غزوة بدر الكبرى

التاريخ
17 رمضان 2 هـ / مارس 624 م
المكان
بدر، بين مكة والمدينة
عدد المسلمين
ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً
عدد المشركين
ما بين التسعمائة والألف

أول معركة كبرى بين المسلمين وقريش، وانتهت بنصر المسلمين مع قلة عددهم.

عير أبي سفيان

سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان بن حرب مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم، وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 606

فلما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلاً من الشام ندب المسلمين إليهم وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. فانتدب الناس، فخفّ بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حرباً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 606-607

وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسّس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوّفاً على أمر الناس، حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم سريعاً إلى مكة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 607

رؤيا عاتكة ونفير قريش

وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب، قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال، رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس فقالت: رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا لغُدَر لمصارعكم في ثلاث، فاجتمع الناس إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، ثم مثل به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ بمثلها، ثم على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة. فقال العباس: والله إن هذه لرؤيا، فاكتميها ولا تذكريها لأحد.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 607-608

ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقاً، فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة حتى تحدّثت به قريش في أنديتها. فلما غدا العباس ليطوف بالبيت قال له أبو جهل: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبّأ رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقاً ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب. فجحد العباس ذلك وأنكر أن تكون رأت شيئاً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 608-609

فلما أمسى العباس لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتته تلومه أن أقرّ لأبي جهل أن يقع في رجالهم ثم يتناول النساء وهو يسمع، فغدا في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة حديداً مغضباً يريد أن يقع به، فإذا أبو جهل قد خرج نحو باب المسجد يشتد، وقد سمع ما لم يسمع العباس: صوت ضمضم بن عمرو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، قد جدّع بعيره وحوّل رحله وشقّ قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال العباس: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 609

فتجهّز الناس سراعاً وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ كلا والله ليعلمنّ غير ذلك. فكانوا بين رجلين: إما خارج وإما باعث مكانه رجلاً، وأوعبت قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب تخلّف وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه. وكان أمية بن خلف قد أجمع القعود، وكان شيخاً جليلاً جسيماً ثقيلاً، فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين قومه بمجمرة فيها نار ومجمر، فوضعها بين يديه وقال: يا أبا علي، استجمر فإنما أنت من النساء، فقال: قبّحك الله وقبّح ما جئت به، ثم تجهّز فخرج مع الناس.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 609-610

ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعاً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 610 · السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 612

خروج رسول الله ﷺ

وخرج رسول الله ﷺ في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه، قال ابن هشام: خرج يوم الاثنين لثمان ليال خلون من رمضان. واستعمل عمرو بن أم مكتوم على الصلاة بالناس، ثم ردّ أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، وكان أبيض، وكان أمامه رايتان سوداوان، إحداهما مع علي بن أبي طالب يقال لها العقاب، والأخرى مع بعض الأنصار، وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ فيما قال ابن هشام.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 612-613

وكانت إبل أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيراً، فاعتقبوها، فكان رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً، وكان حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة موليا رسول الله ﷺ يعتقبون بعيراً، وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيراً. وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 613

فسلك طريقه من المدينة إلى مكة، حتى إذا كان قريباً من الصفراء بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين إلى بدر يتحسّسان له الأخبار عن أبي سفيان وغيره. ثم ترك الصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران، فجزع فيه ثم نزل.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 613-614

المشورة

وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله ﷺ خيراً ودعا له به.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 614-615

﴿قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾سورة المائدة (مدنية)، الآية ٢٤

ثم قال رسول الله ﷺ: أشيروا عليّ أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوّف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 615

«وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ. لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ»قول سعد بن معاذ لرسول الله ﷺ.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 615

فسُرّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشّطه ذلك، ثم قال: سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 615

﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآية ٧

الأخبار قبل اللقاء

ثم ارتحل رسول الله ﷺ من ذفران حتى نزل قريباً من بدر، فركب هو وأبو بكر حتى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما، فقال رسول الله ﷺ: إذا أخبرتنا أخبرناك، فقال: إنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله ﷺ، وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه قريش. فلما فرغ قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ: نحن من ماء، ثم انصرف عنه، والشيخ يقول: ما من ماء؟ أمِن ماء العراق؟

