا سليمان، كان على ما ظننّاه به.[٢١]

موته على فراشه

١٢ | ٧-١لما احتُضر خالد بكى وقال: لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء. وقال: ما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتّها وأنا متترّس والسماء تهلّني، ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار، ثم قال: إذا متّ فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدّة في سبيل الله.[٢٢]

١٢ | ٧-٢وقال من غسّله بحمص: ما فيه مصحّ، ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم. ومات بحمص سنة إحدى وعشرين، ومشهده على باب حمص.[٢٣، ٢٤، ٢١]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 366
  2. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 66
  3. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 77-78
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 86
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 59-60
  6. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 380
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 375
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 373
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 369
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 369-370
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 372
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 377-378
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 374
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 376
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 366-367
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 374-375
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 378
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 380
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 382
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 383
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 381-382
  22. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 371
  23. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 367
١٣

مصعب بن عمير

الوفاة: 3 هـ / 625 م، أحد

نسبه ونشأته

١٣ | ١-١مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب، السيد الشهيد السابق البدري القرشي العبدري. وكان أنعم غلام بمكة وأرفهه، وقال سعد بن أبي وقاص: كان أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا.[١، ٢]

إسلامه وما لقي

١٣ | ٢-١قال سعد: كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدّته، فلما هاجرنا أصابنا الجوع والشدة فقوينا عليهما، فأما مصعب بن عمير فإنه لما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك، فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية، ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي، فنعرض له القسيّ ثم نحمله على عواتقنا.[٣]

١٣ | ٢-٢وقال علي: طلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، فلما رآه رسول الله ﷺ ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها، فذرفت عيناه عليه.[٤]

مقرئ المدينة

١٣ | ٣-١لما بايع الأنصار رسول الله ﷺ بيعة العقبة الأولى بعث معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم في الدين، فكان يسمّى المقرئ بالمدينة. وقال البراء بن عازب: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير.[٥، ١]

١٣ | ٣-٢وخرج أسعد بن زرارة بمصعب إلى دار بني عبد الأشهل، فجلسا في حائط، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير، وهما سيّدا قومهما وكلاهما مشرك: انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفّها ضعفاءنا فازجرهما. فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما، فقال أسعد لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. فوقف عليهما متشتّماً، فقال له مصعب: أوَتجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس، فكلّمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! فاغتسل وتشهّد شهادة الحق وصلّى ركعتين.[٦]

١٣ | ٣-٣ثم رجع أسيد إلى سعد بن معاذ، فاحتال حتى خرج سعد إليهما مغضباً، فقال له مصعب مثل ذلك، فقال: أنصفت، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن، فأسلم، ثم أقبل إلى نادي قومه فقال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة. فأقام مصعب يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون.[٧]

يوم أحد

١٣ | ٤-١وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ يوم أحد حتى قُتل، وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي وهو يظنه رسول الله ﷺ، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمداً. فلما قُتل مصعب أعطى رسول الله ﷺ اللواء علي بن أبي طالب.[٨، ٣]

١٣ | ٤-٢قال خبّاب: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قُتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطّينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﷺ: غطّوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر. وأُتي عبد الرحمن بن عوف بطعام فجعل يبكي ويقول: قُتل مصعب بن عمير فلم يوجد ما يكفّن فيه إلا ثوباً واحداً.[٩]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 145
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 147-148
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 148
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 147
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 434
  6. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 435-436
  7. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 436-437
  8. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 73
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 146-147
١٤

حمزة بن عبد المطلب

أسد الله

الكنية: أبو عمارة · الوفاة: 3 هـ / 625 م، أحد

نسبه

١٤ | ١-١حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، الإمام البطل الضرغام، أسد الله، أبو عمارة، القرشي الهاشمي المكي ثم المدني، البدري الشهيد، عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة.[١]

إسلامه

١٤ | ٢-١مرّ أبو جهل برسول الله ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه، ومولاة لعبد الله بن جدعان تسمع ذلك. فأقبل حمزة متوشّحاً قوسه راجعاً من قنص له، وكان أعزّ فتى في قريش وأشدّه شكيمة، فقالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفاً من أبي الحكم بن هشام! فاحتمل حمزة الغضب، فخرج حتى دخل المسجد فرأى أبا جهل جالساً في القوم، فضربه بالقوس فشجّه شجّة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟[٢]

١٤ | ٢-٢وتمّ حمزة على إسلامه، فلما أسلم عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عزّ وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.[٣، ٤]

يوم بدر

١٤ | ٣-١قال علي: قال لي رسول الله ﷺ يوم بدر: ناد حمزة، فقلت: من هو صاحب الجمل الأحمر؟ فقال حمزة: هو عتبة بن ربيعة، فبارز يومئذ حمزة عتبة فقتله.[٤]

يوم أحد واستشهاده

١٤ | ٤-١قال سعد بن أبي وقاص: كان حمزة يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ بسيفين ويقول: أنا أسد الله. وقال وحشي: كنت عبد جبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قُتل يوم بدر، فقال لي: إن قتلت حمزة فأنت حر، وكنت صاحب حربة قلّما أخطئ بها. فخرجت مع الناس، فلما التقوا خرجت أنظر حمزة، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهدّ الناس بسيفه هدّاً.[٥، ٦]

١٤ | ٤-٢قال وحشي: فوالله إني لأتهيّأ له إذ تقدّمني إليه سباع بن عبد العزى الخزاعي، فضربه حمزة فما أخطأ رأسه، فهززت حربتي حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه، فوقعت في ثنّته حتى خرجت بين رجليه، فذهب لينوء فغُلب، فتركته حتى مات، ثم أخذت حربتي فرجعت إلى العسكر، ولم يكن لي حاجة بغيره.[٧]

١٤ | ٤-٣ووقف رسول الله ﷺ على حمزة وقد جُدع ومُثّل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى يحشره الله من بطون السباع والطير. وكُفّن في نمرة، إذا خُمّر رأسه بدت رجلاه، وإذا خُمّرت رجلاه بدا رأسه. وجاءت صفية بثوبين لحمزة، وكان إلى جنبه قتيل من الأنصار، فكرهوا أن يتخيّروا لحمزة، فقال: أسهموا بينهما، فكُفّن حمزة في ثوب والأنصاري في ثوب.[٥، ٨]

١٤ | ٤-٤ورجع رسول الله ﷺ من أحد فسمع نساء بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فجاء نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده، فقال: مروهن فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم. ولما رأى رسول الله ﷺ ما مُثّل به قال: لئن ظفرت بقريش لأمثّلنّ بثلاثين منهم، فأنزل الله: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، إلى آخر السورة، فعفا رسول الله ﷺ.[٩، ١٠]

١٤ | ٤-٦وقال وحشي: فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت إلى الطائف، ثم قدمت المدينة فقال: وحشي؟ قلت: نعم، قال: اجلس فحدّثني كيف قتلت حمزة، فحدّثته، فقال: ويحك، غيّب عني وجهك فلا أرينّك. فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة خرجت معهم بحربتي التي قتلت بها حمزة، فدفعتها عليه فوقعت فيه، وشدّ عليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف، فربك أعلم أيّنا قتله.[١٢]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 171-172
  2. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 291-292
  3. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 292
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 172
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 177
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 174-175
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 175
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 183
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 174
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 179-180
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 175-176
١٥

جعفر بن أبي طالب

ذو الجناحين، أبو المساكين

الكنية: أبو عبد الله · الوفاة: 8 هـ / 629 م، مؤتة

نسبه

١٥ | ٢-١جعفر بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، السيد الشهيد الكبير الشأن، علم المجاهدين، أبو عبد الله، ابن عم رسول الله ﷺ، أخو علي بن أبي طالب، وهو أسنّ من علي بعشر سنين. وأمهم فاطمة بنت أسد. وقال رسول الله ﷺ لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي، وهو في الصحيح من حديث البراء.[٢، ٣]

الهجرة إلى الحبشة وخطبته عند النجاشي

١٥ | ٣-١قالت أم سلمة: لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ وفُتنوا، قال لهم رسول الله ﷺ: إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً، فخرجنا إليه أرسالاً، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنّا على ديننا. وهاجر جعفر بزوجته أسماء بنت عميس، فولدت هناك عبد الله وعوناً ومحمداً.[٤، ٥]

١٥ | ٣-٢فبعثت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردّهم، فقالوا: إن فتية منا سفهاء فارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينك، فغضب النجاشي وقال: لا لعمر الله لا أردّهم إليهم حتى أكلّمهم، قوم لجؤوا إلى بلادي واختاروا جواري. وكان الذي يكلّمه جعفر بن أبي طالب، فقال: أيها الملك، كنا قوماً على الشرك، نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، ونستحلّ المحارم والدماء، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده، ونصل الرحم، ونحسن الجوار، ونصلّي ونصوم.[٦]

١٥ | ٣-٣قال: فهل معكم شيء مما جاء به؟ قال جعفر: نعم، فقرأ عليهم صدراً من سورة كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين. فلما سألهم عما يقولون في عيسى قال جعفر: نقول كما قال الله: روح الله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسّها بشر، فرفع النجاشي عوداً من الأرض وقال: أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى في الإنجيل، وردّ هدية الآخرين عليهما.[٥، ٧]

قدومه يوم خيبر

١٥ | ٤-١هاجر جعفر من الحبشة إلى المدينة، فوافى المسلمين وهم على خيبر إثر أخذها، فلما رجع رسول الله ﷺ من خيبر تلقّاه جعفر، فالتزمه رسول الله ﷺ وقبّل ما بين عينيه وقال: ما أدري بأيهما أنا أفرح، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر.[٢، ٩]

١٥ | ٤-٢وقال أبو هريرة: كنا نسمّي جعفراً أبا المساكين، كان يذهب بنا إلى بيته، فإذا لم يجد لنا شيئاً أخرج إلينا عكّة أثرها عسل فنشقّها ونلعقها. وقال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب، يعني في الجود والكرم.[١٠]

يوم مؤتة

١٥ | ٥-١بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء وقال: عليكم زيد، فإن أُصيب فجعفر، فإن أُصيب جعفر فابن رواحة. فانطلق الجيش، ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر فقال: ألا أخبركم عن جيشكم، إنهم لقوا العدو، فأصيب زيد شهيداً فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء جعفر فشدّ على الناس حتى قُتل، ثم أخذه ابن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيداً، ثم أخذ اللواء خالد.[١١]

١٥ | ٥-٢وقال رجل من بني مرة بن عوف: لكأني أنظر إلى جعفر يوم مؤتة حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل حتى قُتل، وهو يقول: يا حبّذا الجنة واقترابها، طيبة وبارد شرابها. وقال ابن عمر: فقدنا جعفراً يوم مؤتة، فوجدنا بين طعنة ورمية بضعاً وتسعين، وجدنا ذلك فيما أقبل من جسده.[١٢]

١٥ | ٥-٣وقالت أسماء بنت عميس: دخل عليّ رسول الله ﷺ فدعا بني جعفر، فرأيته شمّهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: نعم، قُتل اليوم، فقمنا نبكي، ورجع فقال: اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد شُغلوا عن أنفسهم. وكان ابن عمر إذا سلّم على عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.[١٣، ١٤]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 206
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 216-217
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 208
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 216
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 215-216
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 207
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 213
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 217
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 208-209
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 209-210
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 211
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 215
١٦

زيد بن حارثة

حِبّ رسول الله ﷺ

الكنية: أبو أسامة · الوفاة: 8 هـ / 629 م، مؤتة

نسبه

١٦ | ٢-١زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى الكلبي، الأمير الشهيد، المسمّى في سورة الأحزاب، أبو أسامة الكلبي ثم المحمدي، سيد الموالي وأسبقهم إلى الإسلام، وحِبّ رسول الله ﷺ وأبو حِبّه. قال الذهبي: ولم يسمّ الله تعالى في كتابه صحابياً باسمه إلا زيد بن حارثة. وكان النبي ﷺ أكبر من زيد بعشر سنين.[٢، ٣]

من السبي إلى بيت رسول الله ﷺ

١٦ | ٣-١قال أخوه جبلة بن حارثة: إن أمنا كانت من طيئ فماتت، فبقينا في حجر جدنا، فأخذني عمّاي، فجاءت خيل من تهامة فأخذت زيداً، فوقع إلى خديجة فوهبته لرسول الله ﷺ. وكان حكيم بن حزام قدم من الشام برقيق فيهم زيد، فاختارته خديجة، فرآه رسول الله ﷺ عندها فاستوهبه منها فوهبته له، فأعتقه وتبنّاه قبل أن يوحى إليه.[٥، ٦]

١٦ | ٣-٢ثم قدم أبوه حارثة يطلبه، فقال له رسول الله ﷺ: إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك، فقال: بل أقيم عندك. وقال جبلة: قدمت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ابعث معي أخي زيداً، قال: هو ذا، فإن انطلق لم أمنعه، فقال زيد: لا والله لا أختار عليك أحداً أبداً، قال جبلة: فرأيت رأي أخي أفضل من رأيي.[٧، ٨]

١٦ | ٣-٣وأسلم زيد، فكان أول ذكر أسلم وصلّى بعد علي بن أبي طالب. قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت: ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله.[٩، ١٠]

أمير السرايا

١٦ | ٤-١شهد بدراً، وقال سلمة بن الأكوع: غزوت مع رسول الله ﷺ، وغزوت مع زيد بن حارثة، كان يؤمّره علينا. وقالت عائشة: ما بعث رسول الله ﷺ زيداً في جيش قط إلا أمّره عليهم، ولو بقي بعده استخلفه. وقدم زيد من سرية ورسول الله ﷺ في بيتها، فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ يجرّ ثوبه حتى اعتنقه وقبّله.[١٢، ١٣]

١٦ | ٤-٢وأمّر رسول الله ﷺ أسامة بن زيد على قوم فطعن الناس في إمارته، فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن ابنه هذا لأحب الناس إليّ بعده. وفرض عمر لأسامة أكثر مما فرض لابنه عبد الله، فكلّمه في ذلك فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك.[١٤]

يوم مؤتة

١٦ | ٦-١عقد رسول الله ﷺ لزيد على الناس في غزوة مؤتة وقدّمه على الأمراء، فلما التقى الجمعان أخذ زيد اللواء فقاتل وقاتل معه الناس حتى قُتل طعناً بالرماح، وكانت مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان. ولما بلغ رسول الله ﷺ قتل زيد وجعفر وابن رواحة قام فذكر شأنهم، فبدأ بزيد فقال: اللهم اغفر لزيد، ثلاثاً، اللهم اغفر لجعفر وعبد الله بن رواحة.[١٧]

١٦ | ٦-٢ولما جاء مصاب زيد وأصحابه أتى رسول الله ﷺ منزله، فلقيته بنت زيد فأجهشت بالبكاء في وجهه، فلما رآها رسول الله ﷺ بكى حتى انتحب.[١٧]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 220
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 222
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 223
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 247-248
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 248
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 224-225
  7. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 247
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 224
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 225-226
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 228
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 227-229
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 229
١٧

أسامة بن زيد

حِبّ رسول الله ﷺ

الكنية: أبو زيد، ويقال أبو محمد · الوفاة: 54 هـ / 674 م، المدينة المنورة

نسبه ونشأته

١٧ | ٢-١أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس، المولى، الأمير الكبير، حِبّ رسول الله ﷺ ومولاه وابن مولاه، أبو زيد، ويقال: أبو محمد. وكان شديد السواد، خفيف الروح، شاطراً شجاعاً، ربّاه النبي ﷺ وأحبّه كثيراً، وهو ابن حاضنة النبي ﷺ أم أيمن، وكان أبوه أبيض، وقد فرح له رسول الله ﷺ بقول مجزّز المدلجي: إن هذه الأقدام بعضها من بعض.[٢]

١٧ | ٢-٢قال أسامة: كان النبي ﷺ يأخذني والحسن فيقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما. وقالت عائشة: أراد رسول الله ﷺ أن يمسح مخاط أسامة، فقلت: دعني حتى أكون أنا التي أفعل، فقال: يا عائشة، أحبّيه فإني أحبه. وعثر أسامة بأسكفّة الباب فشُجّ في جبهته، فجعل النبي ﷺ يمصّه ثم يمجّه.[٣، ٤، ٥]

أحب الناس إليه

١٧ | ٣-١قال رسول الله ﷺ: أحب الناس إليّ أسامة، ما حاشا فاطمة ولا غيرها. وقالت عائشة: ما ينبغي لأحد أن يبغض أسامة بعد ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة. وقالت في شأن المخزومية التي سرقت: فقالوا: من يجترئ على رسول الله ﷺ يكلّمه فيها إلا أسامة، حِبّ رسول الله ﷺ.[٦]

١٧ | ٣-٢وفرض عمر لأسامة ثلاثة آلاف وخمسمائة، وفرض لابنه عبد الله ثلاثة آلاف، فقال: لم فضّلته عليّ، فوالله ما سبقني إلى مشهد؟ قال: لأن أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وهو أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فآثرت حب رسول الله على حبي. حسّنه الترمذي.[٧]

من لك بلا إله إلا الله

١٧ | ٤-١قال أسامة: أدركت رجلاً أنا ورجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبرناه خبره فقال: يا أسامة، من لك بلا إله إلا الله؟ فقلنا: يا رسول الله، إنما قالها تعوّذاً من القتل، قال: من لك يا أسامة بلا إله إلا الله؟ فما زال يردّدها حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وأني أسلمت يومئذ ولم أقتله، فقلت: إني أعطي الله عهداً ألا أقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله أبداً، فقال النبي ﷺ: بعدي يا أسامة؟ قال: بعدك.[٨]

