غزوة تبوك

التاريخ
رجب 9 هـ / 630 م
المكان
تبوك، شمال الحجاز
عدد المسلمين
لم يذكر ابن إسحاق عددهم
عدد المشركين
لم يقع قتال

آخر غزوة غزاها النبي ﷺ، خرج فيها في حرّ شديد وعسرة إلى أطراف الشام، ثم رجع ولم يلق كيداً.

التهيؤ في العسرة

أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتهيّؤ لغزو الروم، وذلك في زمان من عسرة الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه. وكان رسول الله ﷺ قلّما يخرج في غزوة إلا كنّى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بيّنها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهّب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنه يريد الروم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 515-516

فقال رسول الله ﷺ ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجدّ بن قيس أحد بني سلمة: يا جدّ، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، أوتأذن لي ولا تفتنّي؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجباً بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: قد أذنت لك. ففي الجدّ بن قيس نزلت هذه الآية.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 516

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ﴾سورة التوبة (مدنية)، الآية ٤٩

وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد وشكاً في الحق وإرجافاً برسول الله ﷺ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم: وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 517

﴿فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ﴾سورة التوبة (مدنية)، الآية ٨١

النفقة والبكاؤون

ثم إن رسول الله ﷺ جدّ في سفره، وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحضّ أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. قال ابن هشام: حدّثني من أثق به أن عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله ﷺ: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 517-518

ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ، وهم البكّاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحملوا رسول الله ﷺ، وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون. فلقي ابن يامين بن عمير أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفّل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوّى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحاً له فارتحلاه، وزوّدهما شيئاً من تمر، فخرجا مع رسول الله ﷺ.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 518

﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ﴾سورة التوبة (مدنية)، الآية ٩٢

وجاءه المعذّرون من الأعراب فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله تعالى. ثم استتبّ برسول الله ﷺ سفره وأجمع السير، وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله ﷺ حتى تخلّفوا عنه عن غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وأبو خيثمة، وكانوا نفر صدق لا يُتّهمون في إسلامهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 518-519

الخروج

فلما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع، واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، فيما قال ابن هشام. وضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه، فلما سار رسول الله ﷺ تخلّف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلّف من المنافقين وأهل الريب.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 519

وخلّف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلّفه إلا استثقالاً له وتخفّفاً منه، فأخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلّفتني أنك استثقلتني وتخفّفت مني، فقال: كذبوا، ولكنني خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي، فرجع علي إلى المدينة، ومضى رسول الله ﷺ على سفره.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 519-520

ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله ﷺ أياماً إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشّت كل واحدة منهما عريشها، وبرّدت له فيه ماء، وهيّأت له فيه طعاماً، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله ﷺ في الضحّ والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيّأ وامرأة حسناء في ماله مقيم، ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ، فهيّئا لي زاداً، ففعلتا، ثم قدّم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 520

فلما دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ: كن أبا خيثمة، فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلّم على رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: أولى لك يا أبا خيثمة، ثم أخبر رسول الله ﷺ الخبر، فقال له رسول الله ﷺ خيراً ودعا له بخير.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 520-521

في الطريق

وكان رسول الله ﷺ حين مرّ بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله ﷺ: لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا تتوضّؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً، ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. وقال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر سجّى ثوبه على وجهه واستحثّ راحلته ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفاً أن يصيبكم مثل ما أصابهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 521-522

فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فدعا رسول الله ﷺ، فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 522

ثم إن رسول الله ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلّت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، فقال زيد بن اللصيت، وكان منافقاً، وهو في رحل عمارة بن حزم: أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ وعمارة عنده: إن رجلاً قال كذا وكذا، وإني والله ما أعلم إلا ما علّمني الله، وقد دلّني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فجاؤوا بها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 522-523

ثم مضى رسول الله ﷺ سائراً، فجعل يتخلّف عنه الرجل فيقولون: يا رسول الله، تخلّف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلّف أبو ذر وأبطأ به بعيره. وتلوّم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشياً، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ: كن أبا ذر، فلما تأمّله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 523-524

وكان رهط من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت ومخشّن بن حمير، يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنا بكم غداً مقرّنين في الحبال، إرجافاً وترهيباً للمؤمنين. فقال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: أدرك القوم فسلهم عما قالوا، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت وهو آخذ بحقب ناقته: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله عز وجل: ولئن سألتهم ليقولنّ إنما كنا نخوض ونلعب.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 524-525

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾سورة التوبة (مدنية)، الآية ٦٥

في تبوك

ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحنّة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، فكتب رسول الله ﷺ لهم كتاباً فهو عندهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 525

ثم إن رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة، وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة كان ملكاً عليها، وكان نصرانياً، فقال رسول الله ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر. فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، في ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تحكّ بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأُسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فلما خرجوا تلقّتهم خيل رسول الله ﷺ فأخذته وقتلوا أخاه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 526