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 615-616

ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر، فأصابوا راوية لقريش فيها غلامان، فأتوا بهما فسألوهما ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. فركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه ثم سلّم، وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، والله إنهما لقريش.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 616-617

ثم قال لهما: أخبراني عن قريش، قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، قال: كم القوم؟ قالا: كثير، قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً، فقال رسول الله ﷺ: القوم فيما بين التسعمائة والألف. ثم قال: فمن فيهم من أشراف قريش؟ فعدّا له عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا البختري وحكيم بن حزام وأبا جهل وأمية بن خلف وسهيل بن عمرو في رجال منهم، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 617

وكان بسبس وعدي قد مضيا حتى نزلا بدراً، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنّاً لهما يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمعا جاريتين من جواري الحاضر تتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غداً أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك، فقال مجدي: صدقت، فانطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بما سمعا.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 617

وأقبل أبو سفيان حتى تقدّم العير حذراً، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحداً؟ فقال: ما رأيت أحداً أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففتّه، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى أصحابه سريعاً، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدراً بيسار، وانطلق حتى أسرع.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 618

ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدراً، وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام، فنقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها، فامضوا.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 618-619

وقال الأخنس بن شريق، وكان حليفاً لبني زهرة وهم بالجحفة: يا بني زهرة، قد نجّى الله لكم أموالكم وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة. فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعاً، ولم يخرج من بني عدي بن كعب رجل واحد. وكان بين طالب بن أبي طالب وبين بعض قريش محاورة، فقالوا: والله لقد عرفنا يا بني هاشم، وإن خرجتم معنا، أن هواكم لمع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 619

النزول ببدر

ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل، وهو الكثيب الذي خلفه قريش، والقُلُب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة. وبعث الله السماء، وكان الوادي دهساً، فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه منها ما لبّد لهم الأرض ولم يمنعهم عن السير، وأصاب قريشاً منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. فخرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 619-620

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآية ١١

فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله ﷺ: لقد أشرت بالرأي. فنهض ومن معه حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغُوّرت، وبنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فمُلئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 620

وقال سعد بن معاذ: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشاً تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلّف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حباً منهم، ولو ظنّوا أنك تلقى حرباً ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيراً ودعا له بخير، ثم بُني لرسول الله ﷺ عريش فكان فيه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 620-621

وارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول الله ﷺ تصوّب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاؤوا منه إلى الوادي، قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادّك وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة. وقال، وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر: إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 621

قريش تتشاور في الرجوع

فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ، فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله ﷺ: دعوهم، فما شرب منه رجل يومئذ إلا قُتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام، فإنه لم يُقتل، ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجّاني من يوم بدر.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 622

ولما اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد، فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد، فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئاً، فرجع إليهم فقال: ما وجدت شيئاً، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 622

فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى ألا تزال تُذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي، قال: قد فعلت، إنما هو حليفي فعليّ عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية، يعني أبا جهل، فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 622-623

ثم قام عتبة بن ربيعة خطيباً فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 623

قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعاً له من جرابها فهو يهيّئها، فقلت له: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا، فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمداً وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمداً وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه، فقد تخوّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه، واعمراه، فحميت الحرب وحقب الناس، واستوسقوا على ما هم عليه من الشر، وأُفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 623

فلما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ والله سحره، قال: سيعلم مصفّر استه من انتفخ سحره، أنا أم هو؟ ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 624

المبارزة

وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وكان رجلاً شرساً سيئ الخلق، فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبرّ يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 624-625

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة: عوف ومعوّذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء، ورجل آخر يقال هو عبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله ﷺ: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 625

فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي، قالوا: نعم، أكفاء كرام. فبارز عبيدة، وكان أسنّ القوم، عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذفّفا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 625

التقاء الجمعين

ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وقد أمر رسول الله ﷺ أصحابه ألا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل، ورسول الله ﷺ في العريش معه أبو بكر الصديق. فكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 625-626

وعدّل رسول الله ﷺ صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدّل به القوم، فمرّ بسوّاد بن غزية وهو مستنتل من الصف، فطعن في بطنه بالقدح وقال: استو يا سوّاد، فقال: يا رسول الله، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: استقد، فاعتنقه فقبّل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سوّاد؟ قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 626

