نقضت قريش صلح الحديبية، فسار النبي ﷺ إلى مكة ودخلها، وطهّر الكعبة من الأصنام، وعفا عن أهلها.
نقض العهد
أقام رسول الله ﷺ بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجباً. وكان بين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة وبين خزاعة دماء في الجاهلية، فبينا هم على ذلك حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به. فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله ﷺ وشرط لهم أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 389-390
فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل من بني بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأراً، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الديل، وهو يومئذ قائدهم، حتى بيّت خزاعة وهم على الوتير، ماء لهم بأسفل مكة، فأصابوا منهم رجلاً، وتحاوزوا واقتتلوا، ورفدت بني بكر قريش بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة: لا إله له اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم. فلما دخلت خزاعة مكة لجؤوا إلى دار بديل بن ورقاء ودار مولى لهم يقال له رافع.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 390-391
فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق بما استحلّوا من خزاعة، وكان في عقده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس، فأنشده شعراً يستنصره فيه ويذكر أن قريشاً أخلفوه الموعد ونقضوا ميثاقه المؤكّد، وبيّتوهم بالوتير هجّداً وقتلوهم ركّعاً وسجّداً. فقال رسول الله ﷺ: نُصرت يا عمرو بن سالم، ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهلّ بنصر بني كعب.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 394-395
ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فأخبروه بما أُصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة. وقد قال رسول الله ﷺ للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشدّ العقد ويزيد في المدة.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 395
أبو سفيان في المدينة
ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ليشدّ العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا. فقال أبو سفيان: من أين أقبلت يا بديل؟ وظنّ أنه قد أتى رسول الله ﷺ، قال: تسيّرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي، قال: أوما جئت محمداً؟ قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن جاء بديل المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففتّه فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 395-396
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ، قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 396
ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلّمه فلم يردّ عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلّمه أن يكلّم له رسول الله ﷺ فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلّمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذرّ لجاهدتكم به. ثم دخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمة، وعندها حسن بن علي غلام يدبّ بين يديها، فقال: يا علي، إنك أمسّ القوم بي رحماً، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعنّ كما جئت خائباً، فاشفع لي إلى رسول الله ﷺ، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 396
فقال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدّت عليّ فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك شيئاً، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، قال: أوترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكني لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق. فلما قدم على قريش أخبرهم بما لقي، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك، والله إن زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنك ما قلت.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 397
التجهز وكتاب حاطب
وأمر رسول الله ﷺ بالجهاز، وأمر أهله أن يجهّزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهي تحرّك بعض جهاز رسول الله ﷺ فقال: أي بنية، أأمركم رسول الله ﷺ أن تجهّزوه؟ قالت: نعم فتجهّز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري. ثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجدّ والتهيّؤ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فتجهّز الناس.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 397
ولما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلاً على أن تبلّغه قريشاً، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذّرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 398
فخرجا حتى أدركاها بالخليقة، فاستنزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، ولتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك، فلما رأت الجدّ منه قالت: أعرض، فأعرض، فحلّت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه، فأتى به رسول الله ﷺ. فدعا رسول الله ﷺ حاطباً فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيّرت ولا بدّلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 399
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ: وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فأنزل الله تعالى في حاطب: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 399
المسير ومرّ الظهران
ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر. ثم مضى حتى نزل مرّ الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار، فلم يتخلّف عنه منهم أحد.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 399-400
فلما نزل رسول الله ﷺ مرّ الظهران، وقد عُمّيت الأخبار عن قريش فلم يأتهم خبر عن رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو فاعل، خرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسّسون الأخبار. وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق، قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجراً بعياله.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 400
وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة لقيا رسول الله ﷺ أيضاً بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلّمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال. فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بنيّ له، قال: والله ليأذننّ لي أو لآخذنّ بيدي بنيّ هذا ثم لنذهبنّ في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رقّ لهما ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 400-401
إسلام أبي سفيان
قال العباس: فلما نزل رسول الله ﷺ مرّ الظهران قلت: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء فخرجت عليها، حتى جئت الأراك فقلت: لعلي أجد بعض الحطّابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه. فوالله إني لأسير عليها إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً، ويقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 402
قال العباس: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لك؟ فداك أبي وأمي، قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، فركب خلفي ورجع صاحباه. فجئت به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إليّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتدّ نحو رسول الله ﷺ، وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 402
فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله ﷺ، ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه، قلت: يا رسول الله، إني قد أجرته. فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلاً يا عمر، فوالله أن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله ﷺ: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 403
فلما أصبح غدا به العباس إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد، قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً. فقال له العباس: ويحك، أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تُضرب عنقك، فشهد شهادة الحق فأسلم.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 403
قال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئاً، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ: يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمرّ به جنود الله فيراها.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 403
