إبراهيم عليه السلام

٠٪ · بقي ٣٦ د

إبراهيم عليه السلام

خليل الرحمن
قراءة ٣٦ د

النبذة

إبراهيم عليه السلام ١-١هو إبراهيم بن تارَخ بن ناحور، من ذرية سام بن نوح عليه السلام، وكان يُكنى أبا الضِّيفان. وُلد في أرض الكلدانيين، وهي أرض بابل، وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ. وتزوج سارة، وكانت عاقراً لا تلد، ثم خرج أبوه بأهله من أرض بابل قاصدين أرض الكنعانيين، وهي بلاد بيت المقدس، فنزلوا حرّان، فمات فيها أبوه.

إبراهيم عليه السلام ١-٢وكان أهل حرّان يعبدون الكواكب السبعة، وأهل بابل يعبدون الأصنام، وكل من كان على وجه الأرض يومئذ كانوا كفاراً، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط. فكان الخليل هو الذي أزال الله به تلك الشرور وأبطل به ذاك الضلال؛ فإن الله آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولاً، واتخذه خليلاً في كبره.

إبراهيم عليه السلام ١-٣قال الله تعالى:

﴿۞ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ﴾سورة الأنبياء (مكية)، الآية ٥١

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

دعوته أباه

إبراهيم عليه السلام ٢-١وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له، فدعاه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة: بيّن له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً؟ ثم نبّهه على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سناً من أبيه.

إبراهيم عليه السلام ٢-٢قال الله تعالى:

﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِبْرَٰهِيمَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًۭا نَّبِيًّا ٤١ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًۭٔا ٤٢ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًۭا سَوِيًّۭا ٤٣ يَٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَٰنَ ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّۭا ٤٤ يَٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَٰنِ وَلِيًّۭا ٤٥ ﴾سورة مريم (مكية)، الآيات ٤١–٤٥

إبراهيم عليه السلام ٢-٧فلم يقبل أبوه النصيحة، بل تهدّده وتوعّده، وقال له: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته لأرجمنك، واهجرني ملياً، أي اقطعني وأطِل هجراني. فعندها قال له إبراهيم: سلام عليك، أي لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى، وزاده خيراً فقال: سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً، أي لطيفاً في أن هداني لعبادته والإخلاص له.

إبراهيم عليه السلام ٢-٨قال الله تعالى:

﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّۭا ٤٦ قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّۭا ٤٧ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّۭا ٤٨ ﴾سورة مريم (مكية)، الآيات ٤٦–٤٨

إبراهيم عليه السلام ٢-١١وقد استغفر له إبراهيم كما وعده في أدعيته، فلما تبيّن له أنه عدو لله تبرّأ منه.

إبراهيم عليه السلام ٢-١٢قال الله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّۭ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ﴾سورة التوبة (مدنية)، الآية ١١٤
إبراهيم عليه السلام ٢-١٣«يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رب إِنَّك وَعَدتنِي أَن لَا تخزيني يَوْم يبعثون فأى خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ»من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ، رواه البخاري في قصة إبراهيم.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

مناظرته قومه في الكواكب

إبراهيم عليه السلام ٣-١ثم ناظر قومه من أهل حرّان، وكانوا يعبدون الكواكب، فبيّن لهم أن هذه الأجرام المشاهدة لا تصلح للألوهية ولا أن تُعبد مع الله؛ لأنها مخلوقة مربوبة مسخّرة، تطلع تارة وتأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية. فبيّن لهم أولاً عدم صلاحية الكوكب لذلك، ثم ترقّى منه إلى القمر الذي هو أضوأ منه، ثم ترقّى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياءً، فبيّن أنها مسخّرة مسيّرة مقدّرة مربوبة.

إبراهيم عليه السلام ٣-٢قال الله تعالى:

﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ ٧٦ فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧ فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَٰذَا رَبِّى هَٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ٧٨ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٧٩ ﴾سورة الأنعام (مكية)، الآيات ٧٦–٧٩

إبراهيم عليه السلام ٣-٦والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب كانت لأهل حرّان، فإنهم كانوا يعبدونها، لا أنه قالها حين كان صغيراً كما في أخبار إسرائيلية لا يوثق بها.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

تكسير الأصنام

إبراهيم عليه السلام ٤-١وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسّرها عليهم. أنكر عليهم عبادتها وحقّرها عندهم، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ قالوا: وجدنا آباءنا لها عابدين؛ فما كانت حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد. وسألهم: هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون؟ فسلّموا له أنها لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر، وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم.