ثم عدّل رسول الله ﷺ الصفوف ورجع إلى العريش فدخله، ومعه فيه أبو بكر ليس معه فيه غيره، ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعبد، وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وقد خفق رسول الله ﷺ خفقة وهو في العريش، ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 626-627

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآية ٩

وقد رُمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقُتل، فكان أول قتيل من المسلمين، ثم رُمي حارثة بن سراقة، أحد بني عدي بن النجار، وهو يشرب من الحوض، بسهم فأصاب نحره فقُتل.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 627

ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرّضهم وقال: والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيُقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام، أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتل. وقال عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء: يا رسول الله، ما يُضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسراً، فنزع درعاً كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتل.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 627-628

ولما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 628

﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآية ١٩

ثم إن رسول الله ﷺ أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشاً بها، ثم قال: شاهت الوجوه، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال: شدّوا، فكانت الهزيمة، فقتل الله تعالى من قُتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 628

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآية ١٧

فلما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله ﷺ في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش متوشّح السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله ﷺ يخافون عليه كرّة العدو، رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم، قال: أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إليّ من استبقاء الرجال.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 628

وقال النبي ﷺ لأصحابه يومئذ: إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كرهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ فلا يقتله، فإنه إنما أُخرج مستكرهاً. وإنما نهى عن قتل أبي البختري لأنه كان أكفّ القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة، وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 628-629

فلقيه المجذّر بن ذياد البلوي، حليف الأنصار، فقال له: إن رسول الله ﷺ قد نهانا عن قتلك، ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة، فقال: وزميلي؟ فقال المجذّر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله ﷺ إلا بك وحدك، فقال: لا والله، إذن لأموتنّ أنا وهو جميعاً، لا تتحدّث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصاً على الحياة، فأبى إلا القتال، فاقتتلا فقتله المجذّر. ثم أتى المجذّر رسول الله ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلا أن يقاتلني، فقاتلته فقتلته.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 629-630

مقتل أمية بن خلف

قال عبد الرحمن بن عوف: كان أمية بن خلف لي صديقاً بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسمّيت حين أسلمت عبد الرحمن، فكان يقول: إني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئاً أدعوك به، فجعلني عبد الإله. حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علي بن أمية آخذ بيده، ومعي أدراع قد استلبتها فأنا أحملها، فلما رآني قال: يا عبد الإله، هل لك فيّ، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قلت: نعم، فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ يريد أن من أسره افتدى منه بإبل كثيرة اللبن.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 631

قال عبد الرحمن: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي، وكان أمية هو الذي يعذّب بلالاً بمكة على ترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد أحد. فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، قلت: أي بلال، أبأسيريّ؟ قال: لا نجوت إن نجا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذبّ عنه، فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فقلت: انج بنفسك، فوالله ما أغني عنك شيئاً، فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالاً، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيريّ.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 632

الملائكة يوم بدر

قال رجل من بني غفار: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب، فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلاً يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 633

وقال أبو أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدراً، بعد أن ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشكّ فيه ولا أتمارى. وقال أبو داود المازني، وكان شهد بدراً: إني لأتّبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 633

وقال ابن عباس: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاً قد أرسلوها على ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمراً، ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون. وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر: أحد أحد.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 633-634

﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآية ١٢

مقتل أبي جهل

فلما فرغ رسول الله ﷺ من عدوه أمر بأبي جهل أن يُلتمس في القتلى. وكان أول من لقي أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح، أخو بني سلمة، قال: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة، وهم يقولون: أبو الحكم لا يُخلص إليه، فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلّقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطّيت بها عليها حتى طرحتها. ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 634-635

ثم مرّ بأبي جهل وهو عقير معوّذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق، وقاتل معوّذ حتى قُتل. فمرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله ﷺ أن يُلتمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله ﷺ فيما بلغ ابن إسحاق: انظروا، إن خفي عليكم في القتلى، إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يوماً أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان، وكنت أشفّ منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجُحش في إحداهما جحشاً لم يزل أثره به.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 635

قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه، وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني، ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني؟ أعمد من رجل قتلتموه؟ أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله. ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال: آلله الذي لا إله غيره؟ وكانت يمين رسول الله ﷺ، قلت: نعم، والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله ﷺ، فحمد الله.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 635-636

وقاتل عكّاشة بن محصن الأسدي يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلاً من حطب فقال: قاتل بهذا يا عكّاشة، فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزّه فعاد سيفاً في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمّى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قُتل في الردة وهو عنده.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 637

أهل القليب

قالت عائشة: لما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يُطرحوا في القليب طُرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحرّكوه فتزايل لحمه، فأقرّوه وألقوا عليه ما غيّبه من التراب والحجارة.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 638-639

وقال أنس بن مالك: سمع أصحاب رسول الله ﷺ رسول الله ﷺ من جوف الليل وهو يقول: يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام، فعدّد من كان منهم في القليب: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوماً قد جيّفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني. وقال يومئذ: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذّبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 639

ولما أمر رسول الله ﷺ أن يُلقوا في القليب أُخذ عتبة بن ربيعة فسُحب إلى القليب، فنظر رسول الله ﷺ في وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيب قد تغيّر لونه، فقال: يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟ فقال: لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك. فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خيراً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 640-641

الغنائم والعودة إلى المدينة

ثم إن رسول الله ﷺ أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجُمع، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ مخافة أن يخالف إليه العدو: والله ما أنتم بأحق به منا، لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله أكتافه، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنا خفنا على رسول الله ﷺ كرّة العدو فقمنا دونه.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 641-642

قال عبادة بن الصامت: فينا أصحاب بدر نزلت الأنفال حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله، فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواء، يقول: على السواء.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 642

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآية ١

ثم بعث رسول الله ﷺ عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيراً إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله ﷺ وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة. قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوّينا التراب على رقية ابنة رسول الله ﷺ التي كانت عند عثمان بن عفان، كان رسول الله ﷺ خلّفني عليها مع عثمان، أن زيد بن حارثة قد قدم، فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس، وهو يقول: قُتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، فقلت: يا أبت، أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بني.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 642-643

ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلاً إلى المدينة ومعه الأسارى من المشركين، وفيهم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، واحتمل معه النفل الذي أُصيب من المشركين، حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب يقال له سَيَر، فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء. ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنّئونه بما فتح الله عليه، فقال لهم سلمة بن سلامة: ما الذي تهنّئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعاً كالبدن المعقّلة فنحرناها، فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: أي ابن أخي، أولئك الملأ، يعني الأشراف والرؤساء.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 643-644

حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء قُتل النضر بن الحارث، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قُتل عقبة بن أبي معيط، فقال عقبة حين أمر رسول الله ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال: النار. ثم مضى رسول الله ﷺ حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 644

الأسارى

ولما أقبل رسول الله ﷺ بالأسارى فرّقهم بين أصحابه وقال: استوصوا بالأسارى خيراً. وكان أبو عزيز بن عمير، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه، في الأسارى، فقال: مرّ بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شدّ يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحيي فأردّها على أحدهم فيردّها عليّ ما يمسّها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 645

وقالت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ: رجعت إلى بيتي ورسول الله ﷺ فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فما ملكت نفسي حين رأيته كذلك أن قلت: أي أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متّم كراماً؟ فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله ﷺ من البيت: يا سودة، أعلى الله ورسوله تحرّضين؟ قلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 645

وقال عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، دعني أنزع ثنيّتي سهيل بن عمرو ويدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً، فقال رسول الله ﷺ: لا أمثّل به فيمثّل الله بي وإن كنت نبياً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 649

وكان فداء المشركين يومئذ أربعة آلاف درهم للرجل إلى ألف درهم، إلا من لا شيء له فمنّ رسول الله ﷺ عليه. وكان أبو العاص بن الربيع، ختن رسول الله ﷺ وزوج ابنته زينب، في الأسارى، فلما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، فلما رآها رسول الله ﷺ رقّ لها رقّة شديدة وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها مالها فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردّوا عليها الذي لها.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 660 · السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 652-653