فحبسه العباس بمضيق الوادي، ومرّت القبائل على راياتها، كلما مرّت قبيلة قال: يا عباس، من هذه؟ فيقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمرّ القبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فيقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفدت القبائل، حتى مرّ رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار لا يُرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً، قال: يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذن.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 404
قال العباس: النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قُبّح من طليعة قوم! قال: ويلكم، لا تغرّنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 404-405
دخول مكة
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجراً بشقة برد حبرة حمراء، وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمسّ واسطة الرحل.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 405
وحين فرّق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنّبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء. فزعم بعض أهل العلم أن سعداً حين وُجّه داخلاً قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلّ الحرمة، فسمعها رجل من المهاجرين، قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 406-407
وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنّبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصبّ لمكة بين يدي رسول الله ﷺ، ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، وضُربت له هنالك قبته.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 407
وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو قد جمعوا ناساً بالخندمة ليقاتلوا، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئاً من قتال، فقُتل كرز بن جابر وخنيس بن خالد، وكانا في خيل خالد فشذّا عنه فسلكا طريقاً غير طريقه فقُتلا جميعاً، وأُصيب من جهينة سلمة بن الميلاء، وأُصيب من المشركين ناس قريب من اثني عشر رجلاً أو ثلاثة عشر رجلاً، ثم انهزموا.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 407-408
وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وحنين والطائف: شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سمّاهم أمر بقتلهم وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 409
منهم عبد الله بن سعد، وكان قد أسلم وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي فارتدّ مشركاً، ففرّ إلى عثمان بن عفان، وكان أخاه للرضاعة، فغيّبه حتى أتى به رسول الله ﷺ بعد أن اطمأنّ الناس فاستأمن له، فصمت رسول الله ﷺ طويلاً ثم قال: نعم، ثم أسلم بعد، فولّاه عمر بن الخطاب بعض أعماله. ومنهم عكرمة بن أبي جهل، فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فاستأمنت له من رسول الله ﷺ فأمّنه، فخرجت في طلبه إلى اليمن حتى أتت به رسول الله ﷺ فأسلم.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 409-410
وقالت أم هانئ بنت أبي طالب: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة فرّ إليّ رجلان من أحمائي من بني مخزوم، فدخل عليّ علي بن أبي طالب أخي فقال: والله لأقتلنّهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشّح به، ثم صلّى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إليّ فقال: مرحباً وأهلاً يا أم هانئ، ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي، فقال: قد أجرنا من أجرت، وأمّنّا من أمّنت، فلا يقتلهما.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 411
وقالت أسماء بنت أبي بكر: لما وقف رسول الله ﷺ بذي طوى قال أبو قحافة لابنة من أصغر ولده: أي بنية، اظهري بي على أبي قبيس، وقد كُفّ بصره، فأشرفت به عليه. فلما دخل رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هلّا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له: أسلم، فأسلم.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 405-406
في البيت الحرام
ولما نزل رسول الله ﷺ مكة واطمأنّ الناس خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعاً على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده. ودخل مكة يوم الفتح وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 411 · السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 416-417
فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففُتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها. ورأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم عليه السلام مصوّراً في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام! ثم أمر بتلك الصور كلها فطُمست.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 411-413
ثم وقف على باب الكعبة وقد استكفّ له الناس في المسجد فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يُدّعى فهو تحت قدميّ هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 412
«يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ»من قول رسول الله ﷺ على باب الكعبة يوم الفتح.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 412
ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ: أين عثمان بن طلحة؟ فدُعي له فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 412
ودخل رسول الله ﷺ الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذّن، وأبو سفيان بن حرب وعتّاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتّاب: لقد أكرم الله أسيداً ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتّبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئاً، لو تكلّمت لأخبرت عني هذه الحصى. فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: قد علمت الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتّاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطّلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 413
حرمة مكة
فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله ﷺ فيهم خطيباً فقال: يا أيها الناس، إن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً ولا يعضد فيها شجراً، لم تحلل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلا هذه الساعة غضباً على أهلها، ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلّغ الشاهد منكم الغائب. يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم قتيلاً لأدينّه. ثم ودى رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 415-416
وقام رسول الله ﷺ حين افتتح مكة ودخلها على الصفا يدعو الله، وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي ﷺ: معاذ الله! المحيا محياكم، والممات مماتكم.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 416
الأمان والإسلام
وأراد فضالة بن عمير بن الملوّح الليثي قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدّث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك النبي ﷺ ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليّ منه.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 417
وخرج صفوان بن أمية يريد جدّة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هارباً منك ليقذف نفسه في البحر فأمّنه صلى الله عليك، قال: هو آمن، قال: يا رسول الله، فأعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 417-418
فقال عمير: يا صفوان، فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان من رسول الله ﷺ قد جئتك به، قال: ويحك، اغرب عني فلا تكلّمني، قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي، أفضل الناس، وأبرّ الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، ابن عمك، عزّه عزّك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذاك وأكرم، فرجع معه حتى وقف به على رسول الله ﷺ، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمّنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 418
وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام عند عكرمة بن أبي جهل، وفاختة بنت الوليد عند صفوان بن أمية، فأسلمتا، فلما أسلم عكرمة وصفوان أقرّهما رسول الله ﷺ عندهما على النكاح الأول. وخرج عبد الله بن الزبعرى إلى رسول الله ﷺ فأسلم، وقال حين أسلم شعراً يعتذر فيه مما كان منه.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 418-419
وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف.
المصدر: السيرة النبوية، ابن هشام (ت 218 هـ)، ت السقا وآخرين، ج 2، ص 421
من شهدها
قائمة جزئية من الشخصيات المضافة إلى المنصة.