إبراهيم عليه السلام ٤-٢قال الله تعالى:

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِىٓ أَنتُمْ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢ قَالُوا۟ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٥٤ ﴾سورة الأنبياء (مكية)، الآيات ٥٢–٥٤

إبراهيم عليه السلام ٤-٥فقالوا: أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين؟ أي أتقول هذا جاداً أم لاعباً؟ فقال: بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن، أي بل أقوله جاداً محقاً، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، فهو المستحق للعبادة وحده. ثم أقسم: وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين، أي إلى عيدهم.

إبراهيم عليه السلام ٤-٦قال الله تعالى:

﴿قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦ وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدْبِرِينَ ٥٧ ﴾سورة الأنبياء (مكية)، الآيات ٥٥–٥٧

إبراهيم عليه السلام ٤-٩وكان لهم عيد يذهبون إليه كل عام مرة إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضره، فنظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم، عرّض لهم في الكلام حتى توصّل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم. فلما خرجوا إلى عيدهم ذهب إليها مسرعاً مستخفياً، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها، فقال لها متهكماً: ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟ ثم مال عليها ضرباً باليمين، فكسّرها بقَدوم في يده، فجعلها حطاماً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون.

إبراهيم عليه السلام ٤-١٠قال الله تعالى:

﴿فَنَظَرَ نَظْرَةًۭ فِى ٱلنُّجُومِ ٨٨ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ ٨٩ فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ٩٠ فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ٩١ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ٩٢ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ ٩٣ ﴾سورة الصافات (مكية)، الآيات ٨٨–٩٣

إبراهيم عليه السلام ٤-١٦فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حلّ بمعبودهم قالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، أي يذكرها بالعيب والتنقص. قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، أي في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل: أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عبّاد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه.

إبراهيم عليه السلام ٤-١٧قال الله تعالى:

﴿قَالُوا۟ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩ قَالُوا۟ سَمِعْنَا فَتًۭى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ ٦٠ قَالُوا۟ فَأْتُوا۟ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ٦١ ﴾سورة الأنبياء (مكية)، الآيات ٥٩–٦١

إبراهيم عليه السلام ٤-٢٠فلما اجتمعوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، وإنما أراد أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات. فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة، ثم أطرقوا وقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون، أي فكيف تأمرنا بسؤالها! فعند ذلك قال لهم الخليل: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم؟ أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟ وقال: أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون؛ أي كيف تعبدون أصناماً تنحتونها بأيديكم من الخشب والحجارة، وأنتم مخلوقون وهي مخلوقة؟

إبراهيم عليه السلام ٤-٢١قال الله تعالى:

﴿قَالُوٓا۟ ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ ٦٢ قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ ٦٣ فَرَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤ ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ ٦٦ أُفٍّۢ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٦٧ ﴾سورة الأنبياء (مكية)، الآيات ٦٢–٦٧

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

في النار

إبراهيم عليه السلام ٥-١فلما انقطعوا وغُلبوا ولم تبق لهم حجة، عدلوا عن الجدال إلى استعمال قوتهم وسلطانهم، فقالوا: حرّقوه وانصروا آلهتكم. فشرعوا يجمعون حطباً من كل مكان، فمكثوا مدة يجمعون له، حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطباً لحريق إبراهيم. ثم عمدوا إلى حفرة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار، فاضطربت وتأججت وعلا لها شرر لم يُرَ مثله قط.

إبراهيم عليه السلام ٥-٢قال الله تعالى:

﴿قَالُوا۟ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓا۟ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ﴾سورة الأنبياء (مكية)، الآية ٦٨

إبراهيم عليه السلام ٥-٣ثم أخذوا يقيّدونه ويكتّفونه، فلما ألقوه في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قيل له: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.

إبراهيم عليه السلام ٥-٤قال الله تعالى:

﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾سورة آل عمران (مدنية)، الآية ١٧٣

إبراهيم عليه السلام ٥-٥فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. قال علي بن أبي طالب: أي لا تضرّيه. وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: وسلاماً على إبراهيم، لآذى إبراهيمَ بردُها. فأرادوا أن ينتصروا فخُذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتّضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغُلبوا.