الخبر في مكة

وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي، فقالوا: ما وراءك؟ قال: قُتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وأبو البختري، فلما جعل يعدّد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر: والله إن يعقل هذا فاسألوه عني، فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: ها هو ذاك جالساً في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قُتلا.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 646

وقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزاً. فبينا أنا جالس في حجرة زمزم أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ حتى جلس على طنب الحجرة، فقال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب: هلمّ إليّ فعندك لعمري الخبر، فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقودوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تُليق شيئاً ولا يقوم لها شيء.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 646-647

قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك والله الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة، وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يضربني وكنت رجلاً ضعيفاً، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجّة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده! فقام مولّياً ذليلاً، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 647

وناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمداً وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 647-648

إسلام عمير بن وهب

جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر بعد مصاب أهل بدر بيسير، وكان عمير شيطاناً من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن في العيش بعدهم خير، قال عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين عليّ ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علّة: ابني أسير في أيديهم. فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، فقال عمير: فاكتم شأني وشأنك، قال: أفعل.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 661

ثم أمر عمير بسيفه فشُحذ له وسُمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدّثون عن يوم بدر، إذ نظر إلى عمير حين أناخ على باب المسجد متوشّحاً السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر. ثم دخل على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: أدخله عليّ، فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها، وقال لرجال من الأنصار: ادخلوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 661-662

فلما رآه رسول الله ﷺ قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا ثم قال: انعموا صباحاً، وكانت تحية أهل الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة. ثم قال: فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً؟ قال: اصدقني، ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين عليّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 662

قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق. فقال رسول الله ﷺ: فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره، ففعلوا. ثم استأذن أن يقدم مكة فيدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، فأذن له، فلحق بمكة. وكان صفوان يقول حين خرج عمير: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف ألا يكلّمه أبداً. فأقام عمير بمكة يدعو إلى الإسلام، فأسلم على يديه ناس كثير.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 662-663

عدد من شهدها

فجميع من شهد بدراً من المسلمين، من المهاجرين والأنصار من شهدها منهم ومن ضُرب له بسهمه وأجره، ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلاً: من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلاً، ومن الأوس واحد وستون رجلاً، ومن الخزرج مائة وسبعون رجلاً. واستُشهد من المسلمين يوم بدر من قريش ستة نفر، ومن الأنصار ثمانية نفر، منهم عوف ومعوّذ ابنا عفراء.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 706-708

فجميع من أُحصي من قتلى قريش يوم بدر خمسون رجلاً، وجميع من حُفظ من الأسارى ثلاثة وأربعون رجلاً.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 714 · السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 7

ما نزل في بدر

فلما انقضى أمر بدر أنزل الله عز وجل فيه من القرآن الأنفال بأسرها. فذكر فيها خروجهم مع رسول الله ﷺ وهم يريدون العير طمعاً في الغنيمة، وكراهية بعضهم للقاء القوم حين عرفوا أن قريشاً قد سارت إليهم، ووعده إياهم إحدى الطائفتين. وذكر ما أنزل عليهم من الأمنة حين ناموا لا يخافون، والمطر الذي أصابهم تلك الليلة فحبس المشركين أن يسبقوا إلى الماء وخلّى سبيل المسلمين إليه، واستغاثتهم ربهم حين نظروا إلى كثرة عدوهم وقلة عددهم، فاستجاب لهم بدعاء رسول الله ﷺ ودعائهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 666-667

﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥ يُجَٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ٦ ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآيات ٥–٦

وذكر رمي رسول الله ﷺ إياهم بالحصباء من يده: أي لم يكن ذلك برميتك، لولا الذي جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم الله. وذكر استفتاح أبي جهل حين قال: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يُعرف فأحنه الغداة. وذكر إبليس حين تشبّه لهم بسراقة بن مالك، فلما تراءت الفئتان ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة نكص على عقبيه، فأوردهم ثم أسلمهم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 668 · السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 663

﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآية ٤٨

وذكر الأسارى فقال: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أُخذ منكم ويغفر لكم.

المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 1، ص 676-677

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾سورة الأنفال (مدنية)، الآية ٧٠

من شهدها

قائمة جزئية من الشخصيات المضافة إلى المنصة.

أبلغ عن خطأ