غزوة خيبر

التاريخ
المحرم 7 هـ / 628 م
المكان
خيبر، شمال المدينة
عدد المسلمين
ألف وأربعمائة رجل ومائتا فارس
عدد المشركين
لم يذكر ابن إسحاق عددهم

سار النبي ﷺ إلى حصون خيبر بعد صلح الحديبية، ففتحها الله عليه حصناً حصناً.

المسير إلى خيبر

أقام رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر، واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي، ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب، وكانت بيضاء.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 328

وقال رسول الله ﷺ في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، عم سلمة بن عمرو بن الأكوع: انزل يا ابن الأكوع فخذ لنا من هناتك، فنزل يرتجز برسول الله ﷺ: والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدّقنا ولا صلّينا. فقال رسول الله ﷺ: يرحمك الله، فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله يا رسول الله، لو أمتعتنا به! فقُتل يوم خيبر شهيداً، رجع عليه سيفه وهو يقاتل فكلمه كلماً شديداً فمات منه، فكان المسلمون قد شكّوا فيه وقالوا: إنما قتله سلاحه، حتى سأل ابن أخيه سلمة رسول الله ﷺ عن ذلك وأخبره بقول الناس، فقال رسول الله ﷺ: إنه لشهيد، وصلّى عليه فصلّى عليه المسلمون.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 328-329

ولما أشرف رسول الله ﷺ على خيبر قال لأصحابه: قفوا، ثم قال: اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله. وكان يقولها لكل قرية دخلها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 329

وقال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قوماً لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار، فنزلنا خيبر ليلاً، فبات رسول الله ﷺ حتى إذا أصبح لم يسمع أذاناً، فركب وركبنا معه، فركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمسّ قدم رسول الله ﷺ، واستقبلنا عمّال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ والجيش قالوا: محمد والخميس معه! فأدبروا هرّاباً، فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 329-330

وكان رسول الله ﷺ حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر فبُني له فيها مسجد، ثم على الصهباء، ثم أقبل بجيشه حتى نزل بواد يقال له الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدّوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله ﷺ. فلما سمعت غطفان بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسّاً ظنّوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلّوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 330

فتح الحصون

وتدنّى رسول الله ﷺ الأموال يأخذها مالاً مالاً، ويفتتحها حصناً حصناً، فكان أول حصونهم افتُتح حصن ناعم، وعنده قُتل محمود بن مسلمة، أُلقيت عليه منه رحى فقتلته، ثم القموص حصن بني أبي الحقيق، وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا، منهن صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فاصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 330-331

وأكل المسلمون لحوم الحمر الأهلية من حمرها، فقام رسول الله ﷺ فنهى الناس عن أمور سمّاها لهم، قال عبد الله بن أبي سليط عن أبيه: أتانا نهي رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر الإنسية والقدور تفور بها فكفأناها على وجوهها. ونهاهم يومئذ عن إتيان الحبالى من السبايا، وعن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تُقسم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 331

وأتى بنو سهم من أسلم رسول الله ﷺ فقالوا: والله يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء، فلم يجدوا عند رسول الله ﷺ شيئاً يعطيهم إياه، فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاماً وودكاً، فغدا الناس، ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاماً وودكاً منه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 332

ولما افتتح رسول الله ﷺ من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم، وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحاً، فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة. وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم خيبر: يا منصور، أمت أمت.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 332-333

مرحب وأخوه

قال جابر بن عبد الله: خرج مرحب اليهودي من حصنهم قد جمع سلاحه يرتجز ويقول: من يبارز؟ فقال رسول الله ﷺ: من لهذا؟ قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قُتل أخي بالأمس، فقال: فقم إليه، اللهم أعنه عليه. فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فضربه، فاتّقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها فعضّت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 333-334

ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يقول: من يبارز؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير بن العوام خرج إلى ياسر، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: يقتل ابني يا رسول الله! قال: بل ابنك يقتله إن شاء الله، فخرج الزبير فالتقيا فقتله الزبير. فكان الزبير إذا قيل له: والله إن كان سيفك يومئذ لصارماً عضباً، قال: والله ما كان صارماً ولكني أكرهته.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 334

علي والراية

قال سلمة بن عمرو بن الأكوع: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل فرجع ولم يك فتح وقد جهد، ثم بعث الغد عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يك فتح وقد جهد، فقال رسول الله ﷺ: لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرّار. فدعا رسول الله ﷺ علياً وهو أرمد، فتفل في عينه ثم قال: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 334

