أحمد بن حنبل

٠٪ · بقي ١٦ د

أحمد بن حنبل

شيخ الإسلام
الكنية
أبو عبد الله
المولد
164 هـ
الوفاة
241 هـ / 855 م، بغداد
قراءة ١٦ د

نص الترجمة في تقريب التهذيب

أبو عبد الله ١-١«أحمد ابن محمد ابن حنبل ابن هلال ابن أسد الشيباني المروزي نزيل بغداد أبو عبد الله أحد الأئمة ثقة حافظ فقيه حجة وهو رأس الطبقة العاشرة مات سنة إحدى وأربعين وله سبع وسبعون سنة»روى له: أصحاب الكتب الستة.

المصدر: تقريب التهذيب

نسبه ونشأته يتيماً

أبو عبد الله ٢-١هو الإمام حقاً، وشيخ الإسلام صدقاً، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي، أحد الأئمة الأعلام. وكان محمد والد أبي عبد الله من أجناد مرو، مات شاباً له نحو من ثلاثين سنة، ورُبّي أحمد يتيماً، وقيل: إن أمه تحوّلت من مرو وهي حامل به. قال صالح: قال لي أبي: وُلدت في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة.

أبو عبد الله ٢-٢قال صالح: قال أبي: ثقبت أمي أذني، فكانت تصيّر فيهما لؤلؤتين، فلما ترعرعت نزعتهما، فكانت عندها، ثم دفعتهما إليّ فبعتهما بنحو من ثلاثين درهماً. وقال المروذي: قال لي أبو عبد الله: اختلفت إلى الكتّاب، ثم اختلفت إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة.

المصدر: سير أعلام النبلاء

صفته

أبو عبد الله ٣-١قال ابن ذريح العكبري: طلبت أحمد بن حنبل فسلّمت عليه، وكان شيخاً مخضوباً، طوالاً، أسمر، شديد السمرة. وقال محمد بن عباس النحوي: رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه، ربعة، يخضب بالحناء خضاباً ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، ورأيت ثيابه غلاظاً بيضاً. وقال الميموني: ما أعلم أني رأيت أحداً أنظف بدناً، ولا أشد تعاهداً لنفسه، ولا أنقى ثوباً بشدة بياض من أحمد بن حنبل.

المصدر: سير أعلام النبلاء

طلبه الحديث ورحلته

أبو عبد الله ٤-١طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، في العام الذي مات فيه مالك وحماد بن زيد، فسمع من هشيم بن بشير فأكثر وجوّد. قال: مات هشيم فخرجت إلى الكوفة سنة ثلاث وثمانين، وأول رحلاتي إلى البصرة سنة ست، وخرجت إلى سفيان سنة سبع، فقدمنا وقد مات الفضيل بن عياض. وحججت خمس حجج، منها ثلاث راجلاً، أنفقت في إحداها ثلاثين درهماً.

أبو عبد الله ٤-٢وقال: مات هشيم ولي عشرون سنة، فخرجت أنا والأعرابي، رفيق كان لأبي عبد الله، فخرجنا مشاة فوصلنا الكوفة، فأتينا أبا معاوية وعنده الخلق، فأعطى الأعرابي حجة بستين درهماً، فخرج وتركني في بيت وحدي فاستوحشت، وليس معي إلا جراب فيه كتبي، كنت أضعه فوق لبنة وأضع رأسي عليه.

أبو عبد الله ٤-٣وسمع من سفيان بن عيينة، ووكيع فأكثر، ويحيى القطان فبالغ، وعبد الرحمن بن مهدي، والشافعي، وعبد الرزاق، ويزيد بن هارون، وخلائق، فعدة شيوخه الذين روى عنهم في المسند مائتان وثمانون ونيف. وقال عبد الرحمن بن مهدي، وذكر أصحاب الحديث: أعلمهم بحديث الثوري أحمد بن حنبل، فأقبل أحمد، فقال ابن مهدي: من أراد أن ينظر إلى ما بين كتفي الثوري فلينظر إلى هذا.

