غزوة حنين

التاريخ
شوال 8 هـ / 630 م
المكان
وادي حنين، بين مكة والطائف
عدد المسلمين
اثنا عشر ألفاً
عدد المشركين
هوازن وثقيف

خرج النبي ﷺ بعد فتح مكة إلى هوازن وثقيف، فانكشف المسلمون أول الأمر، ثم أنزل الله سكينته ونصرهم.

هوازن تجتمع

أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان. ولما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة جمعها مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال وهم قليل، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب. وفي بني جشم دريد بن الصمة، شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمّن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخاً مجرّباً، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 437

فلما أجمع السير إلى رسول الله ﷺ حطّ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يُقاد به، فقال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 437-438

فدعا مالكاً فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، فلم سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال: راعي ضأن والله! وهل يردّ المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضحت في أهلك ومالك. ارفعهم إلى متمنّع بلادهم وعليا قومهم، ثم الق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك قد أحرزت أهلك ومالك.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 438-439

قال مالك: والله لا أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعنّني يا معشر هوازن أو لأتّكئنّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فقالوا: أطعناك. ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدّوا شدّة رجل واحد. وبعث مالك عيوناً من رجاله فأتوه وقد تفرّقت أوصالهم، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ فقالوا: رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فوالله ما ردّه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 439

المسير إلى حنين

ولما سمع بهم نبي الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق فدخل فيهم فأقام فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله ﷺ، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 439-440

فلما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى هوازن ذُكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعاً له وسلاحاً، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غداً، فقال صفوان: أغصباً يا محمد؟ قال: بل عارية ومضمونة حتى نؤدّيها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 440

ثم خرج رسول الله ﷺ معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفاً، واستعمل عتّاب بن أسيد على مكة أميراً على من تخلّف عنه من الناس، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن. وقال رسول الله ﷺ، فيما حدّث بعض أهل مكة، حين فصل من مكة إلى حنين ورأى كثرة من معه من جنود الله: لن نُغلب اليوم من قلة، وزعم بعض الناس أن رجلاً من بني بكر قالها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 440 · السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 444

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾سورة التوبة (مدنية)، الآية ٢٥

وقال الحارث بن مالك: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة فيعلّقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوماً، فرأينا ونحن نسير مع رسول الله ﷺ سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال رسول الله ﷺ: الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، إنها السنن، لتركبنّ سنن من كان قبلكم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 442

الكمين والثبات

قال جابر بن عبد الله: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه انحداراً، وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيّؤوا وأعدّوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطّون إلا الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 442-443

وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال: أين أيها الناس؟ هلمّوا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، فلا شيء، حملت الإبل بعضها على بعض فانطلق الناس، إلا أنه قد بقي مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد، قُتل يومئذ.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 443

ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح له طويل، أمام هوازن وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتّبعوه. ولما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل، وهو مع أخيه صفوان بن أمية مشرك في المدة التي جعل له رسول الله ﷺ: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: اسكت فضّ الله فاك، فوالله لأن يربّني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربّني رجل من هوازن.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 443-444

وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة: قلت: اليوم أدرك ثأري من محمد، وكان أبوه قُتل يوم أحد، اليوم أقتل محمداً، فأدرت برسول الله ﷺ لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشّى فؤادي، فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 444

نداء العباس

قال العباس بن عبد المطلب: إني لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها، وكنت امرأ جسيماً شديد الصوت، ورسول الله ﷺ يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال: يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة، فأجابوا: لبيك لبيك، فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلّي سبيله، فيؤمّ الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 444-445

حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار، ثم خلصت أخيراً: يا للخزرج، وكانوا صبراً عند الحرب، فأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: الآن حمي الوطيس.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 445

وبينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع، إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، فيأتيه علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطنّ قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله. قال جابر: واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتّفين عند رسول الله ﷺ.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 445

والتفت رسول الله ﷺ إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر يومئذ معه، وكان حسن الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر بغلته، فقال: من هذا؟ قال: أنا ابن أمك يا رسول الله.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 446

والتفت رسول الله ﷺ فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حازمة وسطها ببرد لها، وإنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، فقال لها رسول الله ﷺ: أم سليم؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله ﷺ: أوَيكفي الله يا أم سليم؟ ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 446-447