جيش أسامة

١٧ | ٥-١استعمله النبي ﷺ على جيش لغزو الشام، وفي الجيش عمر والكبار، فطعنوا في إمارته، فقال: إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إليّ بعده. قال الذهبي: لما أمّره النبي ﷺ على ذلك الجيش كان عمره ثماني عشرة سنة.[٣، ٩]

١٧ | ٥-٢فلم يسر حتى توفي رسول الله ﷺ، قال أسامة: لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت وهبط الناس المدينة، فدخلت عليه وقد أصمت فلا يتكلم، فجعل يضع يديه عليّ ثم يرفعهما، فأعرف أنه يدعو لي.[٣، ٥]

١٧ | ٥-٣وقال أبو بكر: والله لأن تخطفني الطير أحب إليّ من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله ﷺ، فبعث أسامة، واستأذنه في عمر أن يتركه عنده، فلما بلغوا الشام أصابتهم ضبابة شديدة فسترتهم حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم، فأغاروا على أُبنى من ناحية البلقاء، فقدم على هرقل موت النبي ﷺ وإغارة أسامة على أرضه في آن واحد، فقالت الروم: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم وأن أغاروا على أرضنا! وكان عمر لم يلق أسامة قط إلا قال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله، توفي رسول الله ﷺ وأنت عليّ أمير.[٥، ٣، ٤]

اعتزاله الفتنة ووفاته

١٧ | ٦-١قال وكيع: سلم من الفتنة من المعروفين: سعد، وابن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة. قال الذهبي: انتفع أسامة من يوم النبي ﷺ إذ يقول له: كيف بلا إله إلا الله يا أسامة، فكفّ يده ولزم منزله فأحسن. ولقيه علي فقال: ما كنا نعدّك إلا من أنفسنا يا أسامة، فلم لا تدخل معنا؟ قال: يا أبا حسن، إنك والله لو أخذت بمشفر الأسد لأخذت بمشفره الآخر معك حتى نهلك جميعاً أو نحيا جميعاً، فأما هذا الأمر الذي أنت فيه فوالله لا أدخل فيه أبداً.[١٠، ١١]

١٧ | ٦-٢وكان أسامة يركب إلى مال له بوادي القرى فيصوم الاثنين والخميس في الطريق، فقيل له: تصوم الاثنين والخميس في السفر وقد كبرت وضعفت! فقال: إن رسول الله ﷺ كان يصوم الاثنين والخميس، وقال: إن أعمال الناس تُعرض يوم الاثنين والخميس.[١٢]

١٧ | ٦-٣ومات أسامة بالجرف، فقال ابن عمر في جنازته: عجّلوا بحِبّ رسول الله قبل أن تطلع الشمس. قال ابن سعد: مات في آخر خلافة معاوية. وفي تقريب التهذيب: مات سنة أربع وخمسين بالمدينة.[١٣، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 98
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 496-498
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 497
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 501
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 503
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 498-499
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 499
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 505
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 499-500
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 500-501
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 504-505
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 506
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 507
١٨

عبد الله بن مسعود

ابن أم عبد

الكنية: أبو عبد الرحمن · الوفاة: 32 هـ / 653 م، المدينة المنورة

نسبه وصفته

١٨ | ٢-١عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، الإمام الحبر، فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن المكي المهاجري البدري، حليف بني زهرة، كان من السابقين الأولين، ومن النجباء العالمين، شهد بدراً، وهاجر الهجرتين. وأمه أم عبد من بني زهرة، فكان يُعرف بها، فيقال له: ابن أم عبد. وكان رجلاً نحيفاً قصيراً شديد الأدمة، قال إبراهيم: كان عبد الله لطيفاً فطناً.[٢]

إسلامه

١٨ | ٣-١قال ابن مسعود: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمرّ بي رسول الله ﷺ وأبو بكر فقال: يا غلام، هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ فأتيته بشاة، فمسح ضرعها فنزل لبن، فحلب في إناء فشرب وسقى أبا بكر. ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله، علّمني من هذا القول، فمسح رأسي وقال: يرحمك الله، إنك غُليّم معلَّم. قال الذهبي: هذا حديث صحيح الإسناد.[٣]

١٨ | ٣-٢وقال: لقد رأيتني سادس ستة، وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا. وأسلم قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم. ولما قال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء عنك، وكان فيهم ابن مسعود، نزلت: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي.[٤، ٥]

١٨ | ٣-٤واجتمع يوماً أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يُجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه، قال: دعوني فإن الله سيمنعني. فغدا حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها، فقرأ رافعاً بها صوته: الرحمن علّم القرآن، فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثّروا في وجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غداً.[٧]

صاحب سواد رسول الله ﷺ

١٨ | ٤-١كان ابن مسعود صاحب سواد رسول الله ﷺ، يعني سرّه، ووساده يعني فراشه، وسواكه ونعليه وطهوره، وقال له رسول الله ﷺ: إذنك عليّ أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي حتى أنهاك. وقال أبو موسى: قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً وما نحسب ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي ﷺ، لكثرة دخولهم وخروجهم عليه.[٩]

١٨ | ٤-٢وشهد بدراً، قال عبد الله: انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع يذبّ الناس بسيفه، فقلت: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، فأصبت يده فندر سيفه، فأخذته فضربته به حتى برد، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقام معي حتى قام عليه فقال: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه الأمة.[١٠]

قارئ القرآن وفقيه الأمة

١٨ | ٥-١مرّ رسول الله ﷺ بين أبي بكر وعمر، وعبد الله قائم يصلّي، فافتتح سورة النساء، فقال ﷺ: من أحب أن يقرأ القرآن غضّاً كما أُنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد، فأخذ عبد الله في الدعاء، فجعل رسول الله ﷺ يقول: سل تُعط، فكان فيما سأل: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتدّ، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنان الخلد. فأتى عمر عبد الله يبشّره فوجد أبا بكر قد سبقه، فقال: إنك لسبّاق بالخير.[١١]

١٨ | ٥-٢وقال عبد الله: قال لي رسول الله ﷺ: اقرأ عليّ القرآن، قلت: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، فغمزني برجله، فإذا عيناه تذرفان. وقال: والذي لا إله غيره لقد قرأت من في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة.[١٢، ١٣]

١٨ | ٥-٤وصعد ابن مسعود شجرة، فجعلوا يضحكون من دقّة ساقيه، فقال النبي ﷺ: لهما في الميزان أثقل من أحد. وقال حذيفة: ما أعلم أحداً أقرب سمتاً ولا هدياً ولا دلّاً من رسول الله ﷺ حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد. وقال أبو مسعود الأنصاري: والله ما أعلم النبي ﷺ ترك أحداً أعلم بكتاب الله من هذا القائم.[١٥، ١٦، ١٣]

معلّم الكوفة

١٨ | ٦-١كتب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: إني قد بعثت إليكم عماراً أميراً، وابن مسعود معلّماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي. وجاء رجل إلى عمر فقال: تركت بالكوفة رجلاً يملي المصاحف عن ظهر قلب، فغضب عمر وقال: ومن هو ويحك؟ قال: ابن مسعود، فما زال يطفئ غضبه حتى عاد إلى حاله ثم قال: والله ما أعلم بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه.[١٧، ١١]

١٨ | ٦-٢وكان يقول: كنا إذا تعلّمنا من النبي ﷺ عشر آيات لم نتعلّم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها. وسُئل علي عن ابن مسعود فقال: قرأ القرآن ثم وقف عنده، وكفى به. ولما بعث إليه عثمان يأمره بالمجيء إلى المدينة اجتمع إليه الناس فقالوا: أقم فلا تخرج ونحن نمنعك، فقال: إن له عليّ طاعة، وإنها ستكون أمور وفتن لا أحب أن أكون أول من فتحها، فردّ الناس وخرج إليه.[١٨]

مرضه ووفاته

١٨ | ٨-١مرض عبد الله فعاده عثمان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه. وأوصى إلى الزبير أن يصلّي عليه.[٢١]

١٨ | ٨-٢ومات ابن مسعود بالمدينة، ودُفن بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين، وعاش بضعاً وستين سنة. ولما مات قال أحد صاحبيه أبي مسعود وأبي موسى للآخر: أتراه ترك بعده مثله؟ قال: لئن قلت ذاك لقد كان يُؤذن له إذا حُجبنا، ويشهد إذا غبنا.[٢٢، ٢٣]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 461-462
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 465
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 464
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 466
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 314-315
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 468-469
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 482-483
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 475-476
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 480
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 471
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 479-480
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 484
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 486
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 489-490
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 498-499
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 499
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 467-468
١٩

عبد الله بن عباس

حبر الأمة، البحر، ترجمان القرآن

الكنية: أبو العباس · المولد: 3 قبل الهجرة · الوفاة: 68 هـ / 687 م، الطائف

مولده ونسبه

١٩ | ٢-١حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله ﷺ، العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المكي الأمير. مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، قال الواقدي: لا خلاف أنه وُلد في الشعب وبنو هاشم محصورون. وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، أخت أم المؤمنين ميمونة.[٢، ٣]

١٩ | ٢-٢وكان وسيماً جميلاً، مديد القامة، مهيباً، كامل العقل، ذكيّ النفس، من رجال الكمال، وكان أبيض طويلاً مشرباً صفرة، جسيماً، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء. وقال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلا ذكرت وجه ابن عباس.[٤، ٥]

دعوة رسول الله ﷺ

١٩ | ٣-١قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء، وانتقل مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وصحب النبي ﷺ نحواً من ثلاثين شهراً. وقال: بتّ في بيت خالتي ميمونة، فوضعت للنبي ﷺ غسلاً، فقال: من وضع هذا؟ قالوا: عبد الله، فقال: اللهم علّمه التأويل، وفقّهه في الدين. وقال: مسح النبي ﷺ رأسي ودعا لي بالحكمة.[٦، ٧]

١٩ | ٣-٢وقال: أقبلت على أتان وقد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلّي بالناس بمنى. قال الذهبي: وهذا أثبت مما نُقل في سنّه، وقال الزبير بن بكار: توفي رسول الله ﷺ ولابن عباس ثلاث عشرة سنة.[٨]

طلبه العلم

١٩ | ٤-١قال ابن عباس: لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلمّ نسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى؟ فترك ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسّد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليّ التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ألا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسألك. فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني.[٩]

١٩ | ٤-٢وقال: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ. وقال: وجدت عامة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لآتي الرجل منهم فيقال: هو نائم، فلو شئت أن يوقظ لي، فأدعه حتى يخرج لأستطيب بذلك قلبه.[١٠]

فتى الكهول

١٩ | ٥-١كان ناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم، فقال عمر: أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عن هذه السورة: إذا جاء نصر الله، فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً أن يحمده ويستغفره، فقال عمر: يا ابن عباس، تكلّم، فقال: أعلمه متى يموت، أي فهي آيتك من الموت، فسبّح بحمد ربك واستغفره.[١١]

١٩ | ٥-٣وقال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سؤولاً، وقلباً عقولاً. وقال سعد بن أبي وقاص: ما رأيت أحداً أحضر فهماً، ولا ألبّ لبّاً، ولا أكثر علماً، ولا أوسع حلماً من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر. وقال ابن مسعود: لنعم ترجمان القرآن ابن عباس، وقال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد.[١٣، ١٤]

١٩ | ٥-٤وقال أبوه العباس: يا بنيّ، إن عمر يدنيك، فاحفظ عني ثلاثاً: لا تفشينّ له سراً، ولا تغتابنّ عنده أحداً، ولا يجرّبنّ عليك كذباً. وكان ابن عباس يُسمّى البحر لكثرة علمه، وخطب وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور فجعل يقرأ ويفسّر، فقال أبو وائل: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت. وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدّث قلت: أعلم الناس.[١٥، ١٦]

١٩ | ٥-٥وصحبه ابن أبي مليكة من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل، ويرتّل القرآن حرفاً حرفاً، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب، وقرأ: وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنت منه تحيد، فجعل يرتّل ويكثر في ذلك النشيج. وقال أبو رجاء: رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشراك البالي من البكاء.[١٧، ١٨]

مع علي

١٩ | ٦-١أمره عثمان أن يحج بالناس، فحج، ثم رجع فوجد عثمان قد قُتل. ولما بويع علي قال لابن عباس: اذهب على إمرة الشام، فقال: ما هذا برأي، ولكن اكتب إلى معاوية فمنّه وعِده. وأقام علي بعد وقعة الجمل بالبصرة خمسين ليلة، ثم سار إلى الكوفة واستخلف ابن عباس على البصرة، وكان على الميسرة يوم صفين، ثم رُدّ بعد إلى ولاية البصرة. وأشار على علي ألا يحكّم أبا موسى، وقال: ولّني أو فولّ الأحنف، فأراد علي ذلك فغلبوه على رأيه.[٢٠، ٢١]

١٩ | ٦-٢وقدم عليه أبو أيوب الأنصاري البصرة، ففرّغ له بيته وقال: لأصنعنّ بك كما صنعت برسول الله ﷺ، ثم قال: كم دينك؟ قال: عشرون ألفاً، فأعطاه أربعين ألفاً، وعشرين مملوكاً، وكل ما في البيت.[١٨]

آخر عمره

١٩ | ٨-١ولما وقعت الفتنة بين ابن الزبير وعبد الملك ارتحل ابن عباس ومحمد ابن الحنفية بأهلهما حتى نزلوا مكة، فبعث إليهما ابن الزبير أن بايعا، فأبيا وقالا: أنت وشأنك، لا نعرض لك ولا لغيرك، ثم نزلوا الطائف. ولما عمي أتاه الناس من أهل الطائف ومعهم كتب من كتبه فجعلوا يستقرئونه، فقال: إني قد تلهت من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي فليقرأ عليّ، فإن إقراري له كقراءتي عليه. وهو القائل: إن يأخذ الله من عينيّ نورهما، ففي لساني وقلبي منهما نور.[٢٤]

١٩ | ٨-٢ومات ابن عباس بالطائف، فلما دفنه محمد ابن الحنفية قال: اليوم مات ربّاني هذه الأمة. وقال مجاهد: لقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة. وفي تقريب التهذيب: مات سنة ثمان وستين بالطائف.[٢٥، ٢٦، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 309
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 331-333
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 335-336
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 333
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 336-337
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 332-334
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 337
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 334-336
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 342-343
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 344
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 343
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 345
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 347
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 346
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 350-351
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 342
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 352
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 349
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 353
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 354-357
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 357-358
  22. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 350
٢٠

عبد الله بن عمر

الكنية: أبو عبد الرحمن · الوفاة: 73 هـ / 693 م، مكة المكرمة

نسبه ونشأته

٢٠ | ٢-١عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي، الإمام القدوة شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي ثم المدني. أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه لم يحتلم، وأمه وأم أم المؤمنين حفصة زينب بنت مظعون، أخت عثمان بن مظعون. وكان آدم جسيماً، إزاره إلى نصف الساقين.[٢، ٣]

٢٠ | ٢-٢قال: عُرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وشهد الفتح وله عشرون سنة.[٤، ٥]

٢٠ | ٢-٣وقال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصّها على رسول الله ﷺ، وكنت غلاماً عزباً شاباً، فكنت أنام في المسجد، فرأيت كأن ملكين أتياني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطويّة كطيّ البئر، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فلقينا ملك فقال: لن تراع. فذكرتها لحفصة فقصّتها على رسول الله ﷺ فقال: نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلّي من الليل، فكان بعد لا ينام من الليل إلا القليل.[٦]

اتباعه الأثر

٢٠ | ٣-١كان ابن عمر يتبع أمر رسول الله ﷺ وآثاره وحاله ويهتم به، حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك، وكان يتبع آثار رسول الله ﷺ كل مكان صلّى فيه. وكان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها ويقول: لعل خفّاً يقع على خف، يعني خف راحلة النبي ﷺ. وقال رسول الله ﷺ: لو تركنا هذا الباب للنساء، فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. وقالت عائشة: ما رأيت أحداً ألزم للأمر الأول من ابن عمر.[٧، ٨، ٩]

٢٠ | ٣-٢وكان إذا سمع من رسول الله ﷺ حديثاً لا يزيد ولا ينقص، وما سُمع يذكر النبي ﷺ إلا بكى. وقال الشعبي: جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدّث عن النبي ﷺ إلا حديثاً واحداً. وقال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس.[١٠، ١١]

عبادته وجوده

٢٠ | ٤-١قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما. وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا بقية ليلته، وكان يحيي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع، أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة، فإذا قلت: نعم، قعد يستغفر ويدعو حتى يصبح. وقرأ: يوم يقوم الناس لرب العالمين، فبكى حتى خرّ، وامتنع من قراءة ما بعدها.[١٢، ١٣]

٢٠ | ٤-٣وقال نافع: ما أعجب ابن عمر شيء من ماله إلا قدّمه، بينا هو يسير على ناقته إذ أعجبته فقال: إخ إخ، فأناخها وقال: يا نافع، حطّ عنها الرحل، فجلّلها وقلّدها وجعلها في بُدنه. وأعطاه عبد الله بن جعفر بنافع عشرة آلاف، فقال: فهلّا ما هو خير من ذلك، هو حرّ لوجه الله. وكان يفرّق في المجلس ثلاثين ألفاً، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم، وما مات حتى أعتق ألف إنسان أو زاد، قال الذهبي: إسنادها صحيح.[١٥]