المصدر: سير أعلام النبلاء

إلى عبد الرزاق بصنعاء

أبو عبد الله ٥-١قال أحمد: قدمت صنعاء أنا ويحيى بن معين، فمضيت إلى عبد الرزاق في قريته، فلما ذهبت أدقّ الباب قال لي بقّال تجاه داره: مه، لا تدقّ، فإن الشيخ يُهاب. فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج، فوثبت إليه وفي يدي أحاديث انتقيتها، فسلّمت وقلت: حدّثني بهذه رحمك الله، فإني رجل غريب. قال: ومن أنت؟ وزبرني، قلت: أنا أحمد بن حنبل، قال: فتقاصر وضمّني إليه، وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث وجعل يقرؤها حتى أظلم.

أبو عبد الله ٥-٢وقال عبد الرزاق: بلغني أن نفقته نفدت، فأخذت بيده فأقمته خلف الباب، فقلت له: وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها، فقال لي: يا أبا بكر، لو قبلت من أحد شيئاً قبلت منك. وقال ابن راهويه: لما خرج أحمد إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمّالين إلى أن وافى صنعاء، وعرض عليه أصحابه المواساة فلم يأخذ. وقال: كنت أطّلع فأراه يعمل التكك ويبيعها ويتقوّت بها.

المصدر: سير أعلام النبلاء

حفظه وثناء الأئمة عليه

أبو عبد الله ٦-١قال عبد الله بن أحمد: قال لي أبو زرعة: أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب. قال الذهبي: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يعدّون في ذلك المكرر، والأثر، وفتوى التابعي، وما فُسّر، ونحو ذلك، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك.

أبو عبد الله ٦-٢وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلّفت بها رجلاً أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحداً أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل، قال الذهبي: قال هذا وقد رأى مثل الثوري ومالك وابن جريج. وعن ابن المديني قال: أعزّ الله الدين بالصدّيق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة.

أبو عبد الله ٦-٣وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، لا يُذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط. قال الذهبي: كان أحمد عظيم الشأن، رأساً في الحديث وفي الفقه وفي التألّه، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأقرانه؟!

المصدر: سير أعلام النبلاء

زهده وعبادته

أبو عبد الله ٧-١قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته، فكان يصلي كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة. وكان أبي يقرأ كل يوم سُبعاً، وكان ينام نومة خفيفة بعد العشاء، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو.

أبو عبد الله ٧-٢وقال صالح: دخلت على أبي يوماً أيام الواثق، والله يعلم على أي حال نحن، وإذا تحت لبده كتاب فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد وجّهت إليك بأربعة آلاف درهم، فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إليّ ونحن في عافية، فأما الدين فإنه لرجل لا يرهقنا، وأما عيالنا ففي نعمة الله. فلما مضت سنة أو نحوها ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت.

أبو عبد الله ٧-٣وقال صالح: ربما رأيت أبي يأخذ الكسر، ينفض الغبار عنها، ويصيّرها في قصعة، ويصبّ عليها ماء، ثم يأكلها بالملح. وقال المروذي: كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت خنقته العبرة، وكان يقول: أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أُعرف، قد بُليت بالشهرة، إني أتمنى الموت صباحاً ومساءً.

أبو عبد الله ٧-٤وقال المروذي: لم أر الفقير في مجلس أعزّ منه في مجلس أحمد، كان مائلاً إليهم، مقصّراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل. وكان لا يجهل، وإن جُهل عليه حلم واحتمل، ويقول: يكفي الله.

المصدر: سير أعلام النبلاء

المحنة

أبو عبد الله ٨-١قال الذهبي: ظهر المأمون الخليفة، وكان ذكياً متكلماً، له نظر في المعقول، فاستجلب كتب الأوائل، وعرّب حكمة اليونان، ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها، وآل به الحال أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء، فلم يُمهل، وهلك لعامه، فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، لا يعرفون غير ذلك.