قال سلمة: فخرج والله بها يأنح يهرول هرولة، وإنا لخلفه نتّبع أثره، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطّلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى، فما رجع حتى فتح الله على يديه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 335

وقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطاح ترسه من يده، فتناول علي باباً كان عند الحصن فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة معي أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 335

وقال أبو اليسر كعب بن عمرو: والله إنا لمع رسول الله ﷺ بخيبر ذات عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم، فقال رسول الله ﷺ: من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟ فقلت: أنا يا رسول الله، قال: فافعل، فخرجت أشتدّ مثل الظليم، فلما نظر إليّ رسول الله ﷺ مولّياً قال: اللهم أمتعنا به، فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن، فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت بهما أشتدّ كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ، فذبحوهما فأكلوهما. فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله ﷺ هلاكاً، فكان إذا حدّث هذا الحديث بكى ثم قال: أُمتعوا بي لعمري حتى كنت من آخرهم هلكاً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 335-336

صفية وكنانة

ولما افتتح رسول الله ﷺ القموص حصن بني أبي الحقيق أُتي بصفية بنت حيي بن أخطب وبأخرى معها، فمرّ بهما بلال، وهو الذي جاء بهما، على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكّت وجهها وحثت التراب على رأسها، فقال رسول الله ﷺ: أعزبوا عني هذه الشيطانة، وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله ﷺ قد اصطفاها لنفسه. وقال لبلال فيما بلغ ابن إسحاق: أنُزعت منك الرحمة يا بلال حين تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 336

وكانت صفية قد رأت في المنام، وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، أن قمراً وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تمنّين ملك الحجاز محمداً، فلطم وجهها لطمة خضّر عينها منها، فأُتي بها رسول الله ﷺ وبها أثر منه، فسألها ما هو؟ فأخبرته هذا الخبر.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 336

وأُتي رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رسول الله ﷺ رجل من يهود فقال: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟ قال: نعم، فأمر بالخربة فحُفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤدّيه، ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 336-337

الصلح على النصف

وحاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيّرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل، وكان رسول الله ﷺ قد حاز الأموال كلها: الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين. فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم في الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله ﷺ على النصف، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 337

فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يسيّرهم وأن يحقن دماءهم ويخلّوا له الأموال، ففعل، وكان فيمن مشى بينهم وبينه محيّصة بن مسعود، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئاً بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 337

الشاة المسمومة

فلما اطمأنّ رسول الله ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلّام بن مشكم، شاة مصليّة، وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمّت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله ﷺ فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 337-338

ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكاً استرحت منه، وإن كان نبياً فسيُخبر، فتجاوز عنها رسول الله ﷺ، ومات بشر من أكلته التي أكل. وقال رسول الله ﷺ في مرضه الذي تُوفي فيه، وقد دخلت عليه أم بشر بنت البراء تعوده: يا أم بشر، إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر، فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله ﷺ مات شهيداً، مع ما أكرمه الله به من النبوة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 338

في طريق العودة

فلما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف إلى وادي القرى فحاصر أهله ليالي، ثم انصرف راجعاً إلى المدينة. قال أبو هريرة: فلما انصرفنا مع رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القرى نزلنا بها أصيلاً مع مغرب الشمس، ومع رسول الله ﷺ غلام له أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي، فوالله إنه ليضع رحل رسول الله ﷺ إذ أتاه سهم غرب فأصابه فقتله، فقلنا: هنيئاً له الجنة، فقال رسول الله ﷺ: كلا والذي نفس محمد بيده، إن شملته الآن لتحترق عليه في النار، كان غلّها من فيء المسلمين يوم خيبر. فسمعها رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فأتاه فقال: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لي، فقال: يُقدّ لك مثلهما من النار.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 338-339

ولما أعرس رسول الله ﷺ بصفية، بخيبر أو ببعض الطريق، وكانت التي جمّلتها له ومشّطتها أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، بات بها في قبة له، وبات أبو أيوب خالد بن زيد متوشّحاً سيفه يحرس رسول الله ﷺ ويطيف بالقبة حتى أصبح، فلما رأى مكانه قال: ما لك يا أبا أيوب؟ قال: يا رسول الله، خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلتَ أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 339-340

