عيسى عليه السلام

٠٪ · بقي ٣١ د

عيسى عليه السلام

المسيح ابن مريم
قراءة ٣١ د

النبذة

عيسى عليه السلام ١-١أنزل الله صدر سورة آل عمران لما قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ فجعلوا يذكرون ما هم عليه من التثليث، فبيّن فيها أن عيسى عبد من عباد الله، خلقه وصوّره في الرحم كما صوّر غيره من المخلوقات، وأنه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم، وقال له: كن فكان. وبيّن أصل ميلاد أمه مريم، وكيف حملت بولدها عيسى، وبسط ذلك في سورة مريم.

عيسى عليه السلام ١-٢قال الله تعالى:

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾سورة آل عمران (مدنية)، الآية ٥٩

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

مريم بنت عمران

عيسى عليه السلام ٢-١اصطفى الله آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، والمراد بعمران هذا والد مريم، ولا خلاف أنها من سلالة داود، وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكانت أمها حنّة من العابدات. وذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أم مريم كانت لا تحبل، فرأت يوماً طائراً يزقّ فرخاً له فاشتهت الولد، فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محرّراً، أي حبيساً في بيت المقدس، فحملت بمريم.

عيسى عليه السلام ٢-٢قال الله تعالى:

﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ٣٣ ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤ إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٣٥ ﴾سورة آل عمران (مدنية)، الآيات ٣٣–٣٥

عيسى عليه السلام ٢-٥فلما وضعتها قالت: رب إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، أي في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خدّاماً من أولادهم، وقالت: وإني سميتها مريم، وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم؛ وقد استُجيب لها في هذا كما تُقبّل منها نذرها، فروى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ما من مولود إلا والشيطان يمسّه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مسّ الشيطان إلا مريم وابنها.

عيسى عليه السلام ٢-٦قال الله تعالى:

﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾سورة آل عمران (مدنية)، الآية ٣٦

عيسى عليه السلام ٢-٧فتقبّلها ربها بقبول حسن، وتنازع العبّاد المقيمون بالمسجد في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وزوجته أختها أو خالتها، فطلبوا أن يقترعوا، فألقوا أقلامهم فخرجت قرعة زكريا غالبة، فكفلها. واتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه ليلها ونهارها، حتى صارت يُضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، وكان زكريا كلما دخل عليها يجد عندها رزقاً غريباً في غير أوانه، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها: أنّى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله.

عيسى عليه السلام ٢-٨قال الله تعالى:

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٣٧ ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٤٤ سورة آل عمران (مدنية)، الآيات ٣٧، ٤٤

عيسى عليه السلام ٢-١٠وبشّرتها الملائكة باصطفاء الله لها: يا مريم إن الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين، يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين؛ فأُمرت بكثرة العبادة لتكون أهلاً لهذه الكرامة. وقال رسول الله ﷺ: خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد، رواه البخاري ومسلم عن علي. وقال: حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، رواه أحمد والترمذي وصحّحه.

عيسى عليه السلام ٢-١١قال الله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ ٤٢ يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣ ﴾سورة آل عمران (مدنية)، الآيات ٤٢–٤٣

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

البشارة والحمل

عيسى عليه السلام ٣-١وكانت إنما تخرج من المسجد لحاجة ضرورية لا بد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يوماً قد خرجت لبعض شؤونها، وانتبذت، أي انفردت وحدها شرقيّ المسجد الأقصى، إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل، فتمثّل لها بشراً سوياً، فلما رأته قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً. قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً، أي لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك. قالت: أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً؟ قال: كذلك قال ربك هو عليّ هيّن، ولنجعله آية للناس؛ فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى.

عيسى عليه السلام ٣-٢قال الله تعالى:

﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًۭا شَرْقِيًّۭا ١٦ فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًۭا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًۭا سَوِيًّۭا ١٧ قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّۭا ١٨ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمًۭا زَكِيًّۭا ١٩ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّۭا ٢٠ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ ۖ وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةًۭ مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًۭا مَّقْضِيًّۭا ٢١ ﴾سورة مريم (مكية)، الآيات ١٦–٢١

عيسى عليه السلام ٣-٨فذكر غير واحد من السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة فحملت من فورها، كما قال تعالى: ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا. فلما حملت ضاقت به ذرعاً، وعلمت أن كثيراً من الناس سيكون منهم كلام في حقها، فانتبذت به مكاناً قصياً. والظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء، إذ لو كان خلاف ذلك لذُكر. قال محمد بن إسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فتوارت عنهم مريم واعتزلتهم.