أبو عبد الله ٨-٢قال صالح: ثم امتُحن القوم، ووُجّه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعاً غير أربعة: أبي، ومحمد بن نوح، والقواريري، والحسن بن حماد سجّادة، ثم أجاب هذان، وبقي أبي ومحمد في الحبس أياماً، ثم جاء كتاب من طرسوس بحملهما مقيّدين زميلين. وقال أبو جعفر الأنباري: لما حُمل أحمد إلى المأمون عبرت الفرات، فقلت: يا هذا، أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبنّ خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعنّ خلق من الناس كثير، فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله.

أبو عبد الله ٨-٣وقال أحمد: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلّمني بها في رحبة طوق، قال: يا أحمد، إن يقتلك الحق متّ شهيداً، وإن عشت عشت حميداً، فقوّى قلبي. قال: فلما صرنا إلى أذنة ورحلنا منها في جوف الليل، إذا رجل قد دخل فقال: البشرى! قد مات الرجل، يعني المأمون، قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه.

أبو عبد الله ٨-٤قال صالح: لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس رُدّا في أقيادهما، فلما وصلا إلى عانة توفي محمد، وفُكّ قيده، وصلّى عليه أبي. وقال أبو عبد الله: ما رأيت أحداً على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يُقتدى بك، قد مدّ الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله، واثبت لأمر الله.

أبو عبد الله ٨-٥وصار أبي إلى بغداد مقيّداً، فحُبس، ثم حُوّل إلى سجن العامة، فقال: كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيّد. فلما كان في رمضان سنة تسع عشرة حُوّلت إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فكان يوجّه إليّ كل يوم برجلين فلا يزالان يناظراني، حتى إذا قاما دُعي بقيد فزيد في قيودي، فصار في رجلي أربعة أقياد.

المصدر: سير أعلام النبلاء

بين يدي المعتصم

أبو عبد الله ٩-١ثم حُمل إلى دار المعتصم، فقال: أُدخلت عليه، وإذا هو جالس، وأحمد بن أبي دواد حاضر، وقد جمع خلقاً كثيراً من أصحابه، ثم قال لهم: ناظروه، وكلّموه، فيكلّمني هذا فأردّ عليه، ويكلّمني هذا فأردّ عليه، فإذا انقطعوا يقول المعتصم: ويحك يا أحمد! ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ حتى أقول به.

أبو عبد الله ٩-٢ثم قال المعتصم: يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، وإني لأشفق عليك كشفقتي على ابني هارون، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله. فلما طال المجلس ضجر، وقال: قوموا. فلما كان بعد المغرب وجّه إليّ رجلين من أصحاب ابن أبي دواد يبيتان عندي ويناظراني، حتى إذا كان وقت الإفطار جيء بالطعام، ويجتهدان بي أن أفطر فلا أفعل، قال الذهبي: وكانت ليالي رمضان.

أبو عبد الله ٩-٣فلما كان اليوم الثالث قال: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عليه نحو ردّي، فقال: خذوه، اسحبوه، خلّعوه، فسُحبت وخُلعت. وجلس المعتصم على كرسي، ثم قال: العقابين والسياط، فجيء بالعقابين فمُدّت يداي، فجعل يتقدّم إليّ الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: شدّ، قطع الله يدك! ثم يتنحّى ويتقدّم آخر.

أبو عبد الله ٩-٤فلما ضُربت سبعة عشر سوطاً قام إليّ المعتصم، فقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق، ويقول: أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، ثم رجع وقال للجلاد: تقدّم، فذهب عقلي، ثم أفقت بعدُ فإذا الأقياد قد أُطلقت عني، وأتوني بسويق وقالوا: اشرب وتقيّأ، فقلت: لا أفطر. ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت الظهر، فتقدّم ابن سماعة فصلّى، فلما انفتل من صلاته قال لي: صلّيت والدم يسيل في ثوبك؟ قلت: قد صلّى عمر وجرحه يثعب دماً.