٢٠ | ٤-٤وخرج مع عبد الله بن دينار إلى مكة، فانحدر عليهم راعٍ من جبل، فقال له ابن عمر: بعني شاة من الغنم، قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله؟ فقال ابن عمر: فأين الله! ثم بكى، ثم اشتراه بعد فأعتقه. وكتب إليه رجل: أن اكتب إليّ بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافّ اللسان عن أعراضهم، فافعل.[١٦، ١٧]

زمن الفتنة

٢٠ | ٥-١لما قُتل عثمان قالوا لابن عمر: إنك سيد الناس وابن سيدهم، فاخرج يبايع لك الناس، فقال: لئن استطعت لا يُهراق في محجمة، قالوا: لتخرجنّ أو لتُقتلنّ على فراشك، فأعاد قوله. قال الحسن: أطمعوه وخوّفوه، فما قدروا على شيء منه. وقال أبو موسى يوم التحكيم: لا أرى لهذا الأمر غير عبد الله بن عمر، قال الذهبي: كاد أن تنعقد البيعة له يومئذ، ولكن الله حماه وخار له.[١٨، ١٩]

٢٠ | ٥-٢وقال له مروان بعد موت يزيد: هلمّ يدك نبايعك، فإنك سيد العرب وابن سيدها، قال: كيف أصنع بأهل المشرق؟ قال: نضربهم حتى يبايعوا، قال: والله ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة، وأنه قُتل في سيفي رجل واحد. وأتاه رجل فقال: ما يحملك على أن تحج عاماً وتعتمر عاماً وتترك الجهاد؟ فقال: بُني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، وصلاة الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. وكان يقول: من قال حيّ على الصلاة أجبته، ومن قال حيّ على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله فلا.[١٦، ٢٠]

٢٠ | ٥-٣ولما اجتمعوا على عبد الملك كتب إليه ابن عمر: أما بعد، فإني قد بايعت لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة. وقال ابن عمر حين احتضر: ما أجد في نفسي شيئاً إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب.[٢١]

وفاته

٢٠ | ٦-١أصابت ابن عمر عارضة محمل بين أصبعيه عند الجمرة فمرض، فدخل عليه الحجاج، فلما رآه ابن عمر غمّض عينيه، فكلّمه الحجاج فلم يكلّمه. وأوصى رجلاً يغسّله، فجعل يدلكه بالمسك. وقال سالم: أوصاني أن أدفنه خارج الحرم فلم نقدر.[٢٢، ٢٣]

٢٠ | ٦-٢واختلفوا في سنة وفاته، فقال أبو نعيم وجماعة: مات سنة ثلاث وسبعين، وقال خليفة وغيره: سنة أربع وسبعين، قال الذهبي: والظاهر أنه توفي في آخر سنة ثلاث، بمكة. قال سعيد بن المسيب: كان ابن عمر يوم مات خير من بقي.[٢٤، ٢٥]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 203-204
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 209
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 204
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 209-210
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 210
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 213
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 237
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 211
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 213-214
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 221
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 215
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 235-236
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 217-219
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 216
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 222
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 239
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 226-227
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 228
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 231-232
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 229
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 231
  22. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 232
  23. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 212
٢١

أبو هريرة

حافظ الصحابة

الكنية: أبو هريرة · الوفاة: 57 هـ / 677 م، المدينة المنورة

اسمه وكنيته

٢١ | ٢-١الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ، أبو هريرة الدوسي اليماني، سيد الحفاظ الأثبات. اختُلف في اسمه على أقوال جمّة، أرجحها: عبد الرحمن بن صخر، ويقال: كان في الجاهلية اسمه عبد شمس. وأمه ميمونة بنت صبيح. والمشهور عنه أنه كُني بأولاد هرّة برية، قال: كنت أرعى غنماً لأهلي، فكانت لي هريرة ألعب بها فكنّوني بها. وكان يقول: كان النبي ﷺ يدعوني أبا هرّ.[٢، ٣]

٢١ | ٢-٢وقال من وصفه: كان رجلاً آدم، بعيد المنكبين، أفرق الثنيّتين، ذا ضفيرتين. وقال ابن سيرين: كان ليّناً، وكان أبيض، لحيته حمراء، يخضب.[٤]

هجرته

٢١ | ٣-١كان مقدمه وإسلامه في أول سنة سبع، عام خيبر. قال أبو هريرة: لما قدمت على النبي ﷺ قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها، على أنها من دارة الكفر نجّت. وأبق لي غلام، فلما قدمت وبايعت إذ طلع الغلام، فقال النبي ﷺ: هذا غلامك يا أبا هريرة؟ قلت: هو حرّ لوجه الله، فأعتقته.[٥، ٦]

٢١ | ٣-٢وقال: خرج النبي ﷺ إلى خيبر، وقدمت المدينة مهاجراً، فصلّيت الصبح خلف سباع بن عرفطة، كان استخلفه، فقرأ في السجدة الأولى بسورة مريم، وفي الآخرة: ويل للمطففين. وصحب رسول الله ﷺ أربع سنين، قال الذهبي: وهذا أصح، فمن فتوح خيبر إلى الوفاة أربعة أعوام وليال.[٧]

من مساكين الصفة

٢١ | ٤-١وقد جاع أبو هريرة واحتاج ولزم المسجد، قال: لقد رأيتني أُصرع بين القبر والمنبر من الجوع حتى يقولوا: مجنون. وقال: والله إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع. ودخل مع رسول الله ﷺ البيت فوجد لبناً في قدح، فقال: يا أبا هريرة، انطلق إلى أهل الصفة فادعهم، وكان أهل الصفة أضياف الإسلام، لا أهل ولا مال.[٨]

٢١ | ٤-٢قال: فساءني إرساله إياي، فقلت: كنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدّ، فأتيتهم فأقبلوا مجيبين، فلما جلسوا قال: خذ يا أبا هريرة فأعطهم، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، حتى أتيت على جميعهم، وناولته رسول الله ﷺ فرفع رأسه إليّ متبسّماً وقال: بقيت أنا وأنت، قال: فاشرب، فشربت، فما زال يقول: اشرب، فأشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغاً، فأخذ فشرب من الفضلة.[٩]

٢١ | ٤-٣وقال أبو هريرة: إن أمي كانت مشركة، وكنت أدعوها إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: اللهم اهد أم أبي هريرة، فخرجت أعدو أبشّرها، فإذا الباب مجاف، وسمعت خضخضة الماء، ثم فتحت وقد لبست درعها وعجلت عن خمارها، فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله ﷺ أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن. قال الذهبي: إسناده حسن.[١٠]

حافظ الصحابة

٢١ | ٥-١قال أبو هريرة: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، وتقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثله؟ وإن إخواني المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكان إخواني من الأنصار يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأً مسكيناً من مساكين الصفة، وإنه حدّثنا يوماً وقال: من يبسط ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه، فبسطت نمرة عليّ، حتى إذا قضى مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شيء. قال الذهبي: والحديثان صحيحان محفوظان.[١١]

٢١ | ٥-٢وأراد مروان أن يكتب حديثه، فأجلس كاتبه خلف السرير يكتب وهو يسأله، حتى إذا كان رأس الحول دعا به فأقعده من وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك، قال الذهبي: هكذا فليكن الحفظ. وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال أبو هريرة: ما أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثاً مني عنه إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب.[١٢]

٢١ | ٥-٣وسُئل طلحة بن عبيد الله عن أبي هريرة فقال: أما أن يكون سمع ما لم نسمع فلا أشك، إنا كنا أهل بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار، وكان مسكيناً ضيفاً على باب رسول الله ﷺ. وقال ابن عمر: يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه. قال الذهبي: احتجّ المسلمون قديماً وحديثاً بحديثه، لحفظه وجلالته وإتقانه وفقهه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدّب معه ويقول: أفتِ يا أبا هريرة.[١٣، ١٤، ١٥]

الإمارة

٢١ | ٦-١استعمل عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فسأله: من أين هي لك؟ قال: خيل نُتجت، وغلّة رقيق لي، وأعطية تتابعت، فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليولّيه فأبى، فقال: تكره العمل وقد طلب العمل من كان خيراً منك، يوسف عليه السلام؟ فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يُضرب ظهري، ويُنتزع مالي، ويُشتم عرضي.[١٦]

٢١ | ٦-٢وكان أبو هريرة أجيراً لبسرة بنت غزوان بعقبة رجله وطعام بطنه، فزوّجه الله إياها، فكان يكبّر ويقول: الحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً، بعد أن كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه. وكان مروان ربما استخلفه على المدينة، فيركب حماراً ببرذعة، ويلقى الرجل فيقول: الطريق، قد جاء الأمير. وأقبل في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للأمير.[١٧، ١٨]

٢١ | ٦-٣وتضيّفه أبو عثمان النهدي سبعاً، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً، يصلّي هذا ثم يوقظ هذا. وكان إذا مرّت به جنازة قال: اغدوا فإنا رائحون، وروحوا فإنا غادون.[١٥، ١٩]

وفاته

٢١ | ٧-١بكى أبو هريرة في مرضه، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن على بعد سفري وقلّة زادي، وأني أمسيت في صعود ومهبطه على جنة أو نار، فلا أدري أيهما يؤخذ بي. ودخل عليه مروان في شكواه فقال: شفاك الله يا أبا هريرة، فقال: اللهم إني أحب لقاءك فأحبّ لقائي، فما بلغ مروان أصحاب القطا حتى مات.[٢٠]

٢١ | ٧-٢وصلّى على أبي هريرة الأمير الوليد بن عتبة بعد العصر، وشيّعه ابن عمر وأبو سعيد، ودُفن بالبقيع. وكان ابن عمر في جنازته يكثر الترحّم عليه ويقول: كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين. وقال هشام بن عروة: إن عائشة وأبا هريرة ماتا سنة سبع وخمسين، وتابعه ابن المديني وخليفة وغيرهما، وقيل: سنة ثمان، وقيل: تسع وخمسين.[٢١، ٢٢]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 578-579
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 587-588
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 588
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 586
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 622
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 589-590
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 590-591
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 592
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 593
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 594-595
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 598-599
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 605-606
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 603-604
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 609
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 612
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 611-612
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 614
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 615
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 625
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 626-627
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 604
٢٢

أنس بن مالك

خادم رسول الله ﷺ

الكنية: أبو حمزة · الوفاة: 93 هـ / 712 م، البصرة

نسبه

٢٢ | ٢-١أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام، من بني عدي بن النجار، الإمام المفتي المقرئ المحدّث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله ﷺ وقرابته من النساء، وتلميذه وتبعه، وآخر أصحابه موتاً. وأمه أم سليم بنت ملحان، وخالته أم حرام. قال أنس: كنّاني النبي ﷺ أبا حمزة ببقلة اجتنيتها.[٢، ٣]

خادم رسول الله ﷺ

٢٢ | ٣-١قال أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكنّ أمهاتي يحثثنني على خدمة رسول الله ﷺ. وقال: جاءت بي أم سليم إلى رسول الله ﷺ، قد أزّرتني بنصف خمارها وردّتني ببعضه، فقالت: يا رسول الله، هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: اللهم أكثر ماله وولده. قال: فخدمته عشر سنين، فما ضربني، ولا سبّني، ولا عبس في وجهي.[٤]

٢٢ | ٣-٢فصحب أنس نبيه ﷺ أتم الصحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة. وخرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر وهو غلام يخدمه، قال الذهبي: لم يعدّه أصحاب المغازي في البدريين لكونه حضرها صبياً ما قاتل، بل بقي في رحال الجيش. وكان النبي ﷺ يقول له: يا ذا الأذنين.[٤، ٥]

بركة الدعوة

٢٢ | ٤-١قال أنس: دعا لي رسول الله ﷺ فقال: اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، فالله أكثر مالي، حتى إن كرماً لي لتحمل في السنة مرتين، ووُلد لصلبي مائة وستة. وقال: فإني لمن أكثر الأنصار مالاً، وحدّثتني أمينة ابنتي أنه دُفن من صلبي إلى مقدم الحجاج البصرة تسعة وعشرون ومائة.[٦]

٢٢ | ٤-٢وقال أبو هريرة: ما رأيت أحداً أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من ابن أم سليم، يعني أنساً. وكان أنس يصلّي حتى تفطر قدماه دماً مما يطيل القيام. وجاءه قيّم أرضه فقال: عطشت أرضوك، فتردّى أنس، ثم خرج إلى البرية فصلّى ودعا، فثارت سحابة فغشيت أرضه ومطرت حتى ملأت صهريجه، وذلك في الصيف، قال الذهبي: هذه كرامة بيّنة ثبتت بإسنادين.[٧]

٢٢ | ٤-٣وكان أنس يقول: ما بقي أحد صلّى القبلتين غيري، وقال: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي، ثم يبكي. وقيل له: ألا تحدّثنا؟ قال: يا بنيّ، إنه من يُكثر يُهجر.[٨]

بعد رسول الله ﷺ

٢٢ | ٥-١بعث أبو بكر الصديق إلى أنس ليوجّهه على البحرين ساعياً، فدخل عليه عمر فقال: إني أردت أن أبعث هذا على البحرين وهو فتى شاب، قال: ابعثه فإنه لبيب كاتب، فبعثه، فلما قُبض أبو بكر قدم أنس على عمر، فقال: هات ما جئت به، قال: يا أمير المؤمنين، البيعة أولاً، فبسط يده. وشهد أنس فتح تستر، فقدم على عمر بصاحبها الهرمزان فأسلم.[٩]

٢٢ | ٥-٢ولما آذاه الحجاج كتب أنس إلى عبد الملك بن مروان: إني خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، والله لو أن النصارى أدركوا رجلاً خدم نبيهم لأكرموه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج: إذا جاءك كتابي فقم إلى أنس حتى تعتذر إليه، فأقبل الحجاج إليه. وكان أنس يقول: يقولون: لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب، وقد جمع الله حبهما في قلوبنا.[٥، ١٠]

وفاته

٢٢ | ٧-١ضعف أنس عن الصوم في آخر عمره، فصنع جفنة من ثريد، ودعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم. واختلفوا في موته، فقيل: سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين، وقال عدة، وهو الأصح: مات سنة ثلاث وتسعين، فيكون عمره على هذا مائة وثلاث سنين. ومسنده ألفان ومائتان وستة وثمانون حديثاً.[١٥]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 395-396
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 398
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 397-398
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 402
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 399
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 400-401
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 403
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 401-402
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 404-405
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 405-406
٢٣

معاذ بن جبل

الكنية: أبو عبد الرحمن · الوفاة: 18 هـ / 639 م، الأردن

نسبه وصفته

٢٣ | ٢-١معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ الأنصاري الخزرجي، السيد الإمام، أبو عبد الرحمن المدني البدري، شهد العقبة شاباً أمرد مع السبعين، وشهد بدراً وله عشرون سنة أو إحدى وعشرون، وأسلم وله ثماني عشرة سنة. وكان طويلاً، حسن الثغر، عظيم العينين، أبيض، جعداً.[٢]

٢٣ | ٢-٢وقال أبو مسلم الخولاني: دخلت مسجد حمص، فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلاً من الصحابة، فإذا فيهم شاب أكحل العينين برّاق الثنايا ساكت، فإذا امترى القوم أقبلوا عليه فسألوه، فقلت: من هذا؟ قيل: معاذ بن جبل، فوقعت محبته في قلبي.[٣]

أعلم الأمة بالحلال والحرام

٢٣ | ٣-١قال أنس: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار، منهم معاذ بن جبل. وقال رسول الله ﷺ: خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبيّ، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة. وعن أنس مرفوعاً: أعلمهم بالحلال والحرام معاذ. وكان الذين يفتون على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة من المهاجرين: عمر وعثمان وعلي، وثلاثة من الأنصار: أبيّ ومعاذ وزيد.[٤، ٥]

٢٣ | ٣-٢ولقيه النبي ﷺ فقال: يا معاذ، إني لأحبك في الله، قال: وأنا والله يا رسول الله أحبك في الله، قال: أفلا أعلّمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ولما فتح رسول الله ﷺ مكة استخلف عليها عتّاب بن أسيد يصلّي بهم، وخلّف معاذاً يقرئهم ويفقّههم.[٦، ٧]

٢٣ | ٣-٣وقرأ ابن مسعود: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً، ثم قال: إن الأمة معلّم الخير، والقانت المطيع، وإن معاذاً كان كذلك. وخطب عمر بالجابية فقال: من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل. وكان أصحاب محمد ﷺ إذا تحدّثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبة له.[٨]

إلى اليمن

٢٣ | ٤-١لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قال له: كيف تقضي إن عرض قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما قضى به رسول الله ﷺ، قال: فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. وبعثه هو وأبا موسى وقال لهما: يسّرا ولا تعسّرا، وتطاوعا ولا تنفّرا.[٩]

٢٣ | ٤-٢وخرج رسول الله ﷺ يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمرّ بمسجدي وقبري، فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله ﷺ. وتوفي رسول الله ﷺ وعامله على الجند معاذ.[١٠، ٦]