إبراهيم عليه السلام ٥-٦قال الله تعالى:

﴿قُلْنَا يَٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ٦٩ وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ ٧٠ ﴾سورة الأنبياء (مكية)، الآيات ٦٩–٧٠

إبراهيم عليه السلام ٥-٨وروى البخاري عن أم شريك أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وقال: كان ينفخ على إبراهيم. وفي رواية الإمام أحمد عن عائشة عن رسول الله ﷺ: أن إبراهيم لما أُلقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ، فإنه جعل ينفخها عليه.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

مناظرته الملك

إبراهيم عليه السلام ٦-١وناظر الخليلُ الملكَ الجبار المتمرد الذي ادّعى لنفسه الربوبية، قال المفسرون وغيرهم: وهو ملك بابل، واسمه النمرود. فلما دعاه إبراهيم إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال على إنكار الصانع، فحاجّ إبراهيم وادّعى لنفسه الربوبية. فلما قال الخليل: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت؛ قال قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: يعني أنه إذا أُتي بالرجلين قد تحتّم قتلهما، فأمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر. وهذا ليس بمعارضة للخليل، بل هو كلام خارج عن مقام المناظرة.

إبراهيم عليه السلام ٦-٢ولما كان انقطاعه قد يخفى على كثير من الناس، ذكر له دليلاً آخر يبيّن بطلان ما ادّعاه جهرة، فقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب؛ أي هذه الشمس مسخّرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخّرها خالقها، فإن كنت كما زعمت فأت بها من المغرب. فلم يبق له كلام يجيب به الخليل، بل انقطع وسكت، ولهذا قال: فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.

إبراهيم عليه السلام ٦-٣قال الله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾سورة البقرة (مدنية)، الآية ٢٥٨

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

الهجرة إلى الشام ومصر

إبراهيم عليه السلام ٧-١ثم هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم، وكانت امرأته عاقراً، ولم يكن له من الولد أحد، بل معه ابن أخيه لوط، فآمن له لوط. ووهبه الله بعد ذلك الأولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل نبي بُعث بعده فهو من ذريته؛ كرامةً له حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى بلد يتمكن فيه من عبادة ربه ودعوة الخلق إليه. والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام، وهي التي قال الله فيها: إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين.

إبراهيم عليه السلام ٧-٢قال الله تعالى:

﴿۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌۭ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٢٦ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَٰبَ وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧ ﴾سورة العنكبوت (مكية)، الآيات ٢٦–٢٧
﴿وَنَجَّيْنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَٰلَمِينَ﴾سورة الأنبياء (مكية)، الآية ٧١

إبراهيم عليه السلام ٧-٥ثم أصاب الأرضَ قحط وشدة فارتحلوا إلى مصر. وروى البخاري عن أبي هريرة أن إبراهيم أتى بسارة على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: أختي. فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذّبيني. وقوله: أختي، أي في دين الله.

إبراهيم عليه السلام ٧-٦فأرسل إليها، وفي رواية الإمام أحمد أنها لما دخلت عليه قامت تتوضأ وتصلي وتدعو الله ألا يسلّطه عليها. فلما ذهب يتناولها بيده أُخذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأُطلق؛ ثم تناولها الثانية فأُخذ مثلها أو أشد، فدعت فأُطلق. فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان، فأخدمها هاجر. وكان إبراهيم من وقت ذُهب بها إلى الملك قام يصلي ويسأل الله أن يدفع عن أهله.

إبراهيم عليه السلام ٧-٧«فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَمْ؟ فَقَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أَوِ الْفَاجِرِ فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ»من حديث أبي هريرة، رواه البخاري. (مهيم: ما الخبر؟)

إبراهيم عليه السلام ٧-٨ثم رجع الخليل من بلاد مصر إلى الأرض المقدسة التي كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية. ثم إن لوطاً نزح بماله بأمر الخليل إلى أرض الغَور، فنزل بمدينة سدوم، وكان أهلها أشراراً كفاراً فجاراً.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

إسماعيل وأمه بمكة

إبراهيم عليه السلام ٨-١وذكر أهل الكتاب أن سارة وهبت هاجر لإبراهيم لعل الله يرزقها منها ولداً، فولدت له إسماعيل، وهو أول ولد وُلد له، على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل. فلما وُلد لها إسماعيل اشتدت غيرة سارة منها، فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم.