هزيمة هوازن

قال جبير بن مطعم: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشكّ أنها الملائكة، ثم لم يكن إلا هزيمة القوم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 449

﴿ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾سورة التوبة (مدنية)، الآية ٢٦

وقال أبو قتادة الأنصاري: رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان، مسلماً ومشركاً، وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم، فأتيته فضربت يده فقطعتها، واعتنقني بيده الأخرى، فوالله ما أرسلني حتى وجدت ريح الدم، وكاد يقتلني، فلولا أن الدم نزفه لقتلني، فسقط فضربته فقتلته، وأجهضني عنه القتال، ومرّ به رجل من أهل مكة فسلبه. فلما وضعت الحرب أوزارها قال رسول الله ﷺ: من قتل قتيلاً فله سلبه، فأخبرته، فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر الصديق: لا والله لا يرضيه منه، تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه! اردد عليه سلب قتيله، فقال رسول الله ﷺ: صدق، اردد عليه سلبه. وقال أنس بن مالك: لقد استلب أبو طلحة يوم حنين وحده عشرين رجلاً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 448-449

فلما انهزمت هوازن استحرّ القتل من ثقيف في بني مالك، فقُتل منهم سبعون رجلاً تحت رايتهم. وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه وقومه من الأحلاف. ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجّه بعضهم نحو نخلة، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك في نخلة من الناس.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 449-450 · السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 453

فأدرك ربيعة بن رفيع السلمي دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه في شجار له، فإذا شيخ كبير وإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئاً، فقال: بئس ما سلّحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل ثم اضرب به، وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كنت كذلك أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثاً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 453

وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجّه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه القتال، فرُمي أبو عامر بسهم فقُتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري، وهو ابن عمه، فقاتلهم ففتح الله على يديه وهزمهم. ووقف مالك بن عوف عند الهزيمة في فوارس من قومه على ثنية من الطريق وقال لأصحابه: قفوا حتى تمضي ضعفاؤكم وتلحق أخراكم، حتى طلع الزبير بن العوام فصمد لهم، فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 454-456

الشيماء والسبي

ومرّ رسول الله ﷺ يومئذ بامرأة قد قتلها خالد بن الوليد والناس متقصّفون عليها، فقال: ما هذا؟ فقالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد، فقال لبعض من معه: أدرك خالداً فقل له: إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليداً أو امرأة أو عسيفاً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 457-458

وساق المسلمون فيمن ساقوا الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، فعنفوا عليها في السياق، فقالت للمسلمين: تعلّموا والله أني لأخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدّقوها حتى أتوا بها إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني أختك من الرضاعة، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضّة عضضتنيها في ظهري وأنا متورّكتك، فعرف رسول الله ﷺ العلامة، فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيّرها، وقال: إن أحببت فعندي محبّة مكرّمة، وإن أحببت أن أمتّعك وترجعي إلى قومك فعلت، فقالت: بل تمتّعني وتردّني إلى قومي، فمتّعها رسول الله ﷺ وردّها إلى قومها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 458

وأنزل الله عز وجل في يوم حنين: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم، إلى قوله: وذلك جزاء الكافرين. ثم جُمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مسعود بن عمرو الغفاري، وأمر بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحُبست بها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 459

حصار الطائف

ولما قدم فلّ ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال، ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف حين فرغ من حنين، فسلك على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من لية فابتنى بها مسجداً فصلّى فيه، وأمر وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهُدم. ثم مضى حتى نزل قريباً من الطائف فضرب به عسكره، فقُتل به ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم، فلما أُصيب أولئك النفر وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم، فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة، ويقال: سبع عشرة ليلة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 478 · السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 482

فحاصرهم رسول الله ﷺ وقاتلهم قتالاً شديداً وتراموا بالنبل، ورماهم بالمنجنيق، وهو أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق. حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبّابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالاً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 483

وقال رسول الله ﷺ لأبي بكر وهو محاصر ثقيفاً: يا أبا بكر، إني رأيت أني أُهديت لي قعبة مملوءة زبداً، فنقرها ديك فهراق ما فيها، فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله ﷺ: وأنا لا أرى ذلك. ثم قال لخويلة بنت حكيم: وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: أوما أُذن لك فيهم يا رسول الله؟ قال: لا، قال: أفلا أؤذّن بالرحيل؟ قال: بلى، فأذّن عمر بالرحيل.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 484