ولما انصرف رسول الله ﷺ من خيبر فكان ببعض الطريق قال من آخر الليل: من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام؟ قال بلال: أنا يا رسول الله أحفظه عليك، فنزل رسول الله ﷺ ونزل الناس فناموا، وقام بلال يصلي ما شاء الله أن يصلي، ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه، فغلبته عينه فنام، فلم يوقظهم إلا مسّ الشمس، وكان رسول الله ﷺ أول أصحابه هبّ، فقال: ماذا صنعت بنا يا بلال؟ قال: يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: صدقت. ثم اقتاد بعيره غير كثير ثم أناخ فتوضّأ وتوضّأ الناس، ثم أمر بلالاً فأقام الصلاة فصلّى بالناس، فلما سلّم أقبل على الناس فقال: إذا نسيتم الصلاة فصلّوها إذا ذكرتموها، فإن الله تبارك وتعالى يقول: أقم الصلاة لذكري.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 340

وكان فتح خيبر في صفر. وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء من نساء المسلمين، فرضخ لهن رسول الله ﷺ من الفيء ولم يضرب لهن بسهم. قالت امرأة من بني غفار: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من بني غفار فقلنا: يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا، وهو يسير إلى خيبر، فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال: على بركة الله، فخرجنا معه. فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر رضخ لنا من الفيء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها وعلّقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبداً. فكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تُدفن معها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 341-343

الأسود الراعي

وكان من حديث الأسود الراعي أنه أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم له كان فيها أجيراً لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله، اعرض عليّ الإسلام، فعرضه عليه فأسلم، وكان رسول الله ﷺ لا يحقر أحداً أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه. فلما أسلم قال: يا رسول الله، إني كنت أجيراً لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها فإنها سترجع إلى ربها، فأخذ حفنة من الحصى فرمى بها في وجوهها وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبداً، فخرجت مجتمعة كأن سائقاً يسوقها حتى دخلت الحصن.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 344-345

ثم تقدّم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلّى لله صلاة قط، فأُتي به رسول الله ﷺ فوُضع خلفه وسُجّي بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 345

الحجاج بن علاط

ولما فُتحت خيبر كلّم الحجاج بن علاط السلمي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي بمكة مالاً عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة، ومالاً متفرقاً في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله، فأذن له، قال: إنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول، قال: قل. قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش يتسمّعون الأخبار، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، ولم يكونوا علموا بإسلامي، فقالوا: أخبرنا يا أبا محمد، فقلت: عندي من الخبر ما يسرّكم، هُزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقُتل أصحابه قتلاً لم تسمعوا بمثله قط، وأُسر محمد أسراً، فقاموا وصاحوا بمكة. فقلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي، فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فلّ محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار، فجمعوا لي مالي كأحثّ جمع سمعت به.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 345-346

فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر أقبل حتى وقف إلى جنب الحجاج فقال: يا حجاج، ما هذا الخبر الذي جئت به؟ فقال: فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء. حتى إذا فرغ من جمع كل شيء كان له بمكة وأجمع الخروج لقي العباس فقال: احفظ عليّ حديثي يا أبا الفضل، فإني أخشى الطلب ثلاثاً، ثم قل ما شئت، فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروساً على بنت ملكهم، يعني صفية بنت حيي، ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقاً من أن أُغلب عليه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 346-347

حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلّة له وتخلّق وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلّد لحرّ المصيبة، قال: كلا والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر وتُرك عروساً على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه، قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلماً فأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله، انفلت عدو الله، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 347

مقاسم خيبر وقدوم جعفر

وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة، فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبي ﷺ، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النبي ﷺ، وطعم رجال مشوا بين رسول الله ﷺ وبين أهل فدك بالصلح. وقُسمت خيبر على أهل الحديبية، من شهد خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله ﷺ كسهم من حضرها، وكانت عدة الذين قُسمت عليهم خيبر ألف سهم وثمانمائة سهم، برجالهم وخيلهم، الرجال أربع عشرة مائة، والخيل مائتا فارس، فكان لكل فرس سهمان ولفارسه سهم، ولكل راجل سهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 349-350

وقدم جعفر بن أبي طالب على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر، فقبّل رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه وقال: ما أدري بأيهما أنا أسرّ: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ وكان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ قد بعث فيهم رسول الله ﷺ إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، فحملهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 359

من شهدها

قائمة جزئية من الشخصيات المضافة إلى المنصة.

أبلغ عن خطأ