٢٣ | ٤-٣وكان معاذ شاباً جميلاً سمحاً، لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه، حتى كان عليه دين أغلق ماله كله، فباع ماله وقسمه بين غرمائه، ثم بعثه رسول الله ﷺ على اليمن ليجبره. فلما قدم على أبي بكر قال له عمر: ادفع هذا المال إلى أبي بكر، فأبى، ثم رأى في منامه كأنه يُجرّ إلى النار وعمر آخذ بحجزته، فانطلق إلى أبي بكر بكل ما جاء به حتى جاءه بسوطه، فقال أبو بكر: هو لك، لا آخذ منه شيئاً، فقال عمر: هذا حين حلّ وطاب. وخرج معاذ عند ذلك إلى الشام.[١١]

طاعون عمواس

٢٣ | ٥-١لما أُصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف معاذ بن جبل، واشتدّ الوجع، فصرخ الناس إلى معاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز، قال: إنه ليس برجز، ولكن دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخصّ الله بها من يشاء منكم. وقال: اللهم اجعل نصيب آل معاذ الأوفر، فماتت ابنتاه فدفنهما في قبر واحد، وطُعن ابنه عبد الرحمن.[١٢]

٢٣ | ٥-٢وطُعن معاذ في كفه، فجعل يقلّبها ويقول: هي أحب إليّ من حمر النعم. ورأى رجلاً يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: أبكي على العلم الذي كنت أصيبه منك، قال: فإن أنا متّ فاطلب العلم عند أربعة: عبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن سلام، وعويمر أبي الدرداء. وكان يُغمى عليه ويفيق ويقول: اخنق خنقك، فوعزتك إني لأحبك.[١٣]

٢٣ | ٥-٣وتوفي معاذ بقصير خالد من الأردن سنة ثماني عشرة، واختُلف في سنّه، فقال ابن المسيب: قُبض وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة.[١٤]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 443-445
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 453
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 445-446
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 451-452
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 450
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 447
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 451-453
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 448-449
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 448
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 453-454
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 457-458
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 458-460
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 460-461
٢٤

أُبيّ بن كعب

سيد القرّاء

الكنية: أبو المنذر، أبو الطفيل · الوفاة: المدينة المنورة

نسبه وصفته

٢٤ | ٢-١أُبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، سيد القرّاء، أبو المنذر الأنصاري النجاري المدني المقرئ البدري، ويُكنى أيضاً أبا الطفيل. شهد العقبة وبدراً، وجمع القرآن في حياة النبي ﷺ، وعرض على النبي ﷺ، وحفظ عنه علماً مباركاً، وكان رأساً في العلم والعمل. وكان رجلاً ربعة، نحيفاً، أبيض الرأس واللحية.[٢، ٣]

سيد القرّاء

٢٤ | ٣-١قال أنس: قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: الله سمّاني لك؟ قال: نعم، قال: وذُكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم، فذرفت عيناه. وقيل لأبيّ: فرحت بذلك؟ قال: وما يمنعني وهو تعالى يقول: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.[٤، ٥]

٢٤ | ٣-٣وسأل النبي ﷺ أبيّاً: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فضرب النبي ﷺ في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر. وقال أنس: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. وقال رسول الله ﷺ: أقرأ أمتي أُبيّ.[٧]

٢٤ | ٣-٥وقال عمر: أقضانا علي، وأقرؤنا أبيّ. وخطب عمر بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيداً، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذاً. وجمع عمر الناس على أبي بن كعب في قيام رمضان.[٩، ٥، ١٠]

علمه وعبادته

٢٤ | ٤-١قال رجل لأبي بن كعب: أوصني، قال: اتخذ كتاب الله إماماً، وارض به قاضياً وحكماً، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مطاع، وشاهد لا يُتّهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم. وكان صاحب عبادة، فلما احتاج الناس إليه ترك العبادة وجلس للقوم.[١١، ١٢]

٢٤ | ٤-٢وسأل أبيّ رسول الله ﷺ: ما جزاء الحمى؟ قال: تجري الحسنات على صاحبها، فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجاً في سبيلك، فلم يمس أبيّ قط إلا وبه الحمى. وأتى رجل عمر وإلى جنبه رجل أبيض الرأس واللحية والثياب، فقال الرجل: إن الدنيا فيها بلاغنا وزادنا إلى الآخرة، وفيها أعمالنا التي نُجزى بها، فقيل: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا سيد المسلمين أبي بن كعب. وقال له أبيّ: ما لك لا تستعملني؟ قال: أكره أن يدنّس دينك.[١٣، ١٤]

وفاته

٢٤ | ٥-١قال عتيّ بن ضمرة: رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم، فقلت: ما شأن هؤلاء؟ فقالوا: مات اليوم سيد المسلمين أبي بن كعب. واختُلف في سنة موته، قال الذهبي: والظاهر وفاة أبيّ في زمن عمر، وقال ابن نمير وأبو عبيد: مات سنة اثنتين وعشرين، فالنفس إلى هذا أميل.[١٥، ١٦]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 389-390
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 402
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 390
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 394
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 391-392
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 391
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 400-401
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 392-393
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 399
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 392
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 398-399
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 397-398
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 400
٢٥

زيد بن ثابت

كاتب الوحي

الكنية: أبو سعيد، وأبو خارجة · الوفاة: 45 هـ / 665 م، المدينة المنورة

نسبه ونشأته

٢٥ | ٢-١زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان، من بني مالك بن النجار، الإمام الكبير، شيخ المقرئين والفرضيين، مفتي المدينة، أبو سعيد وأبو خارجة الخزرجي النجاري الأنصاري، كاتب الوحي. وقد قُتل أبوه قبل الهجرة يوم بعاث، فرُبّي زيد يتيماً، وكان أحد الأذكياء.[٢]

غلام من بني النجار

٢٥ | ٣-١قال زيد: أُتي بي النبي ﷺ مقدمه المدينة، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أُنزل عليك سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله ﷺ فأعجبه ذلك، وقال: يا زيد، تعلّم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمنهم على كتابي. قال: فتعلّمته، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، وكنت أكتب لرسول الله ﷺ إذا كتب إليهم. وكان يومئذ ابن إحدى عشرة سنة.[٣]

٢٥ | ٣-٢وقال زيد: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي بعث إليّ فكتبته. وقال البراء: قال لي رسول الله ﷺ: ادع لي زيداً، وقل له يجيء بالكتف والدواة، فقال: اكتب: لا يستوي القاعدون. وقال زيد: أُجزت في الخندق، وكساني رسول الله ﷺ قبطية.[٤، ٥]

جمع القرآن

٢٥ | ٤-١قال زيد: إن أبا بكر قال له: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبّع القرآن فاجمعه، فقلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فكنت أتتبّع القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال.[٧]

٢٥ | ٤-٢فكانت تلك الصحف عند الصديق، ثم تسلّمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة. وقال عثمان: هلّا غضب ابن مسعود على أبي بكر وعمر إذ عزلاه عن ذلك وولّيا زيداً، فاتبعت فعلهما. وقال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين: الفرائض والقرآن. وعن النبي ﷺ: أفرض أمتي زيد بن ثابت، صحّحه الترمذي.[٨، ٩، ١٠]

عالم المدينة

٢٥ | ٥-١لما توفي رسول الله ﷺ قام خطباء الأنصار فقالوا: رجل منا ورجل منكم، فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله كان من المهاجرين، وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره، فقال أبو بكر: جزاكم الله خيراً يا معشر الأنصار، وثبّت قائلكم. قال الذهبي: هذا إسناد صحيح.[١١]

٢٥ | ٥-٢وكان عمر يستخلف زيداً في كل سفر، وقال ابن عمر: كان عالم الناس في خلافة عمر وحبرها، فرّقهم عمر في البلدان ونهاهم أن يفتوا برأيهم، وحبس زيد بن ثابت بالمدينة يفتي أهلها. واستعمله عمر على القضاء وفرض له رزقاً، وهو الذي تولّى قسمة الغنائم يوم اليرموك.[١٢، ١٣]

٢٥ | ٥-٣وأخذ ابن عباس لزيد بركابه، فقال: تنحّ يا ابن عم رسول الله ﷺ، فقال: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا. وكان زيد إذا سُئل عن الأمر قال: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم، حدّث فيه بالذي يعلم، وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. وكان من أفكه الناس في أهله، وأزمته عند القوم.[١٤]

٢٥ | ٥-٤ولما حُصر عثمان أتاه زيد بن ثابت فدخل عليه الدار، فقال له عثمان: أنت خارج الدار أنفع لي منك ها هنا، فذبّ عني، فخرج فكان يذبّ الناس ويقول: يا للأنصار، كونوا أنصاراً لله مرتين، انصروه، والله إن دمه لحرام.[٩]

دُفن اليوم علم كثير

٢٥ | ٧-١لما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً. وجلسوا إلى ابن عباس في ظل فقال: هكذا ذهاب العلماء، دُفن اليوم علم كثير. وصلّى عليه مروان، وفيه يقول حسان بن ثابت: فمن للقوافي بعد حسان وابنه، ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت.[١٦]

٢٥ | ٧-٢واختلفوا في وفاة زيد على أقوال، فقال الواقدي: مات سنة خمس وأربعين عن ست وخمسين سنة، وقال أحمد بن حنبل: سنة إحدى وخمسين، وقال يحيى بن معين: سنة خمس وخمسين.[٨]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 426-427
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 428-429
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 429-430
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 432-433
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 431
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 441
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 435
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 411-412
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 433
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 434-435
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 427
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 437-439
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 439-440
٢٦

سلمان الفارسي

سلمان الخير، سابق الفرس

الكنية: أبو عبد الله · الوفاة: 34 هـ، المدائن

نسبه وصفته

٢٦ | ٢-١سلمان ابن الإسلام، أبو عبد الله الفارسي، سابق الفرس إلى الإسلام، صحب النبي ﷺ وخدمه وحدّث عنه. وكان لبيباً حازماً، من عقلاء الرجال وعبّادهم ونبلائهم. وقال ابن عباس: حدّثني سلمان وأنا أسمع من فيه قال: كنت رجلاً فارسياً من أهل أصبهان من قرية يقال لها جيّ، وكان أبي دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، حتى حبسني في بيته كما تُحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها.[٢، ٣]

رحلته في طلب الدين

٢٦ | ٣-١فبعثه أبوه يوماً إلى ضيعة له، فمرّ بكنيسة للنصارى فسمع أصواتهم وهم يصلّون، فدخل عليهم فأعجبته صلاتهم وقال: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، وسألهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. فلما رجع إلى أبيه وأخبره خافه، فجعل في رجله قيداً وحبسه في بيته. فبعث إلى النصارى: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني، فلما أرادوا الرجعة ألقى الحديد من رجله وخرج معهم حتى قدم الشام.[٤]

٢٦ | ٣-٢فأقام في الشام مع أسقف كان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة فإذا جمعوها اكتنزها لنفسه، فلما مات دلّهم سلمان على كنزه، فجعلوا مكانه رجلاً صالحاً، قال سلمان: فما رأيت رجلاً لا يصلّي الخمس أرى أنه كان أفضل منه، ولا أزهد في الدنيا. فلما حضرته الوفاة أوصى به إلى رجل بالموصل، ثم أوصى به صاحب الموصل إلى رجل بنصيبين، ثم أوصى به صاحب نصيبين إلى رجل بعمورية من أرض الروم.[٥]

٢٦ | ٣-٣فلما حضر صاحب عمورية قال له: أي بنيّ، والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه، ولكنه قد أظلّ زمان نبي، وهو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرّتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة.[٦]

لقاؤه رسول الله ﷺ وإسلامه

٢٦ | ٤-١فمرّ به نفر من كلب تجار، فقال: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي وغنيمتي، فلما بلغوا وادي القرى ظلموه فباعوه من رجل يهودي عبداً، ثم ابتاعه ابن عم له من بني قريظة فاحتمله إلى المدينة، قال: فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي. فبينا هو في رأس عذق لسيده إذ أقبل ابن عم له فقال: إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي، قال: فأخذتني العرواء حتى ظننت أني سأسقط على سيدي.[٧]

٢٦ | ٤-٢فلما أمسى أخذ شيئاً كان عنده فذهب به إلى رسول الله ﷺ بقباء فقال: هذا شيء كان عندي للصدقة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: كلوا، وأمسك يده فلم يأكل، فقال سلمان في نفسه: هذه واحدة. ثم جاءه بشيء آخر فقال: هذه هدية أكرمتك بها، فأكل منها، فقال: هاتان ثنتان. ثم جاءه وهو ببقيع الغرقد، فاستدار ينظر إلى ظهره، فعرف رسول الله ﷺ أنه يستثبت في شيء وُصف له، فألقى رداءه عن ظهره، فنظر إلى الخاتم فعرفه، فأكبّ عليه يقبّله ويبكي، ثم قصّ عليه حديثه.[٨]

٢٦ | ٤-٣ثم شغل سلمان الرقّ حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد، فقال له رسول الله ﷺ: كاتب يا سلمان، فكاتب صاحبه على ثلاثمائة نخلة يحييها له وأربعين أوقية، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانوه بالنخل حتى اجتمعت ثلاثمائة ودية، فوضعها رسول الله ﷺ بيده، فما ماتت منها ودية واحدة. ثم أُتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب فقال: خذها فأدّها مما عليك، فوزن منها أربعين أوقية فأوفاهم وعتق، فشهد مع رسول الله ﷺ الخندق حرّاً، ثم لم يفته معه مشهد.[٩]

الخندق

٢٦ | ٥-١قال الواقدي: أول مغازي سلمان الفارسي الخندق. وقال ابن هشام: يقال إن سلمان الفارسي أشار به على رسول الله ﷺ. وكان سلمان رجلاً قوياً، فاحتجّ فيه المهاجرون والأنصار يوم الخندق، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ: سلمان منا أهل البيت.[١٠، ١١]

أمير المدائن

٢٦ | ٦-١كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان على ثلاثين ألفاً من الناس يخطب في عباءة يفرش نصفها ويلبس نصفها، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه، ويأكل من سفيف يده. وقال النعمان بن حميد: دخلت مع خالي على سلمان بالمدائن وهو يعمل الخوص، فسمعته يقول: أشتري خوصاً بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهماً فيه، وأنفق درهماً على عيالي، وأتصدّق بدرهم.[١٢]

٢٦ | ٦-٢وكان يستظلّ بالفيء حيث ما دار، ولم يكن له بيت، فقيل له: ألا نبني لك بيتاً تستكنّ به؟ قال: نعم، فلما أدبر القائل سأله: كيف تبنيه؟ قال: إن قمت فيه أصاب رأسك، وإن نمت أصاب رجلك. وآخى رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء.[١٣]

وفاته

٢٦ | ٧-١دخل سعد وابن مسعود على سلمان عند الموت فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ لم نحفظه، قال: ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهماً. وقالت امرأته: لما حضره الموت دعاني وهو في عليّة لها أربعة أبواب فقال: افتحي هذه الأبواب، فإن لي اليوم زوّاراً لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون عليّ، ثم دعا بمسك فقال: انضحيه حول فراشي، فاطّلعت عليه فإذا هو قد أخذ روحه.[١٤]

٢٦ | ٧-٢ومات سلمان في خلافة عثمان بالمدائن، وفي تقريب التهذيب أنه مات سنة أربع وثلاثين.[١٥، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 246
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 505
  3. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 214-215
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 215
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 216-217
  6. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 218
  7. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 218-219
  8. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 219-220
  9. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 220-221
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 540
  11. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 224
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 547
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 547-548
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 552-553
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 554
٢٧

أبو ذر الغفاري

الكنية: أبو ذر · الوفاة: 32 هـ / 652 م، الربذة

نسبه وصفته

٢٧ | ٢-١أبو ذر جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار، أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب محمد ﷺ، قيل: كان خامس خمسة في الإسلام. وكان رأساً في الزهد والصدق والعلم والعمل، قوّالاً بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، على حدّة فيه. وقال الأحنف بن قيس: دخل رجل طُوال آدم، أبيض الرأس واللحية، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر.[٢، ٣]

إسلامه

٢٧ | ٣-١قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلّون الشهر الحرام. وقال: وقد صلّيت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين، قيل: لمن؟ قال: لله، قيل: أين توجّه؟ قال: حيث وجّهني الله. ثم بلغني أن رجلاً بمكة قد خرج يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلّمه، فرجع فقال: والله لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشر، فقلت: لم تشفني.[٣، ٤]

٢٧ | ٣-٢فأخذت جراباً وعصاً ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد، فمرّ عليّ بن أبي طالب فقال: هذا رجل غريب؟ فانطلقت معه، حتى قال لي في اليوم الثالث: ما أمرك وما أقدمك؟ قلت: قد بلغنا أنه قد خرج نبي، قال: أما قد رشدت، هذا وجهي إليه فاتبعني، فدخلنا على النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، اعرض عليّ الإسلام، فعرض عليّ فأسلمت مكاني.[٥]

٢٧ | ٣-٣فقال لي: يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل، فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخنّ بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فضُربت لأموت، فأدركني العباس فأكبّ عليّ وقال: ويلكم، تقتلون رجلاً من غفار ومتجركم وممرّكم على غفار! فأطلقوا عني، فلما أصبحت رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس، فصُنع بي كذلك. أخرجه البخاري ومسلم.[٦]

٢٧ | ٣-٤ثم قال له رسول الله ﷺ: إنه قد وُجّهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلّغ عني قومك؟ فانطلق إلى قومه غفار فأسلم نصفهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا، فلما قدم أسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم فأسلموا، فقال رسول الله ﷺ: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله. أخرجه مسلم.[٤]