وقد كان على أكيدر قباء من ديباج مخوّص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله ﷺ، قال أنس بن مالك: رأيت قباء أكيدر حين قُدم به على رسول الله ﷺ، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجّبون منه، فقال رسول الله ﷺ: أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. ثم إن خالداً قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلّى سبيله فرجع إلى قريته.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 526

فأقام رسول الله ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلاً إلى المدينة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 527

العودة

وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له وادي المشقّق، فقال رسول الله ﷺ: من سبقنا إلى ذلك الوادي فلا يستقينّ منه شيئاً حتى نأتيه، فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله ﷺ وقف عليه فلم ير فيه شيئاً، فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: فلان وفلان، فقال: أولم أنههم أن يستقوا منه شيئاً حتى آتيه! ثم نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصبّ في يده ما شاء الله أن يصبّ، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق من الماء ما إن له حساً كحسّ الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 527

وقال عبد الله بن مسعود: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتّبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله ﷺ في حفرته، وأبو بكر وعمر يدلّيانه إليه، وهو يقول: أدنيا إليّ أخاكما، فدلّياه إليه، فلما هيّأه لشقّه قال: اللهم إني أمسيت راضياً عنه فارض عنه. قال عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 527-528

ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى نزل بذي أوان، وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلّي لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلّينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه، فخرجا سريعين حتى دخلاه وفيه أهله فحرّقاه وهدّماه وتفرّقوا عنه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 529-530

﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ﴾سورة التوبة (مدنية)، الآية ١٠٧

الثلاثة الذين خُلّفوا

وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وقد كان تخلّف عنه رهط من المنافقين، وتخلّف أولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: لا تكلّمنّ أحداً من هؤلاء الثلاثة، وأتاه من تخلّف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله ﷺ ولم يعذرهم الله ولا رسوله، واعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 531

قال كعب بن مالك: ما تخلّفت عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط غير أني كنت قد تخلّفت عنه في غزوة بدر، وكانت غزوة لم يعاتب الله ولا رسوله أحداً تخلّف عنها. وكان من خبري حين تخلّفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة، ووالله ما اجتمعت لي راحلتان قط حتى اجتمعتا في تلك الغزوة. فتجهّز رسول الله ﷺ وتجهّز المسلمون معه، وجعلت أغدو لأتجهّز معهم فأرجع ولم أقض حاجة، فأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمّر الناس بالجد، فأصبح رسول الله ﷺ غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 531-532

قال كعب: فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفرّط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم أفعل، وجعلت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم يحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 532

قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجّه قافلاً من تبوك حضرني بثّي، فجعلت أتذكّر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطة رسول الله ﷺ غداً؟ فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظلّ قادماً، زاح عني الباطل، وعرفت أني لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدقه. وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فجاءه المخلّفون فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فيقبل منهم علانيتهم وأيمانهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 533

قال كعب: حتى جئت فسلّمت عليه، فتبسّم تبسّم المغضب ثم قال لي: تعاله، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلّفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: إني يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلاً، ولكن والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديثاً كذباً لترضينّ عني، وليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدّثتك حديثاً صدقاً تجد عليّ فيه إني لأرجو عقباي من الله فيه، ولا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنك. فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدق فيه، فقم حتى يقضي الله فيك.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 533

قال كعب: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلّف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكّرت لي نفسي والأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلّمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلّي قريباً منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 534

قال كعب: حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلّمت عليه فوالله ما ردّ عليّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت عني، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي. وبينا أنا أمشي بالسوق إذا نبطي من نبط الشام يسأل عني، فدفع إليّ كتاباً من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذا من البلاء أيضاً، فعمدت بها إلى تنّور فسجرته بها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 534-535

قال كعب: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قلت: أطلّقها أم ماذا؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض. فلبثنا بعد ذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا، ثم صلّيت الصبح صبح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، على الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وضاقت عليّ نفسي، إذ سمعت صوت صارخ أوفى على ظهر سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء الفرج.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 535

وآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلّى الفجر، فذهب الناس يبشّروننا، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشّرني نزعت ثوبيّ فكسوتهما إياه بشارة، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، ثم انطلقت أتيمّم رسول الله ﷺ، وتلقّاني الناس يبشّرونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله فحيّاني وهنّأني، ووالله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 535-536

قال كعب: فلما سلّمت على رسول الله ﷺ قال لي ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك، قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله، وكان رسول الله ﷺ إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. قال كعب: فوالله ما أنعم الله عليّ نعمة قط بعد أن هداني للإسلام كانت أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ يومئذ، ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 536-537

﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ١١٧ وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨ ﴾سورة التوبة (مدنية)، الآيات ١١٧–١١٨

قال كعب: وكنا خُلّفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه ما قضى، فبذلك قال الله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا، وليس الذي ذكر الله من تخليفنا لتخلّفنا عن الغزوة، ولكن لتخليفه إيانا وإرجائه أمرنا عمّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 537

من شهدها

قائمة جزئية من الشخصيات المضافة إلى المنصة.

أبلغ عن خطأ