ونزل على رسول الله ﷺ في إقامته ممن كان محاصراً بالطائف عبيد فأسلموا، فأعتقهم رسول الله ﷺ، فلما أسلم أهل الطائف تكلّم نفر منهم في أولئك العبيد، فقال رسول الله ﷺ: لا، أولئك عتقاء الله. واستُشهد يوم الطائف من المسلمين نفر، منهم عبد الله بن أبي بكر الصديق، رُمي بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 485-486

الجعرانة

ثم خرج رسول الله ﷺ حين انصرف عن الطائف حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس، ومعه من هوازن سبي كثير، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله، ادع عليهم، فقال: اللهم اهد ثقيفاً وأت بهم. ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة، وكان معه من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الإبل والشاء ما لا يُدرى ما عدّته.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 488

وأتى وفد هوازن رسول الله ﷺ وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ الله عليك. وقام رجل من بني سعد بن بكر يقال له زهير، يكنى أبا صرد، فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كنّ يكفلنك، وأنت خير المكفولين.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 488-489

فقال رسول الله ﷺ: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، خيّرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل تردّ إلينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا، فقال لهم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صلّيت الظهر بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم. فلما صلّى رسول الله ﷺ بالناس الظهر قاموا فتكلّموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ: وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 489

فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: أما من تمسّك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه، فردّوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 489-490

وسأل رسول الله ﷺ وفد هوازن عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف، فقال: أخبروا مالكاً أنه إن أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل، فخرج إليه مالك من الطائف ليلاً، فلحق برسول الله ﷺ فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه، فاستعمله رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 491

قسم الفيء

ولما فرغ رسول الله ﷺ من ردّ سبايا حنين إلى أهلها ركب، واتّبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم، حتى ألجؤوه إلى شجرة فاختطفت عنه رداءه، فقال: أدّوا عليّ ردائي أيها الناس، فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذّاباً. ثم قام إلى جنب بعير فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه ثم رفعها ثم قال: أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدّوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عاراً وناراً وشناراً يوم القيامة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 492

وأعطى رسول الله ﷺ المؤلّفة قلوبهم، وكانوا أشرافاً من أشراف الناس، يتألّفهم ويتألّف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير، والحارث بن هشام مائة بعير، وسهيل بن عمرو مائة بعير، وعيينة بن حصن مائة بعير، والأقرع بن حابس مائة بعير، ومالك بن عوف مائة بعير، وصفوان بن أمية مائة بعير، في رجال غيرهم، وأعطى دون المائة رجالاً من قريش.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 492-493

وقال قائل لرسول الله ﷺ من أصحابه: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري! فقال رسول الله ﷺ: أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، ولكني تألّفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 496

وجاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف على رسول الله ﷺ وهو يعطي الناس فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ: أجل، فكيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، فغضب النبي ﷺ ثم قال: ويحك، إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون! فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فقال: لا، دعه، فإنه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 496-497

رسول الله ﷺ والأنصار

قال أبو سعيد الخدري: لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، حتى قال قائلهم: لقد لقي والله رسول الله ﷺ قومه. فدخل عليه سعد بن عبادة فأخبره، فقال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فجمع سعد الأنصار في تلك الحظيرة، فأتاهم رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 498-499

«يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا عَلَيَّ فِي أَنْفُسِكُمْ؟ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ»من قول رسول الله ﷺ للأنصار بالجعرانة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 499

قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل، ثم قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّ والفضل، قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدّقتم: أتيتنا مكذّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألّفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 499

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرّقوا. ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمراً، فلما فرغ من عمرته انصرف راجعاً إلى المدينة، واستخلف عتّاب بن أسيد على مكة، وخلّف معه معاذ بن جبل يفقّه الناس في الدين ويعلّمهم القرآن، وكانت عمرة رسول الله ﷺ في ذي القعدة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 500

من شهدها

قائمة جزئية من الشخصيات المضافة إلى المنصة.

أبلغ عن خطأ