أبو عبد الله ٩-٥قال صالح: ثم خُلّي عنه فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن منذ أُخذ إلى أن ضُرب وخُلّي عنه ثمانية وعشرين شهراً. وجيء برجل ممن يبصر الضرب والعلاج، فنظر إلى ضربه فقال: قد رأيت من ضُرب ألف سوط، ما رأيت ضرباً مثل هذا، فجعل يعالجه، وكان قد أصاب وجهه غير ضربة، فبرأ منه، ولم يزل يتوجّع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بيّناً في ظهره إلى أن توفي.

أبو عبد الله ٩-٦وسمعت أبي يقول: لقد جعلت الميت في حلّ من ضربه إياي، ثم قال: مررت بهذه الآية: فمن عفا وأصلح فأجره على الله، فنظرت في تفسيرها، فإذا الحسن يقول: إذا كان يوم القيامة جثت الأمم كلها بين يدي الله رب العالمين، ثم نودي أن لا يقوم إلا من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، قال: فجعلت الميت في حلّ، ثم قال: وما على رجل أن لا يعذّب الله بسببه أحداً.

أبو عبد الله ٩-٧قال الله تعالى:

﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾سورة الشورى (مكية)، الآية ٤٠

المصدر: سير أعلام النبلاء · القرآن الكريم

أيام الواثق

أبو عبد الله ١٠-١قال حنبل: لم يزل أبو عبد الله بعد أن برئ من الضرب يحضر الجمعة والجماعة، ويحدّث ويفتي، حتى مات المعتصم، وولي ابنه الواثق، فأظهر ما أظهر من المحنة. وجاء نفر إلى أبي عبد الله وقالوا: هذا الأمر قد فشا وتفاقم، ونحن لا نرضى بإمارته، فمنعهم من ذلك، وناظرهم، وأمرهم بالصبر.

أبو عبد الله ١٠-٢فبينا نحن في أيام الواثق إذ جاء يعقوب ليلاً برسالة الأمير إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله: يقول لك الأمير: إن أمير المؤمنين قد ذكرك، فلا يجتمعنّ إليك أحد، ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض الله. قال: فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق، ولم يزل مختفياً في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هلك الواثق.

المصدر: سير أعلام النبلاء

في دولة المتوكل

أبو عبد الله ١١-١قال حنبل: ولي المتوكل جعفر، فأظهر الله السنة، وفرّج عن الناس، وكان أبو عبد الله يحدّثنا ويحدّث أصحابه في أيام المتوكل، وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم إليه في زماننا. ثم إن رافعاً رفع إلى المتوكل أن أحمد ربّص علوياً في منزله يريد أن يخرجه ويبايع عليه، ففتّشوا منزله والغرف والسطوح وتابوت الكتب فلم يروا شيئاً، فعلم المتوكل أن أبا عبد الله مكذوب عليه.

أبو عبد الله ١١-٢ثم جاء يعقوب، أحد حجّاب المتوكل، ببدرة ومعه كتاب المتوكل: إنه صحّ عند أمير المؤمنين براءة ساحتك، وقد وجّه إليك بهذا المال تستعين به، فأبى أن يقبله، فقال: يا أبا عبد الله، إنك إن رددته خفت أن يظنّ بك سوءاً، فحينئذ قبلها. فلما كان من الليل قال: ما أخذني النوم لهذا المال، فلما كان من السحر جعلنا نكتب من يذكرونه من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة، ففرّقها كلها، فما بقي في الكيس درهم.

أبو عبد الله ١١-٣وقال صالح: كان حمل أبي إلى المتوكل سنة سبع وثلاثين، فأُنزل في دار إيتاخ، فقال: حوّلوني، اكتروا لي داراً، ولم يزل حتى اكترينا له داراً، وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل، فما ذاق منها أبو عبد الله شيئاً ولا نظر إليها، وكان يواصل، ومكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يشرب. وأُلبس ثياباً عند دخوله على المعتز، فلما جاء نزع الثياب، وجعل يبكي، وقال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان في آخر عمري بُليت بهم!