مع رسول الله ﷺ

٢٧ | ٤-١لما هاجر النبي ﷺ هاجر إليه أبو ذر ولازمه وجاهد معه، وكان حامل راية غفار يوم حنين. ولما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك قيل: يا رسول الله، تخلّف أبو ذر وأبطأ به بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، وخرج يتبع رسول الله ﷺ، فنظر ناظر فقال: إن هذا لرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله ﷺ: كن أبا ذر، فلما تأمّله القوم قالوا: هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده.[٧، ٨]

٢٧ | ٤-٢وقال أبو ذر: أوصاني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنوّ منهم، وأن أنظر إلى من هو دوني، وألا أسأل أحداً شيئاً، وأن أصل الرحم وإن أدبرت، وأن أقول الحق وإن كان مرّاً، وألا أخاف في الله لومة لائم، وأن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال رسول الله ﷺ: ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر. وسأل رسول الله ﷺ الإمرة فقال: إنك ضعيف، وإنها خزي وندامة إلا من أخذها بحقها.[٩، ١٠، ١١]

الشام ثم الربذة

٢٧ | ٥-١خرج أبو ذر إلى الشام، فكتب معاوية: إنه قد أفسد الشام، فطلبه عثمان، فقال له: كن عندي، قال: لا حاجة لي في دنياكم، ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة، فأذن له، فخرج إليها، وعليها عبد حبشي لعثمان، فتأخّر عن الصلاة لما رأى أبا ذر، فقال أبو ذر: تقدّم فصلّ. وكان رسول الله ﷺ قد قال له: اسمع وأطع ولو لعبد حبشي. ودخل على عثمان فقال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم، ثم استأذنه إلى الربذة.[١٢، ١٣]

٢٧ | ٥-٢وسُئل علي عن أبي ذر فقال: وعى علماً عجز عنه، وكان شحيحاً على دينه، حريصاً على العلم، يكثر السؤال، وقال: أبو ذر وعاء مُلئ علماً، أوكى عليه فلم يخرج منه شيء حتى قُبض.[١٣]

يموت وحده

٢٧ | ٦-١فلما حضرته الوفاة بالربذة أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا متّ فاغسلاني وكفّناني وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرّون بكم فقولا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلا به ذلك، فاطّلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ السرير، فإذا عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر، فاستهلّ ابن مسعود يبكي وقال: صدق رسول الله ﷺ: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجنّه.[١٤]

٢٧ | ٦-٢وسأل ابن سيرين ابن أخت لأبي ذر: ما ترك أبو ذر؟ قال: ترك أتانين وحماراً وأعنزاً وركائب. ومات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان.[١٤، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 638
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 46-47
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 50
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 53
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 53-54
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 54-55
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 46
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 56
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 64
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 59
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 57-58
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 63
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 60
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 57
٢٨

عمار بن ياسر

الكنية: أبو اليقظان · الوفاة: 37 هـ / 657 م، صفين

نسبه وأبواه

٢٨ | ٢-١عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي، الإمام الكبير، أبو اليقظان، المكي، مولى بني مخزوم، أحد السابقين الأولين والأعيان البدريين. قدم أبوه ياسر وأخواه من اليمن إلى مكة يطلبون أخاً لهم، فرجع أخواه وأقام ياسر، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، فزوّجه أمة له اسمها سمية، فولدت له عماراً، فأعتقه أبو حذيفة، فلما جاء الله بالإسلام أسلم عمار وأبواه وأخوه عبد الله.[٢]

٢٨ | ٢-٢ووصفته مولاة لابنته فقالت: كان آدم، طُوالاً، مضطرباً، أشهل العين، بعيد ما بين المنكبين، لا يغيّر شيبه.[٣]

العذاب في الله

٢٨ | ٣-١كان أول من أظهر إسلامه سبعة، منهم عمار وأمه سمية، فأما رسول الله ﷺ وأبو بكر فمنعهما الله بقومهما، وأما سائرهم فألبسهم المشركون أدراع الحديد وصفدوهم في الشمس. وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار وبأبيه وأمه إذا حميت الظهيرة يعذّبونهم برمضاء مكة، فيمرّ بهم رسول الله ﷺ فيقول: صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة، فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام، فكانت أول شهيدة في الإسلام.[٤، ٥]

٢٨ | ٣-٢وأخذ المشركون عماراً فلم يتركوه حتى نال من رسول الله ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبي ﷺ قال: ما وراءك؟ قال: شرّ يا رسول الله، والله ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد. وقال قتادة: إلا من أُكره نزلت في عمار.[٦]

مع رسول الله ﷺ

٢٨ | ٤-١شهد بدراً، وقال ابن مسعود: اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر فيما نأتي به. ولما أمر رسول الله ﷺ ببناء المسجد جعلوا ينقلون لبنة لبنة، وعمار ينقل لبنتين لبنتين، فترب رأسه، فجعل رسول الله ﷺ ينفض رأسه ويقول: ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. قال الذهبي: وفي الباب عن عدة من الصحابة، فهو متواتر.[٨، ٩، ١٠]

٢٨ | ٤-٢واستأذن عمار على النبي ﷺ فقال: من هذا؟ قال: عمار، قال: مرحباً بالطيّب المطيّب، أخرجه الترمذي، وقال ﷺ: عمار مُلئ إيماناً إلى مشاشه. وكان بين خالد بن الوليد وعمار كلام فأغلظ له خالد، فشكاه إلى رسول الله ﷺ فقال: من عادى عماراً عاداه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله، قال خالد: فخرجت فما شيء أحب إليّ من رضى عمار، فلقيته فرضي.[١١، ١٢]

أمير الكوفة

٢٨ | ٥-١كتب عمر إلى أهل الكوفة: أما بعد، فإني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وابن مسعود معلماً ووزيراً، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فاسمعوا لهما وأطيعوا واقتدوا بهما. وكان يقرأ يوم الجمعة على المنبر بياسين. ورآه عبد الله بن أبي الهذيل اشترى قتّاً بدرهم وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة.[١٣]

٢٨ | ٥-٢وعيّره رجل تميمي فقال: أيها الأجدع، فقال عمار: خير أذنيّ سببت، فإنها أُصيبت مع رسول الله ﷺ. ثم عزله عمر، فقال له: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن قلت ذاك، لقد ساءني حين استعملتني، وساءني حين عزلتني. وكان قليل الكلام طويل السكوت، وكان عامة قوله: عائذ بالرحمن من فتنة.[١٤]

ما نزل فيه أو شهد نزوله

٢٨ | ٦-١قال ابن حجر: اتفقوا على أنه نزل فيه استثناء من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان.[١٥]

يوم صفين

٢٨ | ٧-١قال عبد الله بن سلمة: رأيت عماراً يوم صفين شيخاً آدم طُوالاً، وإن الحربة في يده لترعد، فقال: والذي نفسي بيده لقد قاتلت بها مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات، وهذه الرابعة. وقال يوم صفين: ائتوني بشربة لبن، فشرب ثم قال: قال رسول الله ﷺ: إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن، ثم تقدّم فقُتل.[٣، ١٦]

٢٨ | ٧-٢وقال: ادفنوني في ثيابي، فإني رجل مخاصم، وصلّى عليه علي ولم يغسّله. ولما قُتل دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قُتل عمار، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية. وكانت صفين في صفر وبعض ربيع الأول سنة سبع وثلاثين، وقال أبو عاصم: عاش عمار ثلاثاً وتسعين سنة.[١٧]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 406-407
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 408
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 408-409
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 319-320
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 411
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 412
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 418-419
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 421
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 413
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 415
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 421-423
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 422-424
  13. الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ج 4، ص 474
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 425
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 426
٢٩

سعد بن معاذ

الكنية: أبو عمرو · الوفاة: 5 هـ / 627 م، المدينة المنورة

نسبه وصفته

٢٩ | ٢-١سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، السيد الكبير الشهيد، أبو عمرو الأنصاري الأوسي الأشهلي البدري، الذي اهتزّ العرش لموته. وكان رجلاً أبيض، طُوالاً، جميلاً، حسن الوجه، أعين، حسن اللحية، من أعظم الناس وأطولهم.[٢، ٣، ٤]

إسلامه وإسلام قومه

٢٩ | ٣-١خرج أسعد بن زرارة، وهو ابن خالة سعد، بمصعب بن عمير إلى دار بني عبد الأشهل، فقال سعد لأسيد بن حضير: انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفّها ضعفاءنا فازجرهما، فأسلم أسيد، ثم احتال حتى خرج سعد إليهما مغضباً، فقال له مصعب: أوَتقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن، فاغتسل وتشهّد شهادة الحق وركع ركعتين.[٥]

٢٩ | ٣-٢ثم أقبل إلى نادي قومه فقال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله، فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة.[٦، ٧]

٢٩ | ٣-٣وانطلق سعد معتمراً فنزل على أمية بن خلف، فبينا هو يطوف إذ أتاه أبو جهل فقال: أتطوف آمناً وقد آويتم محمداً وأصحابه؟ قال: نعم، فتلاحيا، فقال أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي، فقال سعد: والله لو منعتني لقطعت عليك متجرك بالشام، ثم قال لأمية: إني سمعت محمداً ﷺ يقول إنه قاتلك، قال: والله ما يكذب محمد. فلما خرجوا لبدر أراد أمية ألا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف أهل الوادي فسر معنا يوماً أو يومين، فسار معهم فقتله الله.[٨]

يوم بدر

٢٩ | ٤-١لما بلغ رسول الله ﷺ مسير قريش قال: أشيروا عليّ أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، لأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا. فقال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنّا بك وصدّقناك، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد، إنا لصُبُر في الحرب، صُدُق في اللقاء، فسر بنا على بركة الله. فسُرّ رسول الله ﷺ بقول سعد.[٩]

يوم الخندق والحكم في بني قريظة

٢٩ | ٥-١قالت عائشة: كنت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وأم سعد معي، فمرّ سعد عليه درع مقلّصة قد خرجت منه ذراعه كلها، وفي يده حربة يرفل بها، فرُمي سعد بسهم قطع منه الأكحل، رماه ابن العرقة، فقال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إليّ من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذّبوه وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة.[١٠]

٢٩ | ٥-٢فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، وحسمه بالنار، فاستمسك عرقه، فما قطرت منه قطرة حتى نزلت بنو قريظة على حكم سعد، فجيء به محمولاً على حمار وهو مضنى من جرحه، فحكم أن تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم، فقال رسول الله ﷺ: لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات.[١١، ١٢]

وفاته واهتزاز العرش

٢٩ | ٦-١ثم انفجر جرحه من لبّته، فلم يرعهم إلا والدم يسيل، فمات منها، متفق عليه. وأتاه رسول الله ﷺ وهو يكيد نفسه فقال: جزاك الله خيراً من سيد قوم، فقد أنجزت ما وعدته، ولينجزنّك الله ما وعدك. وقالت عائشة: حضر رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر سعد بن معاذ وهو يموت في القبة التي ضربها عليه رسول الله ﷺ في المسجد، والذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر.[١٣، ١٤]

٢٩ | ٦-٢وتواتر قول النبي ﷺ: إن العرش اهتزّ لموت سعد فرحاً به. وكان سعد بادناً، فلما حملوه وجدوا له خفّة، فقال رجال من المنافقين: ما حملنا أخفّ منه، فقال رسول الله ﷺ: إن له حملة غيركم. وجلس النبي ﷺ على قبره وهو يُدفن فقال: سبحان الله، فسبّح القوم، ثم قال: الله أكبر، فكبّروا، ثم قال: عجبت لهذا العبد الصالح، شُدّد عليه في قبره حتى كان هذا حين فُرّج له. وأُهديت لرسول الله ﷺ جبّة من ديباج فجعلوا يعجبون منها، فقال: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن مما ترون.[١٥، ١٦]

٢٩ | ٦-٣رُمي يوم الخندق سنة خمس من الهجرة، فمات من رميته تلك وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة، فصلّى عليه رسول الله ﷺ، ودُفن بالبقيع. وقالت عائشة: ما كان أحد أشد فقداً على المسلمين بعد النبي ﷺ وصاحبيه من سعد بن معاذ.[١٧، ١٨]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 279
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 289
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 291
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 435-437
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 437
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 280
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 280-281
  8. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 615
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 281-282
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 282-283
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 288-289
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 282
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 285-288
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 283-284
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 291-292
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 289-290
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 1، ص 295-296
٣٠

أبو أيوب الأنصاري

الكنية: أبو أيوب · الوفاة: 52 هـ / 672 م، القسطنطينية

نسبه

٣٠ | ٢-١أبو أيوب الأنصاري، خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، من بني مالك بن النجار بن ثعلبة بن الخزرج، الخزرجي النجاري البدري، السيد الكبير، الذي خصّه النبي ﷺ بالنزول عليه في بني النجار، إلى أن بُنيت له حجرة أم المؤمنين سودة، وبنى المسجد الشريف. شهد العقبة الثانية، وآخى النبي ﷺ بينه وبين مصعب بن عمير، وشهد أبو أيوب المشاهد كلها.[٢، ٣]

ضيف رسول الله ﷺ

٣٠ | ٣-١قال أهل المدينة لرسول الله ﷺ: ادخل المدينة راشداً مهدياً، فدخلها، وخرج الناس ينظرون إليه، كلما مرّ على قوم قالوا: يا رسول الله، ها هنا، فقال: دعوها فإنها مأمورة، يعني الناقة، حتى بركت على باب أبي أيوب.[٤]

٣٠ | ٣-٢قال أبو أيوب: نزل رسول الله ﷺ في بيتنا الأسفل، وكنت في الغرفة، فأُهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتتبّع الماء، ونزلت فقلت: يا رسول الله، لا ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر بمتاعه فنُقل، ومتاعه قليل. قلت: يا رسول الله، كنت ترسل بالطعام فأنظر، فإذا رأيت أثر أصابعك وضعت فيه يدي.[٤]

٣٠ | ٣-٣وكان إذا أُهدي لرسول الله ﷺ طعام أُهدي لأبي أيوب، فدخل أبو أيوب يوماً فإذا قصعة فيها بصل، فلم يأكل منها رسول الله ﷺ وقال: إنه يغشاني ما لا يغشاكم.[٥]

بعد رسول الله ﷺ

٣٠ | ٤-١كان أبو أيوب يخالف مروان، فقال: ما يحملك على هذا؟ قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصلّي الصلوات، فإن وافقته وافقناك، وإن خالفته خالفناك. واستعمله علي على المدينة.[٦]

٣٠ | ٤-٢وقدم أبو أيوب على ابن عباس البصرة، وهو أمير عليها لعلي، ففرّغ له بيته وقال: لأصنعنّ بك كما صنعت برسول الله ﷺ، كم عليك؟ قال: عشرون ألفاً، فأعطاه أربعين ألفاً، وعشرين مملوكاً، ومتاع البيت.[٧، ٨]

انفروا خفافاً وثقالاً

٣٠ | ٥-١شهد أبو أيوب بدراً، ثم لم يتخلّف عن غزاة إلا عاماً، استُعمل على الجيش شابّ فقعد، ثم جعل يتلهّف ويقول: ما عليّ من استُعمل عليّ. وكان يقول: قال الله: انفروا خفافاً وثقالاً، لا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.[٩]

٣٠ | ٥-٣وأغزى معاوية ابنه يزيد في البر والبحر حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، فخرج أبو أيوب في ذلك الجيش فمرض، فأتاه يزيد يعوده فقال: حاجتك؟ قال: نعم، إذا أنا متّ فاركب بي، ثم تبيّغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغاً، فإذا لم تجد مساغاً فادفنّي ثم ارجع.[٧، ١١]

قبره عند سور القسطنطينية

٣٠ | ٦-١ولما حضره الموت قال: إذا متّ فاحملوني، فإذا صاففتم العدو فارموني تحت أقدامكم، أما إني سأحدّثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قال الذهبي: إسناده قوي. فلما مات ركب به يزيد ثم سار به ثم دفنه.[١٢، ٧]

٣٠ | ٦-٢قال الواقدي: مات أبو أيوب سنة اثنتين وخمسين، وصلّى عليه يزيد، ودُفن بأصل حصن القسطنطينية، فلقد بلغني أن الروم يتعاهدون قبره. وفي تقريب التهذيب: مات غازياً الروم سنة خمسين، وقيل بعدها.[١١، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 188
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 402
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 405
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 406
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 407
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 409-410
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 404
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 410
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 404-405
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 412
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 411-412
٣١

أبو موسى الأشعري

الكنية: أبو موسى · الوفاة: 44 هـ / 665 م

نسبه وصفته

٣١ | ٢-١عبد الله بن قيس بن سليم بن حضّار بن حرب، الإمام الكبير، صاحب رسول الله ﷺ، أبو موسى الأشعري التميمي، الفقيه المقرئ، وأمه ظبية بنت وهب، كانت أسلمت وماتت بالمدينة. وكان أبو موسى قصيراً، أثطّ، خفيف الجسم.[٢، ٣]

إسلامه وهجرته

٣١ | ٣-١أسلم أبو موسى بمكة، وقال أبو موسى: خرجنا من اليمن في بضع وخمسين من قومي، ونحن ثلاثة إخوة: أنا وأبو رهم وأبو عامر، فأخرجتنا سفينتنا إلى النجاشي وعنده جعفر وأصحابه، فأقبلنا حين افتُتحت خيبر، فقال رسول الله ﷺ: لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم إليّ. وقدم مع أهل السفينتين بعد فتح خيبر بثلاث، فقسم لهم النبي ﷺ.[٤]