إبراهيم عليه السلام ٨-٢روى البخاري عن ابن عباس قال: جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقاً.

إبراهيم عليه السلام ٨-٣«فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ بِهِ أنيس وَلَا شئ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ»من حديث ابن عباس، رواه البخاري.

إبراهيم عليه السلام ٨-٤فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنيّة حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم رفع يديه فدعا بهؤلاء الدعوات:

إبراهيم عليه السلام ٨-٥قال الله تعالى:

﴿رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾سورة إبراهيم (مكية)، الآية ٣٧

إبراهيم عليه السلام ٨-٦وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه تنظر هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت حتى إذا بلغت بطن الوادي سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال النبي ﷺ: فلذلك سعي الناس بينهما.

إبراهيم عليه السلام ٨-٧فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه في سقائها وهو يفور. قال النبي ﷺ: يرحم الله أم إسماعيل! لو تركت زمزم لكانت زمزم عيناً معيناً. فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيّع أهله.

إبراهيم عليه السلام ٨-٨ثم مرّت بهم رفقة من جُرهم، فرأوا طائراً يدور على ماء، فأرسلوا من ينظر، فإذا هم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قال النبي ﷺ: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأُنس. فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، وشبّ الغلام وتعلّم العربية منهم، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل.

إبراهيم عليه السلام ٨-٩فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجده، فسأل امرأته عن عيشهم فقالت: نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، فقال: إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل وأخبرته قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، فطلّقها وتزوج منهم أخرى. ثم أتاهم إبراهيم بعدُ فلم يجده، فسأل امرأته فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، فقال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء؛ وقال لها: مُريه يثبّت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

الذبيح

إبراهيم عليه السلام ٩-١ولما هاجر الخليل من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فبشّره الله بغلام حليم، وهو إسماعيل، لأنه أول من وُلد له وبكره. فلما بلغ معه السعي، أي شبّ وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل، رأى إبراهيم في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا، ورؤيا الأنبياء وحي. وهذا اختبار من الله لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر، بعد ما أمر بأن يُسكنه هو وأمه في بلاد قفر، فامتثل أمر الله وسارع إلى طاعته.

إبراهيم عليه السلام ٩-٢قال الله تعالى:

﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ ٩٩ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠ فَبَشَّرْنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٍۢ ١٠١ ﴾سورة الصافات (مكية)، الآيات ٩٩–١٠١

إبراهيم عليه السلام ٩-٥ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسراً، فقال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟ فبادر الغلام الحليم فقال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد.

إبراهيم عليه السلام ٩-٦قال الله تعالى:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾سورة الصافات (مكية)، الآية ١٠٢

إبراهيم عليه السلام ٩-٧فلما أسلما، أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك، وتلّه للجبين، أي ألقاه على وجهه، نودي من الله: أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا؛ أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك، وبذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران. إن هذا لهو البلاء المبين، أي الاختبار الظاهر البيّن. وفديناه بذبح عظيم، وقد ورد في الحديث أنه كان كبشاً، وفي القرآن كفاية عما جرى من الأمر العظيم.

إبراهيم عليه السلام ٩-٨قال الله تعالى:

﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ١٠٣ وَنَٰدَيْنَٰهُ أَن يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ ١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيْنَٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ ١٠٧ ﴾سورة الصافات (مكية)، الآيات ١٠٣–١٠٧

إبراهيم عليه السلام ٩-١٣والذبيح هو إسماعيل على الصحيح، وهو الظاهر من القرآن بل كأنه نص فيه، لأن الله ذكر قصة الذبيح ثم قال بعدها: وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين. وقد بُشّر بإسحاق ومن ورائه يعقوب، فكيف يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له يعقوب؟ ولأن قرني الكبش بقيا معلقين في الكعبة، وإسماعيل هو الذي كان مقيماً بمكة. وهو الصحيح عن ابن عباس، قال: المفديّ إسماعيل.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

البشارة بإسحاق

إبراهيم عليه السلام ١٠-١ثم جاءت الملائكة إبراهيمَ وهم مجتازون ذاهبون إلى مدائن قوم لوط ليدمّروا عليهم لكفرهم وفجورهم، فحسبهم أولاً أضيافاً، فعاملهم معاملة الضيوف، وشوى لهم عجلاً سميناً من خيار بقره، فلما قرّبه إليهم لم ير لهم همّة إلى الأكل، لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام، فأوجس منهم خيفة، قالوا: لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط.