أبو عبد الله ١١-٤وجاءه يعقوب فقال: البشرى يا أبا عبد الله! إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول: قد أعفيتك من لبس السود والركوب إلى ولاة العهود وإلى الدار، فجعل يحمد الله على ذلك. ودامت علّته، وأخبر يحيى بن خاقان المتوكل أنه رجل لا يريد الدنيا، فأذن له في الانصراف، فقال أبو عبد الله: اطلبوا لي زورقاً أنحدر الساعة، فانحدر لوقته إلى بغداد.

المصدر: سير أعلام النبلاء

أهله وولده

أبو عبد الله ١٢-١قال زهير بن صالح: تزوج جدي بأم أبي عباسة، فلم يولد له منها سوى أبي، ثم توفيت، ثم تزوج بعدها ريحانة، امرأة من العرب، فما ولدت له سوى عمي عبد الله. ولما توفيت أم عبد الله اشترى جدي حُسن، فولدت له أم علي زينب، والحسن والحسين توأماً وماتا بالقرب من ولادتهما، ثم ولدت الحسن ومحمداً فعاشا نحو الأربعين، ثم ولدت بعدهما سعيداً. وقال أحمد: تزوجت وأنا ابن أربعين سنة، فرزق الله خيراً كثيراً.

أبو عبد الله ١٢-٢وكان أسنّ بني أحمد صالح، فولي قضاء أصبهان، ومات بها سنة خمس وستين ومائتين عن نيف وستين سنة. والولد الثاني الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد، راوية أبيه، من كبار الأئمة، مات سنة تسعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة. والولد الثالث سعيد بن أحمد، وُلد لأحمد قبل موته بخمسين يوماً، فكبر وتفقّه، ومات قبل أخيه عبد الله.

المصدر: سير أعلام النبلاء

مرضه ووفاته

أبو عبد الله ١٣-١قال صالح: لما كان أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين حُمّ أبي ليلة الأربعاء، وبات وهو محموم يتنفس تنفساً شديداً، وكثر الناس، فجعلوا يدخلون عليه أفواجاً حتى تمتلئ الدار، فيسألونه ويدعون له ويخرجون. وقال لي: وجّه فاشتر تمراً، وكفّر عني كفارة يمين، فبقي في خريقته نحو ثلاثة دراهم، فأخبرته فقال: الحمد لله. ولم يزل يصلي قائماً، أمسكه فيركع ويسجد، ولم يزل عقله ثابتاً، فلما كان يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، لساعتين من النهار، توفي.

أبو عبد الله ١٣-٢وقال عبد الله بن أحمد: كنا نوضّئه، فجعل يشير بيده، فقال لي صالح: أي شيء يقول؟ فقلت: هو ذا يقول: خلّلوا أصابعي، فخلّلنا أصابعه، ثم ترك الإشارة فمات من ساعته. وصلّى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، وقال المتوكل لمحمد بن عبد الله: طوبى لك يا محمد، صلّيت على أحمد بن حنبل.

أبو عبد الله ١٣-٣وقال عبد الوهاب الورّاق: ما بلغنا أن جمعاً في الجاهلية ولا الإسلام مثله، يعني من شهد الجنازة، حتى بلغنا أن الموضع مُسح وحُزر على الصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألف، وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب ينادون من أراد الوضوء. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز.

المصدر: سير أعلام النبلاء

الروابط

الشيوخ: محمد بن إدريس الشافعي

التلاميذ: محمد بن إسماعيل البخاري، مسلم بن الحجاج

صفحة المصادر (٥١)

اسأل عن سيرة أحمد بن حنبل

يجيب الذكاء الاصطناعي من صفحات كتب المصادر التي كُتبت منها هذه السيرة، ويذكر الكتاب والجزء والصفحة. راجع المصدر قبل الاعتماد على الجواب.

أبلغ عن خطأ