٣١ | ٣-٢وقال رسول الله ﷺ: يقدم عليكم غداً قوم هم أرقّ قلوباً للإسلام منكم، فقدم الأشعريون، فلما دنوا جعلوا يرتجزون: غداً نلقى الأحبّه، محمداً وحزبه، فلما أن قدموا تصافحوا، فكانوا أول من أحدث المصافحة.[٥]

أوطاس

٣١ | ٤-١قال أبو موسى: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين بعث أبا عامر الأشعري على جيش أوطاس، فلقي دريد بن الصمة فقُتل دريد وهزم الله أصحابه، فرمى رجل أبا عامر في ركبته بسهم فأثبته، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إليه، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولّى ذاهباً، فجعلت أقول له: ألا تستحيي؟ ألست عربياً؟ ألا تثبت؟ فكفّ، فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين فقتلته.[٦]

٣١ | ٤-٢ثم رجعت إلى أبي عامر فقال: انزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء، فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقره مني السلام، وقل له يستغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثم مات. فلما قدمنا وأخبرت النبي ﷺ توضأ ثم رفع يديه ثم قال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، فقلت: ولي يا رسول الله؟ فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً.[٧]

مزمار من مزامير آل داود

٣١ | ٥-١قال بريدة: خرجت ليلة من المسجد فإذا النبي ﷺ عند باب المسجد قائم، وإذا رجل يصلّي، فقال لي: يا بريدة، أتراه يرائي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: بل هو مؤمن منيب، لقد أُعطي مزماراً من مزامير آل داود، فأتيته فإذا هو أبو موسى، فأخبرته. وقرأ أبو موسى ليلة فقام أزواج النبي ﷺ يستمعن لقراءته، فلما أصبح أُخبر بذلك فقال: لو علمت لحبّرت تحبيراً، ولشوّقت تشويقاً.[٨، ٩]

٣١ | ٥-٢وكان عمر إذا جلس عنده أبو موسى ربما قال له: ذكّرنا يا أبا موسى، فيقرأ. وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت مزماراً ولا طنبوراً ولا صنجاً أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، إن كان ليصلّي بنا فنودّ أنه قرأ البقرة من حسن صوته. وكان مسروق يقول: كان القضاء في الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبيّ، وزيد، وأبي موسى.[١٠، ٩]

أمير البصرة

٣١ | ٦-١استعمل النبي ﷺ أبا موسى ومعاذاً على زبيد وعدن. ثم أرسله عمر إلى البصرة، فقال: إني أرسلك إلى قوم عسكر الشيطان بين أظهرهم، قال: فلا ترسلني، قال: إن بها جهاداً ورباطاً، فأرسله إلى البصرة. قال الحسن البصري: ما قدمها راكب خير لأهلها من أبي موسى. وكان أبو موسى إذا صلّى الصبح استقبل الصفوف رجلاً رجلاً يقرئهم.[١١، ١٢]

٣١ | ٦-٢وبعث أنساً إلى عمر، فقال له عمر: كيف تركت الأشعري؟ قال: تركته يعلّم الناس القرآن، فقال: أما إنه كيّس، ولا تسمعها إياه. وبلغ أبا موسى أن ناساً يمنعهم من الجمعة أن ليس لهم ثياب، فخرج على الناس في عباءة. وافتتح الأهواز، ونزل الهرمزان على حكم عمر من تستر فبعث به أبو موسى إلى أمير المؤمنين، وسار من نهاوند ففتح أصبهان سنة ثلاث وعشرين. وكتب عمر في وصيته: ألا يُقرّ لي عامل أكثر من سنة، وأقرّوا الأشعري أربع سنين.[١٣]

٣١ | ٦-٣ثم استُخلف عثمان فنزع أبا موسى عن البصرة، وقالت أم أبي بردة: خرج أبوك حين نُزع عن البصرة وما معه إلا ستمائة درهم، عطاء عياله.[١٤، ١٥]

بعد الفتنة

٣١ | ٧-١وكان أبو موسى أحد الحكمين، قال علي: يا أبا موسى، احكم ولو على حزّ عنقي. وكتب إليه معاوية: إن عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد، وأقسم بالله لئن بايعتني على الذي بايعني لأستعملنّ أحد ابنيك على الكوفة والآخر على البصرة، فكتب إليه: أما بعد، فإنك كتبت إليّ في جسيم أمر الأمة، فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه؟ ليس لي فيما عرضت من حاجة، والسلام عليك.[١٦]

٣١ | ٧-٢واجتهد الأشعري قبل موته اجتهاداً شديداً، فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك! قال: إن الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك. قال الذهبي: قد كان أبو موسى صوّاماً قوّاماً ربانياً زاهداً عابداً، ممن جمع العلم والعمل والجهاد وسلامة الصدر، لم تغيّره الإمارة، ولا اغترّ بالدنيا.[١٧، ١٨]

وفاته

٣١ | ٨-١اختُلف في سنة وفاة أبي موسى، قال الذهبي: توفي أبو موسى في ذي الحجة سنة أربع وأربعين، على الصحيح. وفي تقريب التهذيب: مات سنة خمسين، وقيل بعدها.[١٩، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 318
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 380-382
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 383
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 382-384
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 384
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 384-385
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 385
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 386
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 388
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 391-392
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 381
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 389
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 390-391
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 390
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 400
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 395-396
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 393
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 396
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 397-398
٣٢

عمرو بن العاص

داهية قريش

الكنية: أبو عبد الله · الوفاة: 43 هـ / 664 م، مصر

نسبه وصفته

٣٢ | ٢-١عمرو بن العاص بن وائل السهمي، الإمام، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد، داهية قريش، ورجل العالم، ومن يُضرب به المثل في الفطنة والدهاء والحزم. وكان قصيراً، يخضب بالسواد. وكان من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، وكان شاعراً حسن الشعر، وكان أسنّ من عمر بن الخطاب، فكان يقول: إني لأذكر الليلة التي وُلد فيها عمر.[٢، ٣]

٣٢ | ٢-٢قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات. وكان عمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد! وقال قبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلاً أبين أو أنصع رأياً، ولا أكرم جليساً منه.[٤، ٥]

إسلامه عند النجاشي

٣٢ | ٣-١قال عمرو: لما انصرفنا من الخندق جمعت رجالاً من قريش فقلت: والله إن أمر محمد يعلو علوّاً منكراً، وقد رأيت أن نلحق بالنجاشي، فإن ظفر قومنا فنحن من قد عرفوا، وإن يظهر محمد فنكون تحت يدي النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، فجمعنا له أدماً كثيراً وقدمنا عليه، فوافقنا عنده عمرو بن أمية الضمري قد بعثه النبي ﷺ في أمر جعفر وأصحابه.[٦]

٣٢ | ٣-٢فقلت: أيها الملك، إني رأيت رسول محمد عندك، وهو رجل قد وترنا وقتل أشرافنا، فأعطنيه أضرب عنقه، فغضب وضرب أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فقال: سألتني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الذي كان يأتي موسى الأكبر تقتله؟! فقلت: وإن ذاك لكذلك؟ قال: نعم، والله إني لك ناصح فاتبعه، فوالله ليظهرنّ كما ظهر موسى وجنوده، قلت: أيها الملك، فبايعني أنت له على الإسلام، فبسط يده فبايعته لرسول الله ﷺ على الإسلام.[٧]

٣٢ | ٣-٣قال: فلما أمسيت جلست على راحلتي وانطلقت وتركت أصحابي، فوالله إني لأهوي إذ لقيت خالد بن الوليد فقلت: إلى أين يا أبا سليمان؟ قال: أذهب والله أسلم، إنه والله قد استقام الميسم، إن الرجل لنبي ما أشك فيه، فقلت: وأنا والله، فقدمنا المدينة فقلت: يا رسول الله، أبايعك على أن يُغفر لي ما تقدّم من ذنبي، ولم أذكر ما تأخّر، فقال لي: يا عمرو، بايع، فإن الإسلام يجبّ ما كان قبله. قال عمرو: فوالله إني لأشدّ الناس حياء من رسول الله ﷺ، فما ملأت عيني منه ولا راجعته.[٨]

ذات السلاسل

٣٢ | ٤-١هاجر عمرو إلى رسول الله ﷺ مسلماً في أوائل سنة ثمان، مرافقاً لخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة حاجب الكعبة، ففرح النبي ﷺ بقدومهم وإسلامهم، وأمّر عمراً على بعض الجيش. قال عمرو: بعث إليّ رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك رغبة صالحة من المال، قلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، فقال: يا عمرو، نعمّا بالمال الصالح للرجل الصالح.[٩، ١٠]

٣٢ | ٤-٢وبعثه رسول الله ﷺ في غزوة ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر وعمر، فأصابهم برد، فقال لهم عمرو: لا يوقدنّ أحد ناراً، فلما قدم شكوه، فقال: يا نبي الله، كان فيهم قلّة، فخشيت أن يرى العدو قلّتهم، ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم كمين، فأعجب ذلك رسول الله ﷺ. وقال أبو بكر لعمر: دعه، فإنما ولّاه رسول الله ﷺ لعلمه بالحرب.[١١]

٣٢ | ٤-٣وقال عمرو: ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد منذ أسلمنا أحداً من أصحابه في حربه. وقال رسول الله ﷺ: ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام. ولما توفي النبي ﷺ كان عمرو على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بوفاة رسول الله ﷺ.[١٠، ١٢، ١٣]

فاتح مصر

٣٢ | ٥-١وشهد عمرو يوم اليرموك وأبلى يومئذ بلاء حسناً، وولّاه عمر فلسطين والأردن، ثم كتب إليه عمر فسار إلى مصر وافتتحها، وبعث عمر الزبير مدداً له، وفتح الإسكندرية سنة إحدى وعشرين، وافتتح طرابلس الغرب سنة أربع وعشرين. ونظر إليه عمر فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميراً.[١٤]

٣٢ | ٥-٢قال عمرو: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيم منهم: أخرجوا إليّ رجلاً أكلّمه ويكلّمني، فقلت: لا يخرج إليه غيري، فقال: ما أنتم؟ قلت: نحن العرب، كنا أضيق الناس أرضاً وشرّه عيشاً، حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفاً ولا أكثرنا مالاً، قال: أنا رسول الله إليكم، فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق، وقد جاءتنا رسل بمثل ذلك، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه.[١٥]

٣٢ | ٥-٣فلما استُخلف عثمان نزع عن مصر عمراً، وأمّر عليها عبد الله بن أبي سرح. ولما وقعت الفتنة ما زال عمرو معتصماً بمكة حتى كانت وقعة الجمل، ثم أتى معاوية، ثم سار إلى مصر سنة تسع وثلاثين فمكث نحو ثلاث سنين ومات. قال الذهبي: كان من رجال قريش رأياً ودهاء وحزماً وكفاءة وبصراً بالحروب، ومن أعيان المهاجرين، والله يغفر له ويعفو عنه، وقد تأمّر على مثل أبي بكر وعمر لبصره بالأمور ودهائه.[١٦، ٦]

عند الموت

٣٢ | ٦-١وكان عمرو يقول: عجباً لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه! فلما نزل به الموت ذكّره ابنه بقوله وقال: صفه، قال: يا بنيّ، الموت أجلّ من أن يوصف، ولكني سأصف لك، أجدني كأن جبال رضوى على عنقي، وكأن في جوفي الشوك، وأجدني كأن نفسي يخرج من إبرة.[١٧]

٣٢ | ٦-٢وجزع عند الموت جزعاً شديداً، فقال ابنه عبد الله: ما هذا الجزع، وقد كان رسول الله ﷺ يدنيك ويستعملك؟! قال: أي بنيّ، قد كان ذلك، ولكن أشهد على رجلين أنه فارق الدنيا وهو يحبهما: ابن سمية، وابن أم عبد. فلما جدّ به وضع يده موضع الأغلال من ذقنه وقال: اللهم أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك، فكانت تلك هجّيراه حتى مات.[١٧]

٣٢ | ٦-٣وتوفي عمرو ليلة عيد الفطر، قال الليث والواقدي وغيرهم: سنة ثلاث وأربعين. قال الذهبي: كان أكبر من عمر بنحو خمس سنين، وقد عاش بعد عمر عشرين عاماً، فمجموع عمره بضع وثمانون سنة. وفي تقريب التهذيب: مات بمصر سنة نيف وأربعين، وقيل بعد الخمسين.[١٨، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 423
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 54-56
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 58
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 57-58
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 74
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 59
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 59-60
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 60-61
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 55
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 66
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 66-67
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 56
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 69
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 70
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 70-71
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 71-73
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 75
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 77
٣٣

معاوية بن أبي سفيان

الكنية: أبو عبد الرحمن · الوفاة: 60 هـ / 680 م، دمشق

نسبه وصفته

٣٣ | ٢-١معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أمير المؤمنين، ملك الإسلام، أبو عبد الرحمن القرشي الأموي المكي، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة. وكان طويلاً أبيض جميلاً، إذا ضحك انقلبت شفته العليا. وكان وهو غلام يمشي مع أمه هند فعثر، فقالت: قم لا رفعك الله، وأعرابي ينظر فقال: لم تقولين له؟ فوالله إني لأظنه سيسود قومه، قالت: لا رفعه إن لم يسد إلا قومه.[٢]

إسلامه

٣٣ | ٣-١قال معاوية: لما كان عام الحديبية وصدّوا رسول الله ﷺ عن البيت، وقع الإسلام في قلبي، فذكرت لأمي، فقالت: إياك أن تخالف أباك، فأخفيت إسلامي، فوالله لقد رحل رسول الله ﷺ من الحديبية وإني مصدّق به، ودخل مكة عام عمرة القضية وأنا مسلم، وأظهرت إسلامي يوم الفتح، فرحّب بي النبي ﷺ وكتبت له. وكان معاوية كاتباً فيما بين النبي ﷺ وبين العرب، وكتب له مرات يسيرة.[٣، ٤]

٣٣ | ٣-٢وقال عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني، وكان من أصحاب النبي ﷺ: سمعت رسول الله ﷺ يقول لمعاوية: اللهم اجعله هادياً مهدياً، واهد به، حسّنه الترمذي. وقال إسحاق بن راهويه: لا يصح عن النبي ﷺ في فضل معاوية شيء، وقد ساق ابن عساكر في ترجمته أحاديث واهية وباطلة.[٥، ٦، ٧]

أمير الشام

٣٣ | ٤-١قدم عمر الجابية فأبقى على الشام أميرين: أبا عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، ثم توفي يزيد فنعاه عمر إلى أبي سفيان، فقال: ومن أمّرت مكانه؟ قال: معاوية، ثم جمع عثمان الشام كلها لمعاوية. وفُتحت قيسارية سنة تسع عشرة وأميرها معاوية، وغزا قبرص سنة خمس وعشرين.[٧، ٨]

٣٣ | ٤-٢ولما قدم عمر الشام تلقّاه معاوية في موكب عظيم وهيئة، فقال: أنت صاحب الموكب العظيم، مع ما بلغني عنك من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: نحن بأرض جواسيس العدو بها كثير، فيجب أن نظهر من عزّ السلطان ما يرهبهم، فإن نهيتني انتهيت، قال: يا معاوية، ما أسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلت حقاً إنه لرأي أريب، وإن كان باطلاً فإنه لخدعة أديب، لا آمرك ولا أنهاك. وكان عمر إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب.[٩]

٣٣ | ٤-٣قال الذهبي: حسبك بمن يؤمّره عمر ثم عثمان على إقليم، وهو ثغر، فيضبطه ويقوم به أتمّ قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه. وقال أبو الدرداء: ما رأيت أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا، يعني معاوية.[١٠، ١١]

الفتنة وعام الجماعة

٣٣ | ٥-١لما قُتل عثمان بُعث بقميصه إلى معاوية، فدعا أهل الشام إلى الطلب بدمه. وجاءه أبو مسلم الخولاني وأناس فقالوا: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً، وأنا ابن عمه والطالب بدمه؟ فائتوه فقولوا له فليدفع إليّ قتلة عثمان وأسلّم له. ثم التقوا بصفين، وقُتل بين الفريقين نحو من ستين ألفاً، وقُتل عمار مع علي، وتبيّن للناس قول رسول الله ﷺ: تقتله الفئة الباغية.[١٢، ١٣، ١٤]

٣٣ | ٥-٢ثم صالح الحسن بن علي معاوية، ودخل هو والحسن الكوفة راكبين، وتسلّم معاوية الخلافة، وسُمّي عام الجماعة لاجتماعهم على إمام، وهو عام أحد وأربعين. ولما اختلف الناس بعد عثمان لم يكن للناس غزو حتى اجتمعوا على معاوية، فأغزاهم مرات، ثم أغزى ابنه في جماعة من الصحابة براً وبحراً حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها.[١٥، ١٦]

حلمه ودهاؤه

٣٣ | ٦-١قال قبيصة بن جابر: صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أثقل حلماً، ولا أبطأ جهلاً، ولا أبعد أناة منه. وكان الرجل يقول لمعاوية: والله لتستقيمنّ بنا يا معاوية أو لنقوّمنّك، فيقول: بماذا؟ فيقولون: بالخشب، فيقول: إذاً أستقيم. وقال ابن عباس: ما رأيت رجلاً كان أخلق للملك من معاوية. وقال ابن عمر: كان عمر خيراً منه، وكان معاوية أسود منه.[١٧]

٣٣ | ٦-٢وقال زياد: ما غلبني معاوية في شيء إلا باباً واحداً، استعملت فلاناً فكسر الخراج، فخشي أن أعاقبه ففرّ مني إلى معاوية، فكتبت إليه: إن هذا أدب سوء لمن قبلي، فكتب إليّ: إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة، أن نلين جميعاً فيمرح الناس في المعصية، ولا نشتدّ جميعاً فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون للشدة والفظاظة، وأكون أنا للين والألفة.[١٨]

٣٣ | ٦-٣وكان معاوية يقول: إني لست بخيركم، وإن فيكم من هو خير مني: ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما، ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم، وأنعمكم لكم ولاية، وأحسنكم خلقاً. وقال الذهبي: عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، وكان محبّباً إلى رعيته، ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم، وما هو ببريء من الهنات، والله يعفو عنه، وليته لم يعهد بالأمر إلى ابنه يزيد، وترك الأمة من اختياره لهم.[١٦، ١٩، ٢٠]

وفاته

٣٣ | ٧-١وخطب معاوية فقال: إني من زرع قد استحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، ولا يأتيكم بعدي خير مني، كما أن من كان قبلي خير مني، اللهم قد أحببت لقاءك فأحبّ لقائي. ولما احتُضر قيل له: ألا توصي؟ فقال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فما وراءك مذهب. وأوصى أن يُجعل معه شيء كان خبّأه من شعر رسول الله ﷺ وأظفاره.[٢١]

٣٣ | ٧-٢وأخرج يديه كأنهما عسيبا نخل فقال: هل الدنيا إلا ما ذقنا وجرّبنا؟ والله لوددت أني لم أغبر فيكم إلا ثلاثاً ثم ألحق بالله. وصلّى عليه الضحاك بن قيس الفهري، ودُفن بين باب الجابية وباب الصغير فيما بلغ أبا مسهر. وفي تقريب التهذيب: مات في رجب سنة ستين وقد قارب الثمانين.[٢٢، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 537
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 119-121
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 120
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 122-123
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 125
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 127
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 132
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 134-135
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 133-134
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 132-133
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 135
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 136
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 140
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 142
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 146
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 150
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 152-154
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 154
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 133
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 158-159
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 159-160
  22. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 160-161
٣٤

الحسن بن علي

ريحانة رسول الله ﷺ، سيد شباب أهل الجنة

الكنية: أبو محمد · المولد: 3 هـ · الوفاة: 49 هـ / 670 م، المدينة المنورة

مولده واسمه

٣٤ | ٢-١الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، الإمام السيد، ريحانة رسول الله ﷺ وسبطه، وسيد شباب أهل الجنة، أبو محمد القرشي الهاشمي المدني الشهيد. مولده في شعبان سنة ثلاث من الهجرة، وعقّ عنه جده بكبش، وأذّن النبي ﷺ في أذنه بالصلاة حين وُلد.[٢، ٣]

٣٤ | ٢-٢قال علي: كنت رجلاً أحب الحرب، فلما وُلد الحسن هممت أن أسمّيه حرباً، فسمّاه رسول الله ﷺ الحسن. ولما ولدت فاطمة حسناً قالت: يا رسول الله، ألا أعقّ عن ابني بدم؟ قال: لا، ولكن احلقي رأسه، وتصدّقي بوزن شعره فضة على المساكين، ففعلت.[٤]

في حجر رسول الله ﷺ

٣٤ | ٣-١وكان يشبه جده رسول الله ﷺ، قال أنس: كان أشبههم بالنبي ﷺ الحسن بن علي. وصلّى أبو بكر العصر، ثم قام وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان، فأخذه أبو بكر فحمله على عنقه وقال: بأبي شبيه النبي، ليس شبيه بعلي، وعلي يتبسّم.[٥، ٦]

٣٤ | ٣-٢وقيل للحسن: ما تذكر من رسول الله ﷺ؟ قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فجعلتها في فيّ، فنزعها رسول الله ﷺ بلعابها فجعلها في التمر، فقيل: يا رسول الله، وما كان عليك من هذه التمرة لهذا الصبي؟ قال: إنا آل محمد لا تحلّ لنا الصدقة. وكان يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة. وعلّمه كلمات يقولهن في القنوت: اللهم اهدني فيمن هديت.[٧]

٣٤ | ٣-٣وقال النبي ﷺ للحسن: اللهم إني أحبه فأحبه، وأحبّ من يحبه. وخرج رسول الله ﷺ حاملاً حسناً أو حسيناً، فكبّر في الصلاة فسجد سجدة أطالها، فلما قضى صلاته قالوا: يا رسول الله، إنك أطلت! قال: إن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجّله حتى يقضي حاجته. وكان رسول الله ﷺ يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما فوضعهما بين يديه، ثم أخذ في خطبته.[٨، ٩]

٣٤ | ٣-٤وقال أبو بكرة: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه، وهو يقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين. وقال ﷺ: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، صحّحه الترمذي. ولما دوّن عمر الديوان ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما مع أهل بدر لقرابتهما من رسول الله ﷺ، ففرض لكل منهما خمسة آلاف درهم.[١٠، ١١]

خُلقه

٣٤ | ٤-١وكان هذا الإمام سيداً، وسيماً، جميلاً، عاقلاً، رزيناً، جواداً، ممدّحاً، خيّراً، ديّناً، ورعاً، محتشماً، كبير الشأن. وحجّ خمس عشرة حجة ماشياً، وإن النجائب لتُقاد معه، وخرج من ماله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرات. وسمع رجلاً إلى جنبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف فبعث بها إليه.[١٢، ١٣، ١٤]

٣٤ | ٤-٢وقيل له: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إليّ من الغنى، والسقم أحب إليّ من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتّكل على حسن اختيار الله له لم يتمنّ شيئاً. وخطب بالكوفة فقال: إن الحلم زينة، والوقار مروءة، والعجلة سفه، والسفه ضعف، ومجالسة أهل الدناءة شين، ومخالطة الفسّاق ريبة.[١٥]

الصلح

٣٤ | ٥-١قُتل علي فبايع أهل الكوفة الحسن، وأحبّوه أشد من حب أبيه، فسار إلى أهل الشام، وعلى مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر ألفاً، فنزل المدائن، فنادى منادٍ في عسكره: قُتل قيس، فشدّ الناس على حجرة الحسن فانتهبوها وسلبوه رداءه، وطعنه رجل بخنجر مسموم في أليته، فتحوّل ونزل قصر كسرى.[١٦، ١٧]

٣٤ | ٥-٢واستقبل الحسن معاوية بكتائب مثل الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولّي حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور المسلمين؟ فبعث إليه برجلين من قريش، عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال لهما الحسن: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، فما سألهما شيئاً إلا قالا: نحن لك به، فصالحه. قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ يقول: إن ابني هذا سيد.[١٨]

٣٤ | ٥-٣فقام الحسن خطيباً فقال: لو ابتغيتم بين جابلق وجابرس رجلاً جده نبي غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنا قد أعطينا معاوية بيعتنا، ورأينا أن حقن الدماء خير: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. وسلّم الأمر إلى معاوية في نصف جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وكانت ولايته سبعة أشهر وأحد عشر يوماً. وقال له رجل: يا مذلّ المؤمنين! فقال: لا، ولكن كرهت أن أقتلكم على الملك.[١٩، ٢٠، ٢١]

٣٤ | ٥-٥وقيل له: يقولون إنك تريد الخلافة، فقال: كانت جماجم العرب في يدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها لله. ثم تجهّز هو وأهل بيته إلى المدينة، وعاش الحسن بعد ذلك عشر سنين.[٢٣، ٢٤]

وفاته

٣٤ | ٦-١قال عمير بن إسحاق: دخلنا على الحسن بن علي نعوده، فقال: إني والله قد لفظت طائفة من كبدي، وإني قد سُقيت السم مراراً فلم أُسق مثل هذا، فجاء الحسين فقال: أي أخي، أنبئني من سقاك؟ قال: لم؟ لتقتله؟ قال: نعم، قال: ما أنا محدّثك شيئاً، إن يكن صاحبي الذي أظن فالله أشد نقمة، وإلا فوالله لا يُقتل بي بريء.[٢٥]

٣٤ | ٦-٢ولما احتُضر قال: أخرجوا فراشي إلى الصحن، فأخرجوه، فقال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك، فإنها أعزّ الأنفس عليّ. وقال للحسين: ادفنّي عند أبي، يعني النبي ﷺ، إلا أن تخافوا الدماء، فادفنّي في مقابر المسلمين. وجعل يوصي الحسين: يا أخي، إياك أن تسفك دماً، فإن الناس سراع إلى الفتنة.[٢٦]

٣٤ | ٦-٣فلما توفي ارتجّت المدينة صياحاً، فلا تلقى إلا باكياً، وقام أبو هريرة على مسجد رسول الله ﷺ يبكي وينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس، مات اليوم حِبّ رسول الله ﷺ فابكوا. ودُفن عند أمه بالبقيع إلى جانبها. وعاش سبعاً وأربعين سنة، قال الواقدي وخليفة: مات سنة تسع وأربعين، وقال المدائني وغيره: سنة خمسين. وفي تقريب التهذيب: مات شهيداً بالسم سنة تسع وأربعين.[٢٧، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 162
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 245-246
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 248
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 247-248
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 246
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 249
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 246-247
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 250
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 256-257
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 251
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 259
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 253
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 260
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 267
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 262-263
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 263-264
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 269
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 270-271
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 271-272
  20. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 263
  21. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 278
  22. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 274
  23. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 264
  24. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 273
  25. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 275
  26. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 275-277
٣٥

الحسين بن علي

ريحانة رسول الله ﷺ، سيد شباب أهل الجنة

الكنية: أبو عبد الله · المولد: 4 هـ · الوفاة: 61 هـ / 680 م، كربلاء

مولده

٣٥ | ٢-١الإمام الشريف الكامل، سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا ومحبوبه، أبو عبد الله الحسين ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي. مولده في خامس شعبان سنة أربع من الهجرة. وقال علي: الحسين أشبه برسول الله ﷺ من صدره إلى قدميه. ولما وُلد سمّاه رسول الله ﷺ الحسين.[٢، ٣]

ريحانة رسول الله ﷺ

٣٥ | ٣-١سأل رجل من أهل العراق ابن عمر عن دم البعوض، فقال: انظر إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: هما ريحانتاي من الدنيا. وقال جابر وقد دخل الحسين المسجد: من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا، سمعته من رسول الله ﷺ. وقال رسول الله ﷺ: حسين سبط من الأسباط، من أحبني فليحبّ حسيناً.[٤]

٣٥ | ٣-٢ولما أراد رسول الله ﷺ أن يباهل أهل نجران أخذ بيد الحسن والحسين، وقال لفاطمة: اتبعينا، فلما رأى ذلك أعداء الله رجعوا.[٥]

٣٥ | ٣-٣وقال الحسين: صعدت المنبر إلى عمر فقلت: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك، فقال: إن أبي لم يكن له منبر! فأقعدني معه، فلما نزل قال: أي بنيّ، من علّمك هذا؟ قلت: ما علّمنيه أحد، قال: أي بنيّ، وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا الله ثم أنتم! ووضع يده على رأسه. قال الذهبي: إسناده صحيح. وجعل عمر للحسين مثل عطاء علي، خمسة آلاف. ورأى عمرو بن العاص الحسين في ظل الكعبة فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم.[٦]

٣٥ | ٣-٤وحجّ الحسين خمساً وعشرين حجة ماشياً، وكان أبو هريرة في جنازة ينفض بثوبه التراب عن قدم الحسين.[٧]

الخروج إلى العراق

٣٥ | ٤-١كان رأي الحسين في أمر أخيه القتال، ولكنه كظم وأطاع أخاه وبايع. فلما مات معاوية وتسلّم الخلافة يزيد، دعا والي المدينة الحسين وابن الزبير إلى بيعة يزيد، فقالا: نصبح وننظر فيما يعمل الناس، وخرجا لوقتهما إلى مكة، فنزل الحسين بمكة دار العباس. وكان أهل الكوفة يكتبون إلى الحسين يدعونه إلى الخروج إليهم.[٨، ٩، ١٠]

٣٥ | ٤-٢فقال له ابن عمر: لا تخرج، فإن رسول الله ﷺ خُيّر بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها، ثم اعتنقه وبكى وودّعه وقال: أستودعك الله من قتيل. وقال له أبو سعيد: اتق الله والزم بيتك، وكلّمه جابر وأبو واقد الليثي. وقال له ابن عباس: لولا أن يُزرى بي وبك لنشبت يدي في رأسك، فقال: لأن أُقتل بمكان كذا وكذا أحب إليّ من أن أستحلّ حرمتها، يعني مكة. وقال له الفرزدق: القلوب معك، والسيوف مع بني أمية. وأبى الحسين على كل من أشار عليه إلا المسير إلى العراق.[١١، ١٢]

٣٥ | ٤-٣وبعث الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة، فبايعه بها خلق، فولّى يزيد عبيد الله بن زياد الكوفة، فقتل مسلماً وهانئ بن عروة. وأقبل حسين حتى إذا كان على ساعة من القادسية لقيه رجل فقال: ارجع، لم أدع لك ورائي خيراً، فهمّ أن يرجع، فقال إخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نأخذ بالثأر أو نُقتل، فقال: لا خير في الحياة بعدكم، وسار، فلقيته خيل عبيد الله فعدل إلى كربلاء.[١٣، ١٤]

كربلاء

٣٥ | ٥-١قال الحسين حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء، قال: كرب وبلاء. وجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص على العسكر، وقد طلب من عبيد الله أن يعفيه من ذلك فأبى، فقال الحسين: اختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تدعوني فألحق بالثغور، وإما أن أذهب إلى يزيد، أو أُردّ إلى المدينة، فقبل عمر ذلك وكتب به إلى عبيد الله، فكتب إليه: لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي، فقال الحسين: لا والله. وكان من جند عمر ثلاثون من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله ﷺ ثلاث خصال فلا تقبلون واحدة! وتحوّلوا إلى الحسين فقاتلوا.[١٤، ١٥]

٣٥ | ٥-٢وجمع حسين أصحابه ليلة عاشوراء، فحمد الله وقال: إني لا أحسب القوم إلا مقاتليكم غداً، وقد أذنت لكم جميعاً، فأنتم في حلّ مني، وهذا الليل قد غشيكم، فإنهم إنما يطلبونني، فإذا رأوني لهوا عن طلبكم، فقال أهل بيته: لا أبقانا الله بعدك، والله لا نفارقك، وقال أصحابه كذلك. فلما أصبحوا قال الحسين: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت فيما نزل بي ثقة، وأنت وليّ كل نعمة، وصاحب كل حسنة.[١٦]

٣٥ | ٥-٣وقال لعمر وجنده: ارجعوا إلى أنفسكم، هل يصلح لكم قتلي، أو يحلّ دمي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن ابن عمه؟ ألم يبلغكم قول رسول الله ﷺ فيّ وفي أخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ ثم قاتل أصحابه حوله حتى قُتلوا جميعاً، وعطش حسين، فحالوا بينه وبين الماء، وبقي عامة يومه لا يُقدم عليه أحد، حتى أحاطت به الرجالة، وهو رابط الجأش يقاتل قتال الفارس الشجاع، حتى قُتل، ووُجد به ثلاث وثلاثون جراحة.[١٧]

بعد مقتله

٣٥ | ٦-١قال الجماعة: مات يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقُتل معه إخوته جعفر وعتيق ومحمد والعباس الأكبر، وابنه الكبير علي، وابنه عبد الله، وابن أخيه القاسم بن الحسن، وكان ابنه علي زين العابدين مريضاً فسلم. وقال أنس: لما قُتل الحسين جيء برأسه إلى ابن زياد، فجعل ينكت بقضيب على ثناياه، فقلت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقبّل موضع قضيبك من فيه.[١٨، ١٩، ٢٠]

٣٥ | ٦-٢وقال شهر بن حوشب: كنت عند أم سلمة زوج النبي ﷺ حين أتاها قتل الحسين، فوقعت مغشياً عليها. ثم حُمل أهله إلى يزيد، فأمر لهم بجهاز، وأصلح آلتهم، وخرجوا إلى المدينة.[١٨، ١٩]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 280
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 247
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 281-283
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 286-287
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 285
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 287
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 291-292
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 293
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 295
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 292
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 296-298
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 306
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 308
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 311
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 301
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 301-303
  17. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 318
  18. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 320
  19. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 314
٣٦

أبو الدرداء

حكيم هذه الأمة

الكنية: أبو الدرداء · الوفاة: 32 هـ / 652 م، دمشق

نسبه وصفته

٣٦ | ٢-١الإمام القدوة، قاضي دمشق، وصاحب رسول الله ﷺ، أبو الدرداء عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، ويقال: عويمر بن عامر، ويقال: اسمه عامر بن مالك. حكيم هذه الأمة، وسيد القراء بدمشق. وقال من رآه: رأيت أبا الدرداء أقنى، أشهل، يخضب بالصفرة.[٢، ٣]