إبراهيم عليه السلام ١٠-٢قال الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ ٦٩ فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ ٧٠ ﴾سورة هود (مكية)، الآيات ٦٩–٧٠

إبراهيم عليه السلام ١٠-٤وكانت سارة قائمة على رؤوس الأضياف، فلما ضحكت استبشاراً بهلاك القوم بشّرتها الملائكة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فأقبلت في صرخة فصكّت وجهها كما يفعل النساء عند التعجب، وقالت: يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً؟ إن هذا لشيء عجيب. قالوا: أتعجبين من أمر الله؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. وتعجّب إبراهيم استبشاراً بالبشارة وفرحاً بها، فأكدوا له الخبر: بشّرناك بالحق فلا تكن من القانطين.

إبراهيم عليه السلام ١٠-٥قال الله تعالى:

﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ ٧١ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ ٧٢ قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ ٧٣ ﴾سورة هود (مكية)، الآيات ٧١–٧٣

إبراهيم عليه السلام ١٠-٨وفي البشارة بيعقوب من وراء إسحاق دليل على أنهما يستمتعان بولدهما إسحاق، ثم من بعده يولد ولده يعقوب في حياتهما لتقرّ أعينهما به كما قرّت بأبيه.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

بناء البيت

إبراهيم عليه السلام ١١-١ثم أمر الله إبراهيم أن يبني له بيتاً يكون لأهل الأرض، وبوّأه مكانه، أي أرشده إليه ودلّه عليه. ففي حديث ابن عباس الذي رواه البخاري أن إبراهيم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكَمة مرتفعة على ما حولها.

إبراهيم عليه السلام ١١-٢فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم. وهذا الحجر هو مقام إبراهيم، وقد كان ملصقاً بحائط الكعبة إلى أيام عمر بن الخطاب فأخّره عن البيت قليلاً لئلا يشغل المصلّون عنده الطائفين.

إبراهيم عليه السلام ١١-٣قال الله تعالى:

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١٢٧ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١٢٩ ﴾سورة البقرة (مدنية)، الآيات ١٢٧–١٢٩

إبراهيم عليه السلام ١١-٦فبنى الخليل أشرف المساجد في أشرف البقاع، في واد غير ذي زرع، ودعا لأهلها بالبركة وأن يُرزقوا من الثمرات، وأن يجعله حرماً آمناً، فاستجاب الله له. وسأل الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم، فاستجاب الله له فبعث فيهم محمداً ﷺ، ختم به أنبياءه ورسله. وأمره الله أن يؤذّن في الناس بالحج.

إبراهيم عليه السلام ١١-٧قال الله تعالى:

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًۭٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦ وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ ٢٧ ﴾سورة الحج (مدنية)، الآيات ٢٦–٢٧

إبراهيم عليه السلام ١١-٩وبين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى أربعون سنة، كما في الصحيحين عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وُضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

صفته ووفاته

إبراهيم عليه السلام ١٢-١وقال رسول الله ﷺ في صفته: رأيت عيسى ابن مريم وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم، قالوا له: فإبراهيم؟ قال: انظروا إلى صاحبكم، يعني نفسه ﷺ. رواه الإمام أحمد عن ابن عباس، ورواه البخاري ومسلم بنحوه.

إبراهيم عليه السلام ١٢-٢وذكر أهل الكتاب أن سارة ماتت قبله بقرية حبرون في أرض كنعان، فحزن عليها إبراهيم، واشترى مغارة دفنها فيها، ثم مرض إبراهيم ومات، ودُفن في تلك المغارة عند امرأته سارة، وتولّى دفنه ابناه إسماعيل وإسحاق، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

المصدر: قصص الأنبياء

صفحة المصادر (٧٠)

اسأل عن سيرة إبراهيم عليه السلام

يجيب الذكاء الاصطناعي من صفحات كتب المصادر التي كُتبت منها هذه السيرة، ويذكر الكتاب والجزء والصفحة. راجع المصدر قبل الاعتماد على الجواب.

أبلغ عن خطأ