بعث النبي ﷺ جيشاً إلى أطراف الشام وعيّن له ثلاثة أمراء على الترتيب، فاستُشهدوا جميعاً، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد.
البعث والأمراء
أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد عمرة القضاء بقية ذي الحجة والمحرم وصفراً وشهري ربيع، وبعث في جمادى الأولى سنة ثمان بعثه إلى الشام الذين أُصيبوا بمؤتة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أُصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 373
فتجهّز الناس ثم تهيّؤوا للخروج وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودّع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلّموا عليهم، فلما ودّع عبد الله بن رواحة من ودّع من أمراء رسول الله ﷺ بكى، فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حبّ الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله عز وجل يذكر فيها النار: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود. فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردّكم إلينا صالحين.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 373-374
ثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ معهم حتى إذا ودّعهم انصرف عنهم.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 374
معان
ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضمّ إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلي يقال له مالك بن زافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكّرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدّنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 375
«يَا قَوْمِ، وَاَللَّهِ إنَّ الَّتِي تَكْرَهُونَ، لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدِ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمَّا ظُهُورٌ وَإِمَّا شَهَادَةٌ»قول عبد الله بن رواحة يشجّع الناس على القتال.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 375
فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس. قال زيد بن أرقم: كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياتاً يتمنّى فيها الشهادة وألا يرجع إلى أهله، فلما سمعتهن منه بكيت، فخفقني بالدرّة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله شهادة وترجع بين شعبتي الرحل؟
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 376-377
اللقاء ومقتل الأمراء
فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبّأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له عباية بن مالك.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 377
ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم. ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام. وقال رجل من بني مرة بن عوف كان في تلك الغزوة: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل حتى قُتل وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها، طيبة وبارداً شرابها.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 378
قال ابن هشام: وحدّثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقُطعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قُتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 378
فلما قُتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردّد بعض التردد، ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنّه، لتنزلنّ أو لتكرهنّه، ما لي أراك تكرهين الجنة. ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شدّ بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدّم فقاتل حتى قُتل.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 379
خالد بن الوليد
ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس. وكان قطبة بن قتادة العذري، الذي كان على ميمنة المسلمين، قد حمل على مالك بن زافلة فقتله.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 379-381
قال ابن إسحاق: وبيّن قيس بن المسحّر اليعمري في شعره أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقّق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: فأما الزهري فقال فيما بلغنا عنه: أمّر المسلمون عليهم خالد بن الوليد، ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى قفل إلى النبي ﷺ.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 383
الخبر في المدينة
ولما أُصيب القوم قال رسول الله ﷺ فيما بلغ ابن إسحاق: أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قُتل شهيداً، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قُتل شهيداً، ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيّرت وجوه الأنصار، وظنّوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قُتل شهيداً، ثم قال: لقد رُفعوا إليّ في الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سريري صاحبيه، فقلت: عمّ هذا؟ فقيل لي: مضيا، وتردّد عبد الله بعض التردد ثم مضى.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 380
قالت أسماء بنت عميس: لما أُصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ رسول الله ﷺ، وقد دبغت أربعين مناً، وعجنت عجيني، وغسلت بنيّ ودهنتهم ونظّفتهم، فقال لي: ائتيني ببني جعفر، فأتيته بهم فتشمّمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: نعم، أُصيبوا هذا اليوم، فقمت أصيح، واجتمعت إليّ النساء، وخرج رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاماً، فإنهم قد شُغلوا بأمر صاحبهم.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 380-381
وقالت عائشة: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 381
رجوع الجيش
فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم قافلاً، فلما دنوا من حول المدينة تلقّاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدّون، ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر، فأُتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه. وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرّار، فررتم في سبيل الله! فيقول رسول الله ﷺ: ليسوا بالفرّار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله تعالى.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 382
وقالت أم سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ﷺ ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس: يا فرّار، فررتم في سبيل الله، حتى قعد في بيته فما يخرج.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 382-383
من شهدها
قائمة جزئية من الشخصيات المضافة إلى المنصة.