٣٦ | ٢-٢وقال أبو الدرداء: كنت تاجراً قبل المبعث، فلما جاء الإسلام جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فتركت التجارة ولزمت العبادة. قال الذهبي: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وأمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع كالصديق وعبد الرحمن بن عوف، وبعضهم يعجز ويقتصر على العبادة، وكل سائغ، ولكن لا بد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال.[٤]

إسلامه

٣٦ | ٣-١كان أبو الدرداء من آخر الأنصار إسلاماً، وكان يعبد صنماً، فدخل ابن رواحة ومحمد بن مسلمة بيته فكسرا صنمه، فرجع فجعل يجمع الصنم ويقول: ويحك! هلّا امتنعت، ألا دفعت عن نفسك؟ فقالت أم الدرداء: لو كان ينفع أو يدفع عن أحد دفع عن نفسه ونفعها. فقال أبو الدرداء: أعدّي لي ماء في المغتسل، فاغتسل ولبس حلّته، ثم ذهب إلى النبي ﷺ، فنظر إليه ابن رواحة مقبلاً فقال: يا رسول الله، هذا أبو الدرداء، وما أراه إلا جاء في طلبنا، فقال: إنما جاء ليسلم، إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم.[٥]

أحد

٣٦ | ٤-١أسلم أبو الدرداء يوم بدر، ثم شهد أحداً، ولما هُزم أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد كان أبو الدرداء فيمن فاء إلى رسول الله ﷺ، فلما أظلّهم المشركون من فوقهم قال رسول الله ﷺ: اللهم ليس لهم أن يعلونا، فثاب إليه ناس وانتدبوا، وفيهم عويمر أبو الدرداء، حتى أدحضوهم عن مكانهم، وكان أبو الدرداء يومئذ حسن البلاء، فقال رسول الله ﷺ: نعم الفارس عويمر، وقال: حكيم أمتي عويمر. وفرض له عمر في أربعمائة، ألحقه في البدريين.[٦، ٧]

علمه وقرآنه

٣٦ | ٥-١قال أنس: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. وكانت الصحابة يقولون: أرحمنا بنا أبو بكر، وأنطقنا بالحق عمر، وأميننا أبو عبيدة، وأعلمنا بالحرام والحلال معاذ، وأقرؤنا أبيّ، ورجل عنده علم ابن مسعود، وتبعهم عويمر أبو الدرداء بالعقل. وقال أبو ذر لأبي الدرداء: ما حملت ورقاء، ولا أظلّت خضراء أعلم منك يا أبا الدرداء.[٨، ٧، ٩]

٣٦ | ٥-٢وآخى رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فجاءه سلمان يزوره فإذا أم الدرداء متبذّلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك لا حاجة له في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، فلما قرّب إليه أبو الدرداء طعاماً قال: إني صائم، فقال سلمان: أقسمت عليك لتفطرن، فأكل معه، ثم بات عنده، فلما أراد أن يقوم من الليل منعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، صم وأفطر، وصلّ وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه، فلما كان وجه الصبح قال: قم الآن إن شئت. فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله ﷺ بالذي أمره سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقاً مثل ما قال لك سلمان.[١٠]

معلّم أهل الشام

٣٦ | ٦-١كتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر: إن أهل الشام قد كثروا وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلّمهم القرآن ويفقّههم، فدعا عمر الخمسة الذين جمعوا القرآن، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص، فقدموها فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين، ولم يزل أبو الدرداء بدمشق حتى مات. وبلغ عمر أن أبا الدرداء ابتنى كنيفاً بحمص، فكتب إليه: يا عويمر، أما كانت لك كفاية فيما بنت الروم عن تزيين الدنيا؟[١١]

٣٦ | ٦-٢وولي القضاء بدمشق في دولة عثمان، فهو أول من ذُكر من قضاتها، وكان إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما فقال: ارجعا إليّ، أعيدا عليّ قضيتكما. وقال لمسلم بن مشكم: اعدد من في مجلسنا، فجاؤوا ألفاً وستمائة ونيفاً، فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائماً، وهو الذي سنّ هذه الحلق للقراءة.[١٢، ١٣، ١٤]

٣٦ | ٦-٣وقال: تعلّموا، فإن العالم والمتعلم شريكان في الأجر. وقيل لأم الدرداء: أي عبادة أبي الدرداء كانت أكثر؟ قالت: التفكر والاعتبار. ولما فُتحت قبرس مُرّ بالسبي على أبي الدرداء فبكى، فقال له جبير: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعزّ الله فيه الإسلام وأهله! قال: يا جبير، بينا هذه الأمة قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله فلقوا ما ترى، ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه.[١٥، ١٦]

وفاته

٣٦ | ٧-١قالت أم الدرداء: لما احتُضر أبو الدرداء جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا، من يعمل لمثل مضجعي هذا. ومات أبو الدرداء قبل مقتل عثمان، قال الواقدي وأبو مسهر وابن نمير: مات سنة اثنتين وثلاثين.[١٧]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 335
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 337
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 337-338
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 340
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 338-339
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 341
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 339
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 343
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 341-342
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 344-345
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 336
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 345-346
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 353
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 347-348
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 351
  16. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 352-353
٣٧

حذيفة بن اليمان

صاحب السر

الكنية: أبو عبد الله · الوفاة: 36 هـ / 656 م، المدائن

نسبه وأبوه

٣٧ | ٢-١حذيفة بن اليمان، من نجباء أصحاب محمد ﷺ، وهو صاحب السر. واسم اليمان حسل، ويقال: حسيل، ابن جابر العبسي، أبو عبد الله، حليف الأنصار، من أعيان المهاجرين. وكان والده حسل قد أصاب دماً في قومه، فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل، فسمّاه قومه اليمان لحلفه لليمانية، وهم الأنصار. وآخى رسول الله ﷺ بين حذيفة وعمار.[٢]

٣٧ | ٢-٢قال حذيفة: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي، فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمداً! فقلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا العهد علينا لننصرفنّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأخبرنا النبي ﷺ فقال: نفي بعهدهم، ونستعين الله عليهم.[٣]

٣٧ | ٢-٣وشهد هو وأبوه أحداً، فاستُشهد اليمان يومئذ، قتله بعض الصحابة غلطاً ولم يعرفه، لأن الجيش يختفون في لأمة الحرب ويسترون وجوههم، ولما شدّوا على اليمان يومئذ بقي حذيفة يصيح: أبي! أبي! يا قوم! فراح خطأ، فتصدّق حذيفة عليهم بديته.[٤]

ليلة الأحزاب

٣٧ | ٣-١لما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمر الأحزاب، وما فرّق الله من جماعتهم، دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلاً. قال حذيفة: والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلّى رسول الله ﷺ هوياً من الليل، ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ﷺ فقال: يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدثنّ شيئاً حتى تأتينا.[٥]

٣٧ | ٣-٢قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، قال حذيفة: ولولا عهد رسول الله ﷺ إليّ أن لا تُحدث شيئاً حتى تأتيني، ثم شئت، لقتلته بسهم.[٦]

صاحب السر

٣٧ | ٤-١كان النبي ﷺ قد أسرّ إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عنه الفتن الكائنة في الأمة، وقد ناشده عمر: أأنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أزكّي أحداً بعدك. وسُئل علي عن حذيفة فقال: علم المنافقين، وسأل عن المعضلات، فإن تسألوه تجدوه بها عالماً. وسأله رجل: ما النفاق؟ قال: أن تتكلم بالإسلام ولا تعمل به.[٣، ٧]

٣٧ | ٤-٢وقال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. وقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً فحدّثنا بما هو كائن إلى قيام الساعة، فحفظه من حفظه ونسيه من نسيه. قال الذهبي: قد كان ﷺ يرتّل كلامه ويفسّره، فلعله قال في مجلسه ذلك ما يُكتب في جزء، فذكر أكبر الكوائن.[٨]

أمير المدائن

٣٧ | ٥-١بعث عمر حذيفة على المدائن، وكتب في عهده: اسمعوا له وأطيعوا، وأعطوه ما سألكم، فخرج من عند عمر على حمار موكف تحته زاده، فلما قدم استقبله الدهاقين وبيده رغيف وعرق من لحم، فقرأ عهده عليهم، فقالوا: سل ما شئت، قال: طعاماً آكله، وعلف حماري هذا ما دمت فيكم من تبن. فأقام فيهم ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر: اقدم، فلما بلغ عمر قدومه كمن له على الطريق، فلما رآه على الحال التي خرج عليها أتاه فالتزمه وقال: أنت أخي، وأنا أخوك.[٧، ٩]

٣٧ | ٥-٢وعلى يده فُتحت الدينور عنوة. وولي حذيفة إمرة المدائن لعمر، فبقي عليها إلى بعد مقتل عثمان.[٣]

وفاته

٣٧ | ٦-١لما حضر حذيفة الموت قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم! الحمد لله الذي سبق بي الفتنة. ولما كان عند السحر قال: أعوذ بالله من صباح إلى النار، ثلاثاً، ثم قال: اشتروا لي ثوبين أبيضين، فإنهما لن يُتركا عليّ إلا قليلاً حتى أُبدل بهما خيراً منهما، أو أُسلبهما سلباً قبيحاً. فجاؤوا بحلّة ثمنها ثلاثمائة، فقال: لا، اشتروا لي ثوبين أبيضين.[١٠]

٣٧ | ٦-٢وتوفي حذيفة بالمدائن بعد عثمان بأربعين ليلة، سنة ست وثلاثين، وقد شاخ.[٣، ٩]

مصادر الترجمة

  1. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 361-362
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 364
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 362
  4. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 231-232
  5. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 232
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 363
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 365-366
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 366
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 2، ص 368-369
٣٨

عبد الله بن عمرو بن العاص

الكنية: أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن · الوفاة: 63 هـ / 685 م

نسبه

٣٨ | ٢-١عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن سهم القرشي السهمي، الإمام الحبر العابد، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن. وأمه رائطة بنت الحجاج بن منبه السهمية، وليس أبوه أكبر منه إلا بإحدى عشرة سنة أو نحوها. وقد أسلم قبل أبيه فيما بلغنا، ويقال: كان اسمه العاص، فلما أسلم غيّره النبي ﷺ بعبد الله.[٢]

٣٨ | ٢-٢وقال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم أهل البيت: عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله.[٣]

الصحيفة الصادقة

٣٨ | ٣-١كتب عبد الله الكثير بإذن النبي ﷺ وترخيصه له في الكتابة، قال: قلت: يا رسول الله، أكتب ما أسمع منك؟ قال: نعم، قلت: في الرضى والغضب؟ قال: نعم، فإني لا أقول إلا حقاً. وقال أبو هريرة: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه يكتب ولا أكتب.[٤، ٥]

٣٨ | ٣-٢وقال مجاهد: دخلت على عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة تحت رأسه فتمنّع عليّ، فقلت: تمنعني شيئاً من كتبك؟ فقال: إن هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه أحد، فإذا سلم لي كتاب الله وهذه الصحيفة والوهط لم أبال ما ضيّعت الدنيا. والوهط بستان عظيم بالطائف.[٦]

رخصة رسول الله ﷺ

٣٨ | ٤-١قال عبد الله: زوّجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت عليّ جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، فجاء أبي إلى كنّته فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير رجل من رجل لم يفتّش لها كنفاً، ولم يقرب لها فراشاً، فانطلق فشكاني إلى النبي ﷺ، فطلبني فأتيته فقال لي: أتصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلّي وأنام، وأمسّ النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.[٧]

٣٨ | ٤-٢وقال: جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة، فقال رسول الله ﷺ: اقرأه في شهر، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: اقرأه في عشرين، قلت: دعني أستمتع، قال: اقرأه في سبع ليال. وصحّ أن رسول الله ﷺ نازله إلى ثلاث ليال، ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاث.[٨]

٣٨ | ٤-٣وقال له رسول الله ﷺ: إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، فكأنك قد صمت الدهر كله، قال: إني أجد قوة، فجعل يستزيده ويزيده حتى بلغ النصف، وقال: إن لأهلك عليك حقاً، وإن لعبدك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً. وما زال يناقصه حتى قال له: صم يوماً وأفطر يوماً، صوم أخي داود عليه السلام. فكان بعدما كبر وأسنّ يقول: ألا كنت قبلت رخصة النبي ﷺ أحب إليّ من أهلي ومالي.[٩، ١٠]

٣٨ | ٤-٤قال الذهبي: لو تلا ورتّل في أسبوع ولازم ذلك لكان عملاً فاضلاً، فالدين يسر، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلّ.[١١، ١٢]

زهده وبكاؤه

٣٨ | ٥-١ورث عبد الله من أبيه قناطير مقنطرة من الذهب المصري، فكان من ملوك الصحابة، وكان يقول: لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة أحب إليّ من أن أكون عاشر عشرة أغنياء، فإن الأكثرين هم الأقلّون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا، يتصدّق يميناً وشمالاً. وأتاه رهط من نسّاك أهل البصرة بمكة، فإذا قريب من ثلاثمائة راحلة، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: لإخوانه يحملهم عليها، ولمن ينزل عليه، فأتوه فإذا هو في المسجد الحرام بين بردين وعمامة، قد علّق نعليه في شماله.[٧، ١٣]

٣٨ | ٥-٢وكانت أم يعلى بن عطاء تصنع الكحل لعبد الله بن عمرو، وكان يكثر من البكاء، يغلق عليه بابه ويبكي حتى رمصت عيناه، وكان يطفئ السراج بالليل ثم يبكي.[١٠، ١٤]

صفين

٣٨ | ٦-١أسلم عبد الله، وهاجر بعد سنة سبع، وشهد بعض المغازي. وكان مع أبيه يوم صفين، فقال: ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين، لوددت أني متّ قبلها بعشرين سنة، أما والله على ذلك ما ضربت بسيف، ولا رميت بسهم. وجاء رجلان إلى معاوية يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية. وقال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: أطع أباك ما دام حياً، فأنا معكم ولست أقاتل.[١٥]

وفاته

٣٨ | ٧-١ودخل عبد الله بن عمرو المسجد الحرام والكعبة محترقة حين أدبر جيش حصين بن نمير، والكعبة تتناثر حجارتها، فوقف وبكى، حتى إن دموعه لتسيل على وجنتيه. قال أحمد بن حنبل: مات عبد الله ليالي الحرة سنة ثلاث وستين، وقال يحيى بن بكير: توفي بمصر سنة خمس وستين، وقال خليفة: مات بالطائف، ويقال: بمكة. وفي تقريب التهذيب: مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح، بالطائف على الراجح.[١٤، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 315
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 79-80
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 83
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 80
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 88-89
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 89
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 90
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 83-84
  9. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 84-85
  10. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 91
  11. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 84
  12. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 86
  13. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 93
  14. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 94
  15. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 91-92
٣٩

أبو سعيد الخدري

الكنية: أبو سعيد · الوفاة: 74 هـ / 693 م، المدينة المنورة

نسبه

٣٩ | ٢-١أبو سعيد الخدري، سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج، الإمام المجاهد، مفتي المدينة، واسم الأبجر: خدرة. وأخو أبي سعيد لأمه قتادة بن النعمان الظفري، أحد البدريين.[٢]

يوم أحد وما بعده

٣٩ | ٣-١قال أبو سعيد: عُرضت يوم أحد على النبي ﷺ وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله، إنه عبل العظام، وجعل نبي الله ﷺ يصعّد في النظر ويصوّبه، ثم قال: ردّه، فردّني. واستُشهد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق وبيعة الرضوان.[٣]

٣٩ | ٣-٢وقال: أتى علينا رسول الله ﷺ ونحن أناس من ضعفة المسلمين، وإن بعضهم ليتوارى من بعض من العري، فقال رسول الله ﷺ بيده فأدارها شبه الحلقة، فاستدارت له الحلقة، فقال: بما كنتم تراجعون؟ قالوا: هذا رجل يقرأ لنا القرآن ويدعو لنا، قال: فعودوا لما كنتم فيه، ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم، ثم قال: ليبشر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام. أخرجه أبو داود.[٤]

فقيه المدينة

٣٩ | ٤-١حدّث أبو سعيد عن النبي ﷺ فأكثر وأطاب، وعن أبي بكر وعمر وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين، وقال أشياخ حنظلة بن أبي سفيان: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أعلم من أبي سعيد الخدري. ومسنده ألف ومائة وسبعون حديثاً. وكان يقول: عليك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في أهل السماء وذكرك في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان.[٥، ٦]

يوم الحرة ووفاته

٣٩ | ٥-١دخل أبو سعيد يوم الحرة غاراً، فدخل عليه رجل من أهل الشام، وفي عنق أبي سعيد السيف، فقال لأبي سعيد: اخرج، قال: لا أخرج، وإن تدخل أقتلك، فدخل الشامي عليه، فوضع أبو سعيد السيف وقال: بؤ بإثمي وإثمك، وكن من أصحاب النار، قال: أنت أبو سعيد الخدري؟ قال: نعم، قال: فاستغفر لي، غفر الله لك.[٧]

٣٩ | ٥-٢قال الواقدي وجماعة: مات سنة أربع وسبعين. وفي تقريب التهذيب: مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين.[٨، ١]

مصادر الترجمة

  1. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ص 232
  2. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 168-169
  3. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 169
  4. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 171-172
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 169-170
  6. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 172
  7. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 170
  8. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 3، ص 171

المصادر

  1. الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)
  2. السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين
  3. القرآن الكريم
  4. تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)
  5. سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة
  6. صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ)
أبلغ عن خطأ