عيسى عليه السلام ٣-٩قال الله تعالى:

﴿۞ فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًۭا قَصِيًّۭا﴾سورة مريم (مكية)، الآية ٢٢
﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَٰنَ ٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَٰنِتِينَ﴾سورة التحريم (مدنية)، الآية ١٢

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

الميلاد عند جذع النخلة

عيسى عليه السلام ٤-١فألجأها الطلق إلى جذع النخلة، وهو ببيت لحم بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعاً، فقالت: يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً؛ علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها حين تأتيهم بغلام، مع أنها كانت عندهم من العابدات المجاورات في المسجد ومن بيت النبوة والديانة. فناداها من تحتها، قيل: جبريل، وقيل: ابنها عيسى، ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً، والصحيح أنه النهر، وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً، فكلي واشربي وقرّي عيناً.

عيسى عليه السلام ٤-٢قال الله تعالى:

﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًۭا مَّنسِيًّۭا ٢٣ فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّۭا ٢٤ وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًۭا جَنِيًّۭا ٢٥ فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًۭا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًۭا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًۭا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّۭا ٢٦ ﴾سورة مريم (مكية)، الآيات ٢٣–٢٦

عيسى عليه السلام ٤-٦فإما ترينّ من البشر أحداً فقولي: إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً، أي بلسان الحال والإشارة، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام. فأتت به قومها تحمله، قال ابن عباس: وذلك بعدما تعالت من نفاسها بعد أربعين يوماً، فلما رأوها تحمل ولدها قالوا: يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً، أي أمراً عظيماً منكراً، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً. وقد دلّ الحديث على أنه كان لها أخ اسمه هارون مشهور بالدين والصلاح، فروى مسلم عن المغيرة بن شعبة أن أهل نجران سألوه عن ذلك وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم.

عيسى عليه السلام ٤-٧قال الله تعالى:

﴿فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ ۖ قَالُوا۟ يَٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًۭٔا فَرِيًّۭا ٢٧ يَٰٓأُخْتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا ٢٨ ﴾سورة مريم (مكية)، الآيات ٢٧–٢٨

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

الكلام في المهد

عيسى عليه السلام ٥-١فاتهموها بالفاحشة العظمى، فلما ضاق الحال وامتنع المقال عظم التوكل على ذي الجلال، فأشارت إليه، أي خاطبوه وكلّموه فإن جوابكم عليه، فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟ فعندها قال: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً، والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً.

عيسى عليه السلام ٥-٢قال الله تعالى:

﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّۭا ٢٩ قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّۭا ٣٠ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّۭا ٣١ وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًۭا شَقِيًّۭا ٣٢ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّۭا ٣٣ ﴾سورة مريم (مكية)، الآيات ٢٩–٣٣

عيسى عليه السلام ٥-٧فكان أول ما تكلّم به أن قال: إني عبد الله، اعترف لربه بالعبودية، فنزّه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برّأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون بقوله: آتاني الكتاب وجعلني نبياً، فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا. وقال: وبراً بوالدتي، لأنه تأكد حقها عليه إذ لا والد له سواها.

عيسى عليه السلام ٥-٨ثم قال الله: ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون، ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه: فمن قائل من اليهود إنه ولد زنية، وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله، وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون. وروى البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل.

عيسى عليه السلام ٥-٩قال الله تعالى:

﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ٣٤ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍۢ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ٣٦ فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ٣٧ ﴾سورة مريم (مكية)، الآيات ٣٤–٣٧

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

النشأة والبعثة بالإنجيل

عيسى عليه السلام ٦-١وُلد عيسى عليه السلام ببيت لحم قريباً من بيت المقدس، وزعم وهب بن منبه أنه وُلد بمصر، وهذا لا يصح، والحديث المتقدم دليل على أن مولده كان ببيت لحم، ومهما عارضه فباطل. وقد قال تعالى: وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين، والربوة المكان المرتفع من الأرض، والمعين الماء الجاري على وجه الأرض، فقيل المراد المكان الذي ولدت فيه المسيح، ولهذا ناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً، وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف.

عيسى عليه السلام ٦-٢قال الله تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةًۭ وَءَاوَيْنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ﴾سورة المؤمنون (مكية)، الآية ٥٠

عيسى عليه السلام ٦-٣وأُنزل الإنجيل على عيسى ابن مريم لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وذكر ابن جرير في تاريخه أنه أُنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة، ومكث حتى رُفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

عيسى عليه السلام ٦-٤وروى أبو داود في كتاب القدر عن طاوس قال: لقي عيسى ابن مريم إبليس فقال: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كُتب لك؟ قال إبليس: فأوفِ بذروة هذا الجبل فتردّ منه فانظر هل تعيش أم لا. فقال عيسى: أما علمت أن الله قال: لا يجرّبني عبدي فإني أفعل ما شئت. وقال الزهري: إن العبد لا يبتلي ربه ولكن الله يبتلي عبده.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

المعجزات والحواريون

عيسى عليه السلام ٧-١يذكّره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب، وجعله آية للناس ودلالة على كمال قدرته، ثم إرساله بعد هذا كله، وعلى والدته في اصطفائها وإقامة البرهان على براءتها مما نسبها إليه الجاهلون. إذ أيدتك بروح القدس، وهو جبريل. وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير، أي تصوّره وتشكّله على هيئة الطير عن أمر الله له بذلك، فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني، يؤكد تعالى بذكر الإذن لرفع التوهّم. وتبرئ الأكمه، وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته، والأبرص الذي صار داؤه عضالاً، وإذ تخرج الموتى، أي من قبورهم أحياء بإذني.

عيسى عليه السلام ٧-٢قال الله تعالى:

﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ﴾سورة المائدة (مدنية)، الآية ١١٠
﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ٥١ ﴾سورة آل عمران (مدنية)، الآيات ٤٩–٥١

عيسى عليه السلام ٧-٦كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان؛ فموسى عليه السلام بُعث في قوم سحرة أذكياء، فبُعث بآيات بهرت الأبصار فأسلم السحرة سراعاً. وهكذا عيسى ابن مريم بُعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأُرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وأنّى لحكيم إبراء الأكمه والأبرص، وكيف يتوصّل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره؟ وهكذا محمد ﷺ بُعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي تحدّى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله.

عيسى عليه السلام ٧-٧فلما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وعنادهم، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصاراً وأعواناً، قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته. قال: من أنصاري إلى الله؟ أي من يساعدني في الدعوة إلى الله، قال الحواريون: نحن أنصار الله، وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسُمّوا بذلك النصارى. فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة.

عيسى عليه السلام ٧-٨قال الله تعالى:

﴿۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾سورة آل عمران (مدنية)، الآية ٥٢
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّۦنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌۭ ۖ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا۟ ظَٰهِرِينَ﴾سورة الصف (مدنية)، الآية ١٤

عيسى عليه السلام ٧-١٠فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد قام فيهم خطيباً فبشّرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده، ونوّه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه، إقامة للحجة عليهم وإحساناً من الله إليهم. وسأل أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن نفسك، قال: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى.

عيسى عليه السلام ٧-١١قال الله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ قَالُوا۟ هَٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ﴾سورة الصف (مدنية)، الآية ٦

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

المائدة

عيسى عليه السلام ٨-١ومضمون الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف: أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوماً، فلما أتموها سألوه إنزال مائدة من السماء ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله قد تقبّل صيامهم، وتكون لهم عيداً يفطرون عليها. فوعظهم عيسى في ذلك وخاف عليهم ألا يقوموا بشكرها، فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه، فقام إلى مصلاه ولبس مسحاً من شعر، وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء، وتضرّع إلى الله في الدعاء.

عيسى عليه السلام ٨-٢قال الله تعالى:

﴿إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١١٢ قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ١١٥ ﴾سورة المائدة (مدنية)، الآيات ١١٢–١١٥

عيسى عليه السلام ٨-٦فأنزل الله المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين، وكلما دنت سأل عيسى ربه أن يجعلها رحمة لا نقمة، حتى استقرت بين يديه وهي مغطاة بمنديل، فكشف عنها وهو يقول: بسم الله خير الرازقين، فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة. فأمرهم بالأكل منها فقالوا: لا نأكل حتى تأكل، فقال: إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها، فأبوا، فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى فأكلوا منها، فبرأ كل من به عاهة أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها.

عيسى عليه السلام ٨-٧واختلف العلماء في المائدة: هل نزلت أم لا؟ فالجمهور أنها نزلت كما دلّت عليه هذه الآثار، وكما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله: إني منزّلها عليكم، كما قرّره ابن جرير. وروى ابن جرير بإسناد صحيح إلى مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: لم تنزل، وإنهم أبوا نزولها حين قال: فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

زهده ومواعظه

عيسى عليه السلام ٩-١كان عيسى عليه السلام يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر، ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال، ولا يدّخر شيئاً لغد، وقال بعضهم: كان يأكل من غزل أمه. وروى ابن عساكر عن الشعبي قال: كان عيسى إذا ذُكرت عنده الساعة صاح ويقول: لا ينبغي لابن مريم أن تُذكر عنده الساعة ويسكت. وقال الحسن: إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة.

عيسى عليه السلام ٩-٢ومن مواعظه المأثورة عنه: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة. وقوله: لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء. وقوله: طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله. وقالت له امرأة: طوبى لحجر حملك ولثدي أرضعك، فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه. ومرّ هو وأصحابه بجيفة فقالوا: ما أنتن ريحها، فقال: ما أبيض أسنانها، لينهاهم عن الغيبة.

عيسى عليه السلام ٩-٣وقال مالك: قال عيسى ابن مريم: لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية. وقال مكحول: التقى يحيى وعيسى، فصافحه عيسى وهو يضحك، فقال له يحيى: يا ابن خالة، ما لي أراك ضاحكاً كأنك قد أمنت؟ فقال له عيسى: ما لي أراك عابساً كأنك قد يئست؟ فأوحى الله إليهما: إن أحبكما إليّ أبشّكما بصاحبه.

المصدر: قصص الأنبياء

الرفع إلى السماء

عيسى عليه السلام ١٠-١أخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعدما توفّاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلّصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان، فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس، فلما حان وقت دخولهم أُلقي شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده، ورُفع عيسى من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وأهل البيت ينظرون، ودخل الشُّرط فوجدوا ذلك الشاب الذي أُلقي عليه شبهه فأخذوه ظانّين أنه عيسى فصلبوه.

عيسى عليه السلام ١٠-٢قال الله تعالى:

﴿وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ ٥٤ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥ ﴾سورة آل عمران (مدنية)، الآيات ٥٤–٥٥
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ١٥٨ ﴾سورة النساء (مدنية)، الآيات ١٥٧–١٥٨

عيسى عليه السلام ١٠-٦وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه، وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين، فقال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيُقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك. فأُلقي عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم.

عيسى عليه السلام ١٠-٧وقوله: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. وقال سعيد بن المسيب: رُفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

عيسى عليه السلام ١٠-٨قال الله تعالى:

﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا﴾سورة النساء (مدنية)، الآية ١٥٩

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

صفته ونزوله آخر الزمان

عيسى عليه السلام ١١-١قيل سُمّي المسيح لمسحه الأرض، وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان، لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه، وقيل لأنه كان ممسوح القدمين. وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال ليلة أُسري به: ولقيت عيسى، فنعته فقال: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، يعني الحمام. وروى عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر.

عيسى عليه السلام ١١-٢قال الله تعالى:

﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾سورة المائدة (مدنية)، الآية ٧٥

عيسى عليه السلام ١١-٣وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: رأى عيسى ابن مريم رجلاً يسرق فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذّبت عينيّ. قال ابن كثير: وهذا يدل على سجيّة طاهرة، حيث قدّم حلف ذلك الرجل، فظن أن أحداً لا يحلف بعظمة الله كاذباً. وروى البخاري عن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله.

عيسى عليه السلام ١١-٤وروى أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: الأنبياء إخوة لعلّات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويعطّل الملل حتى تهلك في زمانه كلها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يُتوفّى فيصلّي عليه المسلمون ويدفنونه. وفي رواية: فيمكث أربعين سنة.

عيسى عليه السلام ١١-٥وإنه ينزل على المنارة البيضاء بدمشق وقد أقيمت صلاة الصبح، فيقول له إمام المسلمين: تقدّم يا روح الله فصلّ، فيقول: لا، بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة. ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال، فيلحقه عند باب لُدّ فيقتله بيده الكريمة.

المصدر: قصص الأنبياء · القرآن الكريم

صفحة المصادر (٥٩)

اسأل عن سيرة عيسى عليه السلام

يجيب الذكاء الاصطناعي من صفحات كتب المصادر التي كُتبت منها هذه السيرة، ويذكر الكتاب والجزء والصفحة. راجع المصدر قبل الاعتماد على الجواب.

أبلغ عن خطأ