نسبه وطلبه العلم
أبو جعفر ١-١محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، الإمام، العلم، المجتهد، عالم العصر، أبو جعفر الطبري، صاحب التصانيف البديعة، من أهل آمل طبرستان. مولده سنة أربع وعشرين ومائتين، وطلب العلم بعد الأربعين ومائتين، وأكثر الترحال، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علماً وذكاءً وكثرة تصانيف، قلّ أن ترى العيون مثله. وقرأ القرآن ببيروت على العباس بن الوليد، واستقرّ في أواخر أمره ببغداد.
أبو جعفر ١-٢قال الفرغاني: رحل من آمل لما ترعرع وحفظ القرآن، وسمح له أبوه في أسفاره، وكان طول حياته يمدّه بالشيء بعد الشيء إلى البلدان فيقتات به، ويقول: أبطأت عني نفقة والدي، واضطررت إلى أن فتقت كمّي قميصي فبعتهما.
أبو جعفر ١-٣قال أبو العباس البكري: جمعت الرحلة بين ابن جرير وابن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني بمصر، فأرملوا، ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضرّ بهم الجوع، فاتفق رأيهم على أن يضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام، فخرجت القرعة على ابن خزيمة، فقال: أمهلوني حتى أصلي صلاة الخيرة، فاندفع في الصلاة، فإذا هم بالشموع وخصي من قبل والي مصر يدقّ الباب، فأعطى كل واحد منهم خمسين ديناراً.
المصدر: سير أعلام النبلاء
مؤدّب ولد الوزير
أبو جعفر ٢-١قال هارون بن عبد العزيز: لما دخل أبو جعفر بغداد كانت معه بضاعة يتقوّت منها فسُرقت، فأفضى به الحال إلى بيع ثيابه وكمّي قميصه، فقال له بعض أصدقائه: تنشط لتأديب بعض ولد الوزير أبي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان؟ قال: نعم، فقرّبه الوزير، ورفع مجلسه، وأجرى عليه عشرة دنانير في الشهر، فاشترط عليه أوقات طلبه للعلم والصلوات والراحة.
أبو جعفر ٢-٢وخرج إليه الصبي، فلما كتّبه أخذ الخادم اللوح ودخلوا مستبشرين، فلم تبق جارية إلا أهدت إليه صينية فيها دراهم ودنانير، فردّ الجميع، وقال: قد شُورطت على شيء، فلا آخذ سواه، فسأله الوزير، فقال: هؤلاء عبيد، وهم لا يملكون، فعظم ذلك في نفسه.
المصدر: سير أعلام النبلاء
تصانيفه
أبو جعفر ٣-١قال الخطيب: كان أحد أئمة العلماء، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، وله كتاب التفسير لم يُصنّف مثله، وكتاب سمّاه تهذيب الآثار لم أر سواه في معناه، لكن لم يتمّه. قال الذهبي: كان ثقة صادقاً حافظاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علّامة في التاريخ وأيام الناس.
أبو جعفر ٣-٢وقال أبو جعفر: استخرت الله، وسألته العون على ما نويته من تصنيف التفسير قبل أن أعمله ثلاث سنين، فأعانني. وقال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله! ماتت الهمم، فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة.
أبو جعفر ٣-٣وقال علي بن عبيد الله اللغوي: مكث محمد بن جرير أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة. وقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيراً. واستعار ابن خزيمة التفسير، ثم ردّه بعد سنين، ثم قال: لقد نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.
أبو جعفر ٣-٤وقال: أظهرت مذهب الشافعي، واقتديت به ببغداد عشر سنين، قال هارون بن عبد العزيز: فلما اتّسع علمه أدّاه اجتهاده وبحثه إلى ما اختاره في كتبه. قال الذهبي: وكان من كبار أئمة الاجتهاد، وتفسيره مشحون في آيات الصفات بأقوال السلف على الإثبات لها، لا على النفي والتأويل، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين أبداً.
المصدر: سير أعلام النبلاء
زهده في الولايات
أبو جعفر ٤-١قال المراغي: لما تقلّد الخاقاني الوزارة وجّه إلى أبي جعفر الطبري بمال كثير، فامتنع من قبوله، فعرض عليه القضاء فامتنع، فعرض عليه المظالم فأبى، فعاتبه أصحابه وقالوا: لك في هذا ثواب، وتحيي سنة قد درست، فباكروه ليركب معهم لقبول ذلك، فانتهرهم وقال: قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه.
أبو جعفر ٤-٢وأراد المكتفي أن يحبس وقفاً تجتمع عليه أقاويل العلماء، فأُحضر له ابن جرير، فأملى عليهم كتاباً لذلك، فأُخرجت له جائزة، فامتنع من قبولها، فقيل له: لا بد من قضاء حاجة، قال: أسأل أمير المؤمنين أن يمنع السؤال يوم الجمعة، ففعل ذلك. وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات، وقناعته بما كان يرد عليه من حصة من ضيعة خلّفها له أبوه بطبرستان يسيرة.
أبو جعفر ٤-٣قال الذهبي: وقد وقع بين ابن جرير وبين ابن أبي داود، وكان كل منهما لا ينصف الآخر، وكانت الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود، فكثروا وشغبوا على ابن جرير، وناله أذى، ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى. وكان ابن جرير من رجال الكمال.
المصدر: سير أعلام النبلاء
وفاته
أبو جعفر ٥-١قال أبو بكر الدينوري: لما كان وقت صلاة الظهر من اليوم الذي توفي فيه ابن جرير طلب ماء ليجدّد وضوءه، فقيل له: تؤخّر الظهر تجمع بينها وبين العصر، فأبى، وصلّى الظهر مفردة، والعصر في وقتها أتمّ صلاة وأحسنها. وقيل له قبل خروج روحه: يا أبا جعفر، هل من شيء توصينا به من أمر ديننا؟ فقال: الذي أدين الله به وأوصيكم هو ما ثبت في كتبي، فاعملوا به وعليه، وأكثر من التشهد وذكر الله، ومسح يده على وجهه، وغمّض بصره بيده، وبسطها وقد فارقت روحه الدنيا.
أبو جعفر ٥-٢قال أحمد بن كامل: توفي ابن جرير عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودُفن في داره برحبة يعقوب ببغداد، ولم يغيّر شيبه، وكان السواد فيه كثيراً، وكان أسمر إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم، طويلاً، فصيحاً، وشيّعه من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وصُلّي على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً.
المصدر: سير أعلام النبلاء
المصادر
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 267
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 269-270
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 276-277
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 270-271
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 271
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 272
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 274-275
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 272-273
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 275
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 269
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 280
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 270
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 274
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 277
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 276
- سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، ط الرسالة، ج